المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثانيا دواعي الصحابة والتابعين في التغليظ على المخطئ في التفسير وإحجامهم عن تأويل القرآن - نقد الصحابة والتابعين للتفسير

[عبد السلام بن صالح الجار الله]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌أهمية الموضوع وأسباب اختياره:

- ‌أولاً: أن العناية بنقد التفسير

- ‌ثانياً: أهمية دراسة ظاهرة النقد عند المفسرين وتأصيلها

- ‌ثالثاً: حظيت بعض ظواهر التفسير بالدراسة والتحليل والتأصيل

- ‌رابعاً: أن هذه الدراسة تغطي جانباً مهماً من مناهج المفسرين في تعاملهم مع التفسير بمجالاته المختلفة

- ‌خامساً: أما الاقتصار على عصر الصحابة والتابعين فلأنهم الأصل

- ‌خطة البحث

- ‌التمهيد

- ‌أولاًالتعريف بالموضوع

- ‌1 - تعريف النقد:

- ‌2 - تعريف الصحابي:

- ‌3 - تعريف التابعي:

- ‌4 - تعريف التفسير:

- ‌ثانيًاالنقد النبوي للتفسير وأثره على الصحابة

- ‌نقد مناهج التفسير:

- ‌أ- نقد تأويل المتشابه:

- ‌ب - نقد الإسرائيليات:

- ‌ج - نقد الجدال في القرآن وضرب بعضه ببعض:

- ‌د - نقد التفسير بالرأي:

- ‌بيانه صلى الله عليه وسلم لوجه ضعف التفسير:

- ‌أثر النقد النبوي على الصحابة:

- ‌الباب الأول جهود الصحابة والتابعين في دفع الخطأ في التفسير قبل وقوعه

- ‌الفصلُ الأول تغليظ الخطأ في التفسير وبيان خطره

- ‌أولاً مظاهر تعظيم الصحابة والتابعين للتفسير وتغليظ الخطأ فيه

- ‌أولاً: اعتبار الخطأ في التفسير قولاً على الله بلا علم

- ‌ثانياً: النهي عن السؤال في التفسير، وترك مجالسة من يفعل ذلك

- ‌ثالثاً: اعتبار الكلام في التفسير أعظم من الكلام في العلوم الشرعية الأخرى

- ‌رابعاً: الامتناع عن تفسير القرآن

- ‌خامساً: الاستخارة عند تفسير القرآن

- ‌ثانياً دواعي الصحابة والتابعين في التغليظ على المخطئ في التفسير وإحجامهم عن تأويل القرآن

- ‌الفصلُ الثاني الاهتمام بالتفسير الصحيح والحث على ما يعين على فهم القرآن الكريم

- ‌أولاًالاهتمام بالتفسير الصحيح

- ‌أولاً: الرحلة في طلب تفسير القرآن

- ‌ثانياً: التثبت من المعنى الصحيح للآية

- ‌ثالثاً: الفرح بالتفسير الصحيح والحزن على فواته

- ‌رابعاً: الاهتمام برجال التفسير

- ‌ثانياًالحث على ما يعين على فهم القرآن

- ‌أولاً: الاستعانة بالسياق القرآني في فهم الآيات

- ‌ثانياً: الاستعانة بالسنة في فهم القرآن

- ‌ثالثاً: معرفة سبب نزول الآية

- ‌رابعاً: معرفة الناسخ والمنسوخ

- ‌خامساً: معرفة اللغة العربية

- ‌ومن أوجه عنايتهم بالعربية في بيان القرآن ما يأ

- ‌سادساً: التدرج في تعلم التفسير

- ‌الفصلُ الثالث الاختلاف في تفسير الصحابة والتابعين

- ‌أولاًطبيعة الاختلاف عند الصحابة والتابعين

- ‌أولاً: الاختلاف في الفروع دون الأصول

- ‌ثانياً: قلة الاختلاف عند الصحابة والتابعين

- ‌وهناك أسباب أدت إلى قلة اختلاف الصحابة والتابعين في التفسير، ومن أهمها

- ‌ثالثاً: اختلاف تنوع لا تضاد

- ‌رابعاً: مع الاختلاف مودة وألفة

- ‌خامساً: كراهة الاختلاف

- ‌ثانياًأدب الاختلاف عند الصحابة والتابعين

- ‌أولاً: احترام الرأي الآخر

- ‌الأول: عدم إلزام الطرف الآخر بالرجوع عن رأيه، وبخاصة إذا كان صادراً عن اجتهاد

- ‌الثاني: عدم التعدي على المخالف

- ‌الثالث: بقاء المكانة العلمية بين المختلفين على ما هي عليه

- ‌ثانياً: الرجوع إلى العلماء عند الاختلاف

- ‌ومن شواهده عن الصحابة والتابعين:

