المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الأمر الثاني: مما انتقد به مجاهد رحمه الله تفسير القرآن بالرأي - نقد الصحابة والتابعين للتفسير

[عبد السلام بن صالح الجار الله]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌أهمية الموضوع وأسباب اختياره:

- ‌أولاً: أن العناية بنقد التفسير

- ‌ثانياً: أهمية دراسة ظاهرة النقد عند المفسرين وتأصيلها

- ‌ثالثاً: حظيت بعض ظواهر التفسير بالدراسة والتحليل والتأصيل

- ‌رابعاً: أن هذه الدراسة تغطي جانباً مهماً من مناهج المفسرين في تعاملهم مع التفسير بمجالاته المختلفة

- ‌خامساً: أما الاقتصار على عصر الصحابة والتابعين فلأنهم الأصل

- ‌خطة البحث

- ‌التمهيد

- ‌أولاًالتعريف بالموضوع

- ‌1 - تعريف النقد:

- ‌2 - تعريف الصحابي:

- ‌3 - تعريف التابعي:

- ‌4 - تعريف التفسير:

- ‌ثانيًاالنقد النبوي للتفسير وأثره على الصحابة

- ‌نقد مناهج التفسير:

- ‌أ- نقد تأويل المتشابه:

- ‌ب - نقد الإسرائيليات:

- ‌ج - نقد الجدال في القرآن وضرب بعضه ببعض:

- ‌د - نقد التفسير بالرأي:

- ‌بيانه صلى الله عليه وسلم لوجه ضعف التفسير:

- ‌أثر النقد النبوي على الصحابة:

- ‌الباب الأول جهود الصحابة والتابعين في دفع الخطأ في التفسير قبل وقوعه

- ‌الفصلُ الأول تغليظ الخطأ في التفسير وبيان خطره

- ‌أولاً مظاهر تعظيم الصحابة والتابعين للتفسير وتغليظ الخطأ فيه

- ‌أولاً: اعتبار الخطأ في التفسير قولاً على الله بلا علم

- ‌ثانياً: النهي عن السؤال في التفسير، وترك مجالسة من يفعل ذلك

- ‌ثالثاً: اعتبار الكلام في التفسير أعظم من الكلام في العلوم الشرعية الأخرى

- ‌رابعاً: الامتناع عن تفسير القرآن

- ‌خامساً: الاستخارة عند تفسير القرآن

- ‌ثانياً دواعي الصحابة والتابعين في التغليظ على المخطئ في التفسير وإحجامهم عن تأويل القرآن

- ‌الفصلُ الثاني الاهتمام بالتفسير الصحيح والحث على ما يعين على فهم القرآن الكريم

- ‌أولاًالاهتمام بالتفسير الصحيح

- ‌أولاً: الرحلة في طلب تفسير القرآن

- ‌ثانياً: التثبت من المعنى الصحيح للآية

- ‌ثالثاً: الفرح بالتفسير الصحيح والحزن على فواته

- ‌رابعاً: الاهتمام برجال التفسير

- ‌ثانياًالحث على ما يعين على فهم القرآن

- ‌أولاً: الاستعانة بالسياق القرآني في فهم الآيات

- ‌ثانياً: الاستعانة بالسنة في فهم القرآن

- ‌ثالثاً: معرفة سبب نزول الآية

- ‌رابعاً: معرفة الناسخ والمنسوخ

- ‌خامساً: معرفة اللغة العربية

- ‌ومن أوجه عنايتهم بالعربية في بيان القرآن ما يأ

- ‌سادساً: التدرج في تعلم التفسير

- ‌الفصلُ الثالث الاختلاف في تفسير الصحابة والتابعين

- ‌أولاًطبيعة الاختلاف عند الصحابة والتابعين

- ‌أولاً: الاختلاف في الفروع دون الأصول

- ‌ثانياً: قلة الاختلاف عند الصحابة والتابعين

- ‌وهناك أسباب أدت إلى قلة اختلاف الصحابة والتابعين في التفسير، ومن أهمها

- ‌ثالثاً: اختلاف تنوع لا تضاد

- ‌رابعاً: مع الاختلاف مودة وألفة

- ‌خامساً: كراهة الاختلاف

- ‌ثانياًأدب الاختلاف عند الصحابة والتابعين

- ‌أولاً: احترام الرأي الآخر

- ‌الأول: عدم إلزام الطرف الآخر بالرجوع عن رأيه، وبخاصة إذا كان صادراً عن اجتهاد

- ‌الثاني: عدم التعدي على المخالف

- ‌الثالث: بقاء المكانة العلمية بين المختلفين على ما هي عليه

- ‌ثانياً: الرجوع إلى العلماء عند الاختلاف

- ‌ومن شواهده عن الصحابة والتابعين:

- ‌ثالثاً: الرجوع إلى الحق

- ‌ومن تلك المراجعات:

- ‌الباب الثاني دواعي نقد الصحابة والتابعين للتفسير، وأساليبه ومميزاته

- ‌الفصل الأول دواعي النقد عند الصحابة والتابعين

- ‌أولاً: ظهور الفتن والبدع

- ‌ثانياً: مخالطة أهل الكتاب

- ‌ثالثاً: دخول الأعاجم في الإسلام

- ‌رابعاً: تصدر بعض من لا علم عنده لتفسير القرآن

- ‌خامساً: مؤثرات سياسية

- ‌سادساً: مؤثرات اجتماعية

- ‌الفصل الثاني أساليب الصحابة والتابعين في نقد التفسير

- ‌ومن مظاهر الشدة في النقد:

- ‌أولاً: الشدة مع أهل البدع، وإغلاظ القول لهم، ومن أمثلته:

- ‌ثانياً: كلام الأقران بعضهم في بعض يكون شديداً أحياناً

- ‌ثالثاً: وقد يصل الأمر إلى التوبيخ حين يشعر الصحابة أن المرء تكلم في القرآن بلا علم، ومن أمثلته:

- ‌ومن مظاهر الرفق في النقد:

- ‌أولاً: الرفق مع أهل العلم والفضل، ومن أمثلته

- ‌ثانياً: الرفق مع الطلاب

- ‌ثالثاً: عدم الانتقاد المباشر للمخطئ

- ‌عبارات نقدية:

- ‌أولاً: التكذيب، وشواهده كثيرة

- ‌ومن أمثلة هذا الاستعمال في نقد التفسير:

- ‌ثانياً: زعم

- ‌ثالثاً: أخطأت التأويل

- ‌رابعاً: لم تصب.ومن أمثلته:

- ‌خامساً: بئسما قلت.ومن أمثلته:

- ‌سادساً: تَأَوَّلَ الآية على غير تأويلها.ومن أمثلته:

- ‌سابعاً: وَضَعَ الآية على غير موضعها.ومن أمثلته:

- ‌ثامناً: لقد حملتموها على غير المحمل.ومن أمثلته

- ‌تاسعاً: ليس بالذي تذهبون إليه

- ‌عاشراً: ما لكم ولهذه الآية

- ‌حادي عشر: لا تغرنكم هذه الآية.ومن أمثلته:

- ‌ثاني عشر: الضحك

- ‌الفصل الثالث مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير

- ‌المبحث الأول مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير

- ‌أولاً: أهليتهم للنقد

- ‌ثانياً: الاطلاع الواسع على المناهج والأقوال

- ‌ثالثاً: الاستدلال للنقد

- ‌رابعاً: بيان الرأي الصحيح

- ‌المبحث الثاني أبرز نقاد الصحابة والتابعين

- ‌الباب الثالث مجالات نقد التفسير عند الصحابة والتابعين

- ‌الفصلُ الأول نقد طرق التفسير ومناهجه

- ‌أولاًنقد التفسير بالرأي

- ‌ثانياًنقد التفسير بالإسرائيليات

- ‌صور نقد الإسرائيليات:

- ‌الأولى: النهي الصريح عن رواية الإسرائيليات وسؤال أهل الكتاب، ومن أقوالهم في ذلك:

- ‌الصورة الثانية: تكذيب الإسرائيليات، ومن شواهده:

- ‌الصورة الثالثة: انتقاد بعض الناس بسبب روايتهم الإسرائيليات وتتبعهم لها، ومن الآثار في ذلك:

- ‌الرابعة: الأمر بإتلاف الصحف المشتملة على الأخبار الإسرائيلية، ومن شواهده:

- ‌دواعي نقد الإسرائيليات:

- ‌توجيه الرواية عن أهل الكتاب وسؤالهم:

- ‌ثالثاًنقد تفاسير أهل البدع

- ‌منهج أهل البدع في فهم القرآن وتأويله:

- ‌منهج الصحابة والتابعين في الرد على أهل البدع:

- ‌الفرق التي انتقدها الصحابة والتابعون

- ‌أولاً: الخوارج

- ‌القضية الأولى: التكفير

- ‌القضية الثانية: قتال أهل القبلة

- ‌القضية الثالثة: تخليد أهل الكبائر في النار

- ‌القضية الرابعة: نفي الشفاعة عمن دخل النار

- ‌ثانياً: الشيعة

- ‌ثالثاً: القدرية

- ‌رابعاًنقد تفسير المتشابه

- ‌طرق الصحابة والتابعين في نقد تأويل المتشابه:

- ‌خامساًنقد الجدال في القرآن:

- ‌الجدال المحمود:

- ‌سادساًنقد تفاسير القُصَّاص

- ‌دواعي نقد القصاص

- ‌انتقاد القصاص في التفسير:

- ‌سابعاًنقد التكلف في التفسير

- ‌ثامناًنقد تدوين التفسير

- ‌ومما جاء عن الصحابة والتابعين في انتقاد تدوين التفسير:

- ‌الفصل الثاني نقد رجال التفسير

- ‌أولاًالرجال المنتقدون في التفسير

- ‌أولاً: مجاهد بن جبر المكي

- ‌الأمر الأول: سؤال أهل الكتاب

- ‌الأمر الثاني: مما انتقد به مجاهد رحمه الله تفسير القرآن بالرأي

- ‌ثانياً: عكرمة مولى ابن عباس

- ‌ولانتقاد ابن المسيب احتمالان:

- ‌وقد جاء تكذيب عكرمة عن غير سعيد بن المسيب:

- ‌وأجيب عن تكذيب ابن المسيب وغيره لعكرمة بأجوبة منها:

- ‌ثالثاً: الضحاك بن مزاحم الهلالي

- ‌رابعاً: أبو صالح مولى أم هانئ "باذام

- ‌خامساً: إسماعيل السدي

- ‌سادساً: زيد بن أسلم العدوي

- ‌سابعاً: محمد بن السائب الكلبي

- ‌ثانياًأسباب نقد رجال التفسير

- ‌ثالثاًأثر نقد رجال التفسير على تفاسيرهم

- ‌الفصل الثالث نقد الأقوال

- ‌أولاً:طريقة الصحابة والتابعين مع القول الواحد في تفسير الآية

- ‌الحالة الأولى: تصويب القول

- ‌الحالة الثانية: تصويب القول مع تقييده

- ‌الحالة الثالثة: تضعيف القول

- ‌القسم الأول: الاكتفاء بتضعيف القول فقط

- ‌القسم الثاني: تضعيف القول، وذكر القول الراجح

- ‌الحالة الرابعة: التوقف في معنى الآية، وعدم الجزم بصحة رأي معين، ومن أمثلته:

- ‌ثانياً:طريقة الصحابة والتابعين عند تعدد الأقوال في تفسير الآية

- ‌الحالة الأولى: ذكر الأقوال دون ترجيح.ومن أمثلتها:

- ‌الحالة الثانية: ترجيح أحد الأقوال.ومن أمثلتها:

- ‌الحالة الثالثة: الجمع بين الأقوال.ومن أمثلتها:

- ‌ثالثاًالرجوع عن القول

- ‌الباب الرابع أسس نقد التفسير عند الصحابة والتابعين وأثره

- ‌الفصل الأول أسس نقد التفسير عند الصحابة والتابعين

- ‌المبحث الأول الأسس المتعلقة بالرواية

- ‌أولاًمخالفة القرآن الكريم

- ‌ومن أقوالهم في ذلك:

- ‌صور نقد التفسير بالقرآن الكريم

- ‌الصورة الأولى: مخالفة سياق الآية

- ‌والرد بالسياق القرآني ثلاثة أقسام:

- ‌القسم الأول: الاستدلال على ضعف التفسير بما قبل الآية، ويعرف هذا بالسباق

- ‌القسم الثاني: الاستدلال على ضعف التفسير بما بعد الآية، ويعرف هذا بلحاق الآية

- ‌القسم الثالث: الاستدلال على ضعف التفسير بما قبل الآية وما بعدها

- ‌الصورة الثانية: مخالفة ظاهر الآية

- ‌الصورة الثالثة: نقد التفسير بآية أخرى

- ‌ثانياًمخالفة السنة النبوية

- ‌وقد استