الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان رضي الله عنه يربي أتباعه على البعد عن كتب أهل الكتاب والاستغناء بالقرآن الكريم، ومن ذلك قصته مع علقمة والأسود (1).
فإذا جمعنا هذه الأمور إلى بعضها تبين السبب الذي من أجله احترز بعض الكوفيين من تفسير مجاهد رحمه الله.
الأمر الثاني: مما انتقد به مجاهد رحمه الله تفسير القرآن بالرأي
، فقد روى ابنه أنه قيل له:«أنت الذي تفسر القرآن برأيك! فبكى، ثم قال: إني إذاً لجريء! ، لقد حملت التفسير عن بضعة عشر رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم» (2).
ويستفاد من هذا النص أن مجاهداً عرف بالأخذ بالرأي، وقد عده ابن قتيبة من أسهل أهل العراق أخذاً بالرأي والقياس (3).
وورد عنه صراحةً ما يدل لذلك، فكان يقول:«إن أفضل العبادة الرأي الحسن» (4).
ومما جاء في عنايته بالرأي قوله: «كان لي صديق من قريش، فقلت له: هل
(1) انظر ما تقدم (ص 273).
(2)
رواه بسنده أبو الليث السمرقندي في بحر العلوم (1/ 73).
(3)
تأويل مختلف الحديث (ص 74).
(4)
الإيمان لابن أبي شيبة (ص 27)، وتأويل مختلف الحديث (ص 74)، والإبانة لابن بطة "الإيمان"(1/ 348)، وحلية الأولياء (3/ 293).
لك أن تجلو، فأواضعك الرأي (1)، فأنظر أين يقع رأيي من رأيك، ورأيك من رأيي؟ ، قال القرشي: مه! دعِ الود على حاله، فغلبني القرشي» (2).
ويبدو أن من انتقد مجاهداً وأشاع عنه الأخذ بالرأي في تفسير القرآن ممن يتورع عن تفسير القرآن بالرأي مطلقاً، وهذا حال كثير من أهل زمانه، وقد مضى ذكر شيء من حالهم.
والمطالع لتفسير مجاهد يجد فيه أقوالاً غريبة مصدرها الرأي، ومن أمثلة ذلك:
1 -
في قول الله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} (3) قال رحمه الله: «مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله لهم؛ {
…
كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}» (4).
تعقبه ابن جرير بقوله: «وهذا القول الذي قاله مجاهد، قول لظاهر ما دل
(1) في القاموس المحيط (ص 997) مادة " وضع ": «هلم أواضعك الرأي: أطلعك على رأيي، وتطلعني على رأيك» .
(2)
تاريخ دمشق (57/ 38).
(3)
سورة البقرة آية (65).
(4)
سورة الجمعة من الآية (5)، والأثر في جامع البيان (2/ 65)، وتفسير ابن أبي حاتم (1/ 133)، وعزاه في الدر المنثور (1/ 75) إلى ابن المنذر.
عليه كتاب الله مخالف»، ثم أخذ يبين وجه بطلانه (1).
وقال ابن كثير: «وهذا سند جيد عن مجاهد، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره» (2).
2 -
وفي قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (3) روى عنه منصور (4) أنه قال رحمه الله: «تنتظر الثواب من ربها، لا يراه من خلقه شيء» (5).
قال ابن عبد البر: «قول مجاهد هذا مردود بالسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأقاويل الصحابة وجمهور السلف، وهو قول عند أهل السنة مهجور، والذي عليه
(1) جامع البيان (2/ 65).
(2)
تفسير القرآن العظيم (1/ 151).
(3)
سورة القيامة الآيتان (22، 23).
(4)
هو ابن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة السلمي الكوفي، روى عن أبي وائل والحسن البصري وابن جبير، وعنه أيوب والأعمش، ثقة من أثبت أهل الكوفة، أكره على القضاء، وتوفي عام (132).
انظر: التاريخ الكبير (4/ 1/347)، وتذكرة الحفاظ (1/ 142)، وتهذيب التهذيب (4/ 159).
(5)
أخرجه ابن جرير في جامع البيان (23/ 508 - 509) عن سفيان عن منصور عن مجاهد، وقال ابن حجر في فتح الباري (13/ 425):«وأخرج [يعني عبد بن حميد] بسند صحيح عن مجاهد: ناظرة تنظر الثواب، وعن أبي صالح نحوه» ، ورواية أبي صالح أخرجها الطبري في جامع البيان (23/ 509)، وقال الشوكاني في فتح القدير (5/ 338):«وروي نحوه عن عكرمة، وقيل: لا يصح هذا إلا عن مجاهد وحده» .
جماعتهم ما ثبت في ذلك عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، وليس من العلماء أحد إلا وهو يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ثم بين أن مجاهداً وإن كان أحد المقدمين في العلم بتأويل القرآن، فإن قوله هذا مهجور عند العلماء مرغوب عنه (1).
وهذا القول مع ثبوته عن مجاهد، فقد ثبت عنه أنه فسر الآية بالنظر إلى وجه الله تعالى، فروى عنه منصور أنه قال في الآية:«نظرت إلى ربها ناظرة» .
وعنه قال: «{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} حسنة، {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تنظر إلى ربها تبارك وتعالى» (4)، فلعل مجاهداً لم تبلغه الأخبار في الرؤية، فقال بالقول الأول، فلما بلغته رجع عنه (5).
(1) التمهيد (7/ 157).
(2)
سورة المطففين آية (15).
(3)
تفسير القرآن العظيم (8/ 305 - 306)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (8/ 6899 - 6900)، وفتح القدير (5/ 338).
(4)
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (3/ 465).
(5)
انظر الفصل لابن حزم (3/ 2).
3 -
ومما توسع فيه مجاهد بالرأي ما ورد عنه في تفسير قوله تعالى: {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} (1) حيث أنكر أن تكون المائدة أنزلت عليهم، وقال:«مثل ضُرب؛ لم ينزل عليهم شيء» (2).
وقوله خلاف ما عليه جمهور المفسرين من أنها أنزلت حقيقة (3).
يقول الذهبي عن مجاهد: «ولمجاهد أقوال وغرائب في العلم والتفسير تستنكر» (4).
ويرى مجاهد أن هذه الآراء ونحوها داخلة ضمن القدر المسموح به من الرأي، وهو عندما جعل الرأي أفضل العبادة - كما تقدم - قيده بالرأي الحسن، ومفهومه لديه أن من الرأي ما هو سيء مذموم، وهو الرأي الصادر عن الهوى والابتداع، وكان رحمه الله شديد النفور منه، ويقول فيه:«ما أدري أي النعمتين أعظم علي؟ ! أن هداني إلى الإسلام، أو جنبني الأهواء» (5).
وعن حميد الأعرج (6) قال: «صليت إلى جنب رجل يتهم بالقدرية، فلقيت
(1) سورة المائدة من الآية (114).
(2)
جامع البيان (9/ 130).
(3)
انظر: زاد المسير (2/ 459)، والجامع لأحكام القرآن (3/ 2366)، وفتح القدير (2/ 93).
(4)
سير أعلام النبلاء (4/ 455).
(5)
أصول السنة لابن أبي زمنين (ص 304)، وحلية الأولياء (3/ 293)، وتاريخ دمشق (57/ 39).
(6)
هو أبو صفوان حميد بن قيس المكي القارئ، عرض على مجاهد القرآن ثلاث مرات، روى عن الزهري وابن المنكدر، وعنه السفيانان ومالك، ووثقه غير واحد وحديثه في الكتب الستة، توفي عام (130).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (5/ 357)، وغاية النهاية (1/ 265)، وتهذيب التهذيب (1/ 497).
مجاهداً فأعرض عني، فقلت له، فقال: ألم أرك صليت إلى جنب فلان؟ ! ، قلت: إنما ضمتني وإياه الصلاة» (1).
وكان ينهى عن مجالسة أهل الأهواء (2)، ومما يؤكد ذلك أنه لما قيل له: إنك تفسر القرآن برأيك، استبشع ذلك ونفر منه.
ومع وضوح منهج مجاهد رحمه الله من الأهواء والبدع، ونفرته من الآراء المذمومة إلا أن بعض المستشرقين استغل ما انتقد به وأشيع عنه، وحمله فوق ما يحتمل، فنسب مجاهداً إلى البدعة والهوى، مثل جولد تسيهر (3)
الذي زعم بأن الآراء التي أشرنا إليها كانت نواة مذهب المعتزلة (4).
(1) الإبانة لابن بطة " القدر"(2/ 207).
(2)
الإبانة لابن بطة " الإيمان "(2/ 443)، وكتاب ما جاء في البدع لابن وضاح (ص 111).
(3)
هو إجناس جولد تسيهر، مستشرق يهودي مجري، تعلم في بودا بست وبرلين، وسافر إلى مصر وسوريا، وله عدة مؤلفات عن الإسلام بعدة لغات ترجم بعضها إلى العربية، توفي سنة (1921 م).
انظر الأعلام للزركلي (1/ 84).
(4)
مذاهب التفسير الإسلامي (ص 129 - 133)، وانظر آراء المستشرقين حول القرآن وتفسيره، د. رضوان (2/ 740 - 743). والمعتزلة يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد، ومذهبهم قائم على نفي الصفات عن الله تعالى، وأن العبد يخلق فعله: خيره وشره، والفاسق عندهم بمنزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا هو كافر، كما قالوا باستحالة رؤية الله بالأبصار، وهم فرق، منها: الواصلية، والهذيلية، والنظامية، والبشرية، والمعمرية.
انظر: مقالات الإسلاميين (ص 155)، والفرق بين الفرق (ص 24، 114)، والملل والنحل (1/ 43).
وبالجملة فالنقد لمجاهد سواء في تفسير القرآن بالإسرائيليات أو بالرأي لم يصل إلى درجة الطعن في صدقه، أو القدح في عدالته، وإنما في شيء يرى أن فيه سعة، وما أخطأ فيه من المسائل قليل مغمور في كثير صوابه رحمه الله (1).
وإمامة مجاهد في التفسير، وعدالته وتثبته في رواية الأحاديث، وأخذه التفسير عن شيخه حبر الأمة وملازمته له، وحكايته عن نفسه أن القرآن استغرق علمه (2) من الأمور المشهورة عنه، وهي ترفع من قدره ومكانته في هذا العلم، وتجعله في مصاف كبار مفسري التابعين، وهذا الذي استقر عليه رأي العلماء وأجمعت عليه كلمتهم:
فتقدم قول قتادة رحمه الله: «أعلم من بقي بالتفسير مجاهد» (3).
(1) انظر التفسير والمفسرون (1/ 105).
(2)
المعرفة والتاريخ (1/ 712).
(3)
تذكرة الحفاظ (1/ 92).
وقول خصيف: إن مجاهداً أعلم أصحاب ابن عباس بالتفسير (1).
ويقول سفيان الثوري: «إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به» (2).
وقيل لشريك (3): «أي الرجلين كان أعلم بالتفسير مجاهد أو سعيد بن جبير؟ ، قال: كان مجاهد» (4).
ووصفه ابن تيمية بأنه كان آية في التفسير (5).
كما حكى الذهبي إجماع الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به (6)، وقال ابن كثير:«كان أعلم أهل زمانه بالتفسير» (7).
والدفاع عن مجاهد وإثبات مكانته في التفسير وعلو شأوه فيه ينبغي ألا
(1) التاريخ الكبير (4/ 1/412)، وانظر الجرح والتعديل (4/ 1/319).
(2)
جامع البيان (1/ 85).
(3)
هو القاضي أبو عبد الله شريك بن عبد الله النخعي الكوفي، روى عن الأعمش وهشام بن عروة، وتغير حفظه في آخر أمره، قال الذهبي:«حديثه من أقسام الحسن» ، توفي عام (177) وله (82) سنة.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (6/ 263)، وتذكرة الحفاظ (1/ 232)، وتهذيب التهذيب (2/ 164).
(4)
فضائل الصحابة لأحمد (2/ 958).
(5)
مجموع الفتاوى (13/ 368).
(6)
ميزان الاعتدال (4/ 360).
(7)
البداية والنهاية (13/ 6).