- ‌ثالثاً: الرجوع إلى الحق

- ‌ومن تلك المراجعات:

- ‌الباب الثاني دواعي نقد الصحابة والتابعين للتفسير، وأساليبه ومميزاته

- ‌الفصل الأول دواعي النقد عند الصحابة والتابعين

- ‌أولاً: ظهور الفتن والبدع

- ‌ثانياً: مخالطة أهل الكتاب

- ‌ثالثاً: دخول الأعاجم في الإسلام

- ‌رابعاً: تصدر بعض من لا علم عنده لتفسير القرآن

- ‌خامساً: مؤثرات سياسية

- ‌سادساً: مؤثرات اجتماعية

- ‌الفصل الثاني أساليب الصحابة والتابعين في نقد التفسير

- ‌ومن مظاهر الشدة في النقد:

- ‌أولاً: الشدة مع أهل البدع، وإغلاظ القول لهم، ومن أمثلته:

- ‌ثانياً: كلام الأقران بعضهم في بعض يكون شديداً أحياناً

- ‌ثالثاً: وقد يصل الأمر إلى التوبيخ حين يشعر الصحابة أن المرء تكلم في القرآن بلا علم، ومن أمثلته:

- ‌ومن مظاهر الرفق في النقد:

- ‌أولاً: الرفق مع أهل العلم والفضل، ومن أمثلته

- ‌ثانياً: الرفق مع الطلاب

- ‌ثالثاً: عدم الانتقاد المباشر للمخطئ

- ‌عبارات نقدية:

- ‌أولاً: التكذيب، وشواهده كثيرة

- ‌ومن أمثلة هذا الاستعمال في نقد التفسير:

- ‌ثانياً: زعم

- ‌ثالثاً: أخطأت التأويل

- ‌رابعاً: لم تصب.ومن أمثلته:

- ‌خامساً: بئسما قلت.ومن أمثلته:

- ‌سادساً: تَأَوَّلَ الآية على غير تأويلها.ومن أمثلته:

- ‌سابعاً: وَضَعَ الآية على غير موضعها.ومن أمثلته:

- ‌ثامناً: لقد حملتموها على غير المحمل.ومن أمثلته

- ‌تاسعاً: ليس بالذي تذهبون إليه

- ‌عاشراً: ما لكم ولهذه الآية

- ‌حادي عشر: لا تغرنكم هذه الآية.ومن أمثلته:

- ‌ثاني عشر: الضحك

- ‌الفصل الثالث مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير

- ‌المبحث الأول مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير

- ‌أولاً: أهليتهم للنقد

- ‌ثانياً: الاطلاع الواسع على المناهج والأقوال

- ‌ثالثاً: الاستدلال للنقد

- ‌رابعاً: بيان الرأي الصحيح

- ‌المبحث الثاني أبرز نقاد الصحابة والتابعين

- ‌الباب الثالث مجالات نقد التفسير عند الصحابة والتابعين

- ‌الفصلُ الأول نقد طرق التفسير ومناهجه

- ‌أولاًنقد التفسير بالرأي

- ‌ثانياًنقد التفسير بالإسرائيليات

- ‌صور نقد الإسرائيليات:

- ‌الأولى: النهي الصريح عن رواية الإسرائيليات وسؤال أهل الكتاب، ومن أقوالهم في ذلك:

- ‌الصورة الثانية: تكذيب الإسرائيليات، ومن شواهده:

- ‌الصورة الثالثة: انتقاد بعض الناس بسبب روايتهم الإسرائيليات وتتبعهم لها، ومن الآثار في ذلك:

- ‌الرابعة: الأمر بإتلاف الصحف المشتملة على الأخبار الإسرائيلية، ومن شواهده:

- ‌دواعي نقد الإسرائيليات:

- ‌توجيه الرواية عن أهل الكتاب وسؤالهم:

- ‌ثالثاًنقد تفاسير أهل البدع

- ‌منهج أهل البدع في فهم القرآن وتأويله:

- ‌منهج الصحابة والتابعين في الرد على أهل البدع:

- ‌الفرق التي انتقدها الصحابة والتابعون

- ‌أولاً: الخوارج

- ‌القضية الأولى: التكفير

- ‌القضية الثانية: قتال أهل القبلة

- ‌القضية الثالثة: تخليد أهل الكبائر في النار

- ‌القضية الرابعة: نفي الشفاعة عمن دخل النار

- ‌ثانياً: الشيعة

- ‌ثالثاً: القدرية

- ‌رابعاًنقد تفسير المتشابه

- ‌طرق الصحابة والتابعين في نقد تأويل المتشابه:

- ‌خامساًنقد الجدال في القرآن:

- ‌الجدال المحمود:

- ‌سادساًنقد تفاسير القُصَّاص

- ‌دواعي نقد القصاص

- ‌انتقاد القصاص في التفسير:

- ‌سابعاًنقد التكلف في التفسير

- ‌ثامناًنقد تدوين التفسير

- ‌ومما جاء عن الصحابة والتابعين في انتقاد تدوين التفسير:

- ‌الفصل الثاني نقد رجال التفسير

- ‌أولاًالرجال المنتقدون في التفسير

- ‌أولاً: مجاهد بن جبر المكي

- ‌الأمر الأول: سؤال أهل الكتاب

- ‌الأمر الثاني: مما انتقد به مجاهد رحمه الله تفسير القرآن بالرأي

- ‌ثانياً: عكرمة مولى ابن عباس

- ‌ولانتقاد ابن المسيب احتمالان:

- ‌وقد جاء تكذيب عكرمة عن غير سعيد بن المسيب:

- ‌وأجيب عن تكذيب ابن المسيب وغيره لعكرمة بأجوبة منها:

- ‌ثالثاً: الضحاك بن مزاحم الهلالي

- ‌رابعاً: أبو صالح مولى أم هانئ "باذام

- ‌خامساً: إسماعيل السدي

- ‌سادساً: زيد بن أسلم العدوي

- ‌سابعاً: محمد بن السائب الكلبي

- ‌ثانياًأسباب نقد رجال التفسير

- ‌ثالثاًأثر نقد رجال التفسير على تفاسيرهم

- ‌الفصل الثالث نقد الأقوال

- ‌أولاً:طريقة الصحابة والتابعين مع القول الواحد في تفسير الآية

- ‌الحالة الأولى: تصويب القول

- ‌الحالة الثانية: تصويب القول مع تقييده

- ‌الحالة الثالثة: تضعيف القول

- ‌القسم الأول: الاكتفاء بتضعيف القول فقط

- ‌القسم الثاني: تضعيف القول، وذكر القول الراجح

- ‌الحالة الرابعة: التوقف في معنى الآية، وعدم الجزم بصحة رأي معين، ومن أمثلته:

- ‌ثانياً:طريقة الصحابة والتابعين عند تعدد الأقوال في تفسير الآية

- ‌الحالة الأولى: ذكر الأقوال دون ترجيح.ومن أمثلتها:

- ‌الحالة الثانية: ترجيح أحد الأقوال.ومن أمثلتها:

- ‌الحالة الثالثة: الجمع بين الأقوال.ومن أمثلتها:

- ‌ثالثاًالرجوع عن القول

- ‌الباب الرابع أسس نقد التفسير عند الصحابة والتابعين وأثره

- ‌الفصل الأول أسس نقد التفسير عند الصحابة والتابعين

- ‌المبحث الأول الأسس المتعلقة بالرواية

- ‌أولاًمخالفة القرآن الكريم

- ‌ومن أقوالهم في ذلك:

- ‌صور نقد التفسير بالقرآن الكريم

- ‌الصورة الأولى: مخالفة سياق الآية

- ‌والرد بالسياق القرآني ثلاثة أقسام:

- ‌القسم الأول: الاستدلال على ضعف التفسير بما قبل الآية، ويعرف هذا بالسباق

- ‌القسم الثاني: الاستدلال على ضعف التفسير بما بعد الآية، ويعرف هذا بلحاق الآية

- ‌القسم الثالث: الاستدلال على ضعف التفسير بما قبل الآية وما بعدها

- ‌الصورة الثانية: مخالفة ظاهر الآية

- ‌الصورة الثالثة: نقد التفسير بآية أخرى

- ‌ثانياًمخالفة السنة النبوية

- ‌وقد استعمل الصحابة والتابعون هذه القاعدة، فردوا بها بعض التفسيرات، ومن الأمثلة على ذلك:

- ‌ثالثاًمخالفة سبب النزول

- ‌رابعاًمخالفة التاريخ

- ‌خامساًالطعن في صحة نقل التفسير

- ‌المبحث الثاني الأسس المتعلقة بالدراية

- ‌أولاً: مخالفة اللغة العربية

- ‌ثانياًاشتمال التفسير على ما يخل بمقام الأنبياء والملائكة وعصمتهم

- ‌اشتمال التفسير على الإخلال بمقام الأنبياء وعصمتهم

- ‌اشتمال التفسير على الإخلال بمقام الملائكة

- ‌ثالثاًمخالفة الواقع

- ‌ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:

- ‌رابعاًمعارضة التفسير بالقياس

- ‌خامساًأن يكون التفسير غير مفيد

- ‌ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:

- ‌سادساًنقد التفسير بذكر ما يترتب عليه

- ‌الفصل الثاني أثر نقد الصحابة والتابعين للتفسير

- ‌أولاًأثره في التفسير وأصوله

- ‌ثانياًأثره في علوم القرآن

- ‌أ- القراءات:

- ‌فمن شواهد ترجيح القراءة المتواترة:

- ‌ومن شواهد ترجيح القراءة الشاذة على المتواترة:

- ‌ب - الناسخ والمنسوخ:

- ‌القسم الأول: نقد القول بنسخ الآية، ومن أمثلته:

- ‌القسم الثاني: نقد القول بإحكام الآية، ومن أمثلته:

- ‌ثالثاًأثره في العقائد

- ‌رابعاًأثره في المتلقين

- ‌وأما المخطئ في الفهم والتأويل فإن انتقاده يعود عليه بفوائد:

- ‌الخاتمة

- ‌الفهارس

- ‌ثبت المصادر والمراجع

الفصل: ‌ثانيا دواعي الصحابة والتابعين في التغليظ على المخطئ في التفسير وإحجامهم عن تأويل القرآن

‌ثانياً دواعي الصحابة والتابعين في التغليظ على المخطئ في التفسير وإحجامهم عن تأويل القرآن

مما ينبغي العلم به أن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم حين أحجموا عن التفسير وتورعوا عن القول فيه، كانوا على علم تام بأن الله تعالى لم يقبض نبيه صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن أكمل به الدين، فلم يترك أمراً ولا حادثة يحتاج الناس إلى بيانها إلا وبين حكمها: إما نصاً أو دلالة، ومن ذلك تفسير القرآن الكريم، فقد بين صلى الله عليه وسلم لأصحابه معانيه كما بين لهم ألفاظه، كما قال الله تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (1).

ولم يكن ورع الصحابة والتابعين عن التفسير وإحجامهم عن الكلام فيه ناشئاً عن عدم العلم بمعنى الآية دائماً، فقد يسمع أحدهم في معناها شيئاً ومع ذلك يتورع عن الكلام فيها، كما سبق عن الشعبي قوله:«والله ما من آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله تعالى» .

وأيضاً فليس إحجامهم عن تفسير القرآن ظناً منهم أن الحق محجوب عن الأمة

(1) سورة النحل آية (44).

ص: 88

جميعاً (1)، وإنما أحجموا لمسوغات ودواعٍ ظهرت لهم، آثروا الإبقاء عليها والالتزام بها، وتقديمها على الخوض في بيان معاني كلام الله تعالى.

ومن هذه المسوغات والدواعي:

1 -

أن ما جاء عنهم من التغليظ على من فسر القرآن، وذم من فعل ذلك محمول في بعض الأحيان على من فسر القرآن برأيه، أو تكلم فيه بلا علم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية بعد سياقه آثاراً عن السلف في تحرجهم من القول في التفسير:«فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعاً فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه» (2).

ولذلك لا ينبغي حمل كلام السلف وفعلهم على أنه منهج يجب التزامه دائماً، فيترك تفسير القرآن الكريم، وقد عقد الطبري باباً في مقدمة تفسيره، ذكر فيه بعض الآثار المتقدمة، وبين أن السلف إنما أحجموا عن تفسير القرآن خوفاً من عدم إصابة الحق كما تقدم قبل قليل، وقد أشار في عنوان الباب إلى أن ما جاء عن السلف لا ينبغي أن يحمل على إطلاقه، فقال: «ذكر الأخبار التي غلط في تأويلها منكرو

(1) انظر: جامع البيان (1/ 83 - 84)، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (13/ 331).

(2)

مجموع الفتاوى (13/ 374).

ص: 89

القول في تأويل القرآن» (1).

2 -

الخشية من اجتهاد أحدهم في تفسير كلام الله تعالى، وعدم إصابته الحق، وما يترتب على ذلك من آثار يحرص أحدهم على تجنبها، ومن ذلك أن الخطأ في تفسير القرآن أشد من الخطأ في غيره؛ لما فيه من تفسير كلام الله على غير مراده، فيكون المرء قائلاً على الله بلا علم.

3 -

حماية تفسير القرآن الكريم من الخطأ والانحراف في فهمه، وذلك بإظهار تعظيمه في النفوس، وإعلاء قدره في الصدور، حتى لا يتجرأ أحد على الخوض فيه دون علم أو تثبت، ولو لم يوجد منهم هذا الورع والتعظيم لتفسير القرآن لظن بعض الناس أن الكلام فيه كالكلام في غيره من العلوم، فيطلق لسانه في كتاب الله، وقد يخطئ وينحرف في فهمه، أما إذا رأى هدي السلف مع تفسير كلام الله عرف مكانته، وعلم أن الخوض في تفسيره من الخطورة بمكان، فأمسك عن الحديث فيما لا يعلم.

4 -

يحجم الصحابة والتابعون رضي الله عنهم عن القول في تفسير القرآن إذا كان صادراً عن اجتهاد شخصي؛ مخافة أن يقتدي بعض الناس بفعلهم، فيقدم على تأويل القرآن باجتهاده مقتدياً بهم، وقد يخطئ في ذلك، فإذا عوتب قال: إمامي في ذلك

(1) جامع البيان (1/ 78).

ص: 90

فلان من السلف، فقد فسر القرآن باجتهاده (1).

* وقد ترك ورع الصحابة والتابعين وإحجامهم عن تفسير القرآن آثاراً بارزة، وأضحت له بصمات واضحة على حركة التفسير، ومعرفة هذه الآثار من الأهمية بمكان، ونحن في هذا المقام نريد الاطلاع على الأثر الحسن الذي تركه ورع السلف وحذرهم في هذا الباب على حركة التفسير، وكيف أثر هذا المسلك في حماية النصوص القرآنية من الانحراف في فهمها، وقد يرى بعض الناس أن المنهج الذي سلكه آخرون من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم خير وأحسن من هذا المسلك؛ لأنهم هم الذين نقلوا إلينا تفسير القرآن، ولذلك لما ذكر ابن عطية (2) تعظيم الصحابة والتابعين لتفسير القرآن، وساق بعض الآثار في ذلك، ذكر أن كثيراً منهم فسروا القرآن، قال:«وهم أبقوا على المسلمين في ذلك رضي الله عنهم» (3)، وهذا الأمر لا يُنكر، لكن لا يلزم منه أن أصحاب المسلك الأول الذي نتحدث عنه كانوا مخطئين أو

(1) الجامع لأحكام القرآن (1/ 29).

(2)

هو أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الملك بن غالب الغرناطي المالكي، فقيه عارف بالأحكام والتفسير، تولى القضاء في بعض نواحي الأندلس، أشهر كتبه المحرر الوجيز، توفي سنة (541).

انظر: بغية الملتمس (ص 339)، والديباج المذهب (ص 275)، وطبقات المفسرين للسيوطي (ص 50).

(3)

المحرر الوجيز (1/ 18)

ص: 91

مقصرين، وإنما كانوا مجتهدين بناءً على دواعٍ ومسوغات دفعتهم لهذا المسلك، وأصبح لفعلهم أثر محمود في حماية القرآن الكريم من التعدي على نصوصه بالتأويلات الباطلة المنحرفة.

* ومن الآثار التي تركها ورع الصحابة والتابعين عن تفسير القرآن تربية الأتباع على تعظيم التفسير، وأنه يختلف عن غيره من العلوم الشرعية التي يمكن التسامح فيها بالرأي، وقد ظهر تأثر التابعين بالصحابة رضي الله عنهم في إمساكهم وتحرجهم من التفسير، فإن أهل الكوفة عرفوا بتوسعهم في الرأي في الفقه ونحوه، إلا أنهم كانوا شديدي الحذر حين يتعلق الأمر بالقرآن الكريم وتفسيره، وقد سبق قول عبيدة السلماني لابن سيرين:«ذهب الذين كانوا يعلمون فيم أنزل القرآن؟ ، فاتق الله وعليك بالسداد» .

وقول مسروق: «اتقوا التفسير، فإنما هو الرواية عن الله» .

وقول الشعبي: «أدركت أصحاب عبد الله وأصحاب علي، وليس هم لشيء من العلم أكره منهم لتفسير القرآن» .

وقول إبراهيم النخعي: «كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه» ، وهؤلاء كلهم كوفيون.

ص: 92

وكان أبو وائل (1) - وهو كوفي - إذا سئل عن شيء من القرآن قال: قد أصاب الله ما أراد (2).

* ومن الآثار التي تركها ورع السلف عن تفسير القرآن الكريم قلة مرويات التفسير عمن اشتهر بورعه عن الكلام في تفسير القرآن، وهذا الأثر قد يكون بالنسبة إلينا غير محمود؛ لأنه تسبب في فقدان كثير من تفسير من هو مشهور به، وممن قلّ المروي عنه بسبب امتناعه عن تفسير القرآن سعيد بن المسيب، فعندما ذكر الذهبي (3) قوله: لا أقول في القرآن شيئاً؛ عقب عليه قائلاً: «ولهذا قل ما نقل عنه في التفسير» (4).

(1) هو شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، أحد علماء الكوفة وفقهائها، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه، من خيار أصحاب ابن مسعود، روى عن عمر وعثمان وعلي، وعنه الأعمش ومنصور، توفي سنة (82).

انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (6/ 64)، ووفيات الأعيان (2/ 476)، وتذكرة الحفاظ (1/ 60).

(2)

مصنف ابن أبي شيبة (10/ 513)، والطبقات الكبرى لابن سعد (6/ 67).

(3)

هو الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الدمشقي الحافظ، ولد سنة (673)، برز في علم الحديث والرجال وأكثر فيها التأليف، من كتبه: تاريخ الإسلام، والعبر، توفي سنة (748).

انظر: ذيل تذكرة الحفاظ للحسيني (ص 34)، وطبقات الشافعية للسبكي (9/ 100)، والدرر الكامنة (3/ 426).

(4)

سير أعلام النبلاء (4/ 242).

ص: 93

وسعيد من رؤوس أهل المدينة، وقد عرفوا بتعظيم هذا الباب أكثر من غيرهم، وقد تقدم قول عبيد الله بن عمر:«لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع» .

وقوله: «كان القاسم لا يفسر، يعني القرآن» ، وقوله:«كان سالم لا يفسر» .

وقول هشام بن عروة عن أبيه: «ما سمعت أبي تأول آية من كتاب الله قط» .

وسئل القاسم بن محمد عن معنى قوله تعالى: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} (1)، فقيل له:«أنزل أو لم ينزل؟ فقال: لا أبالي أي ذلك كان إلا أني آمنت به» (2).

ولهذا قلّ المروي عنهم بالنسبة لما جاء عن غيرهم (3).

(1) سورة البقرة آية (102).

(2)

جامع البيان (2/ 337).

(3)

انظر تفسير التابعين (1/ 592).

ص: 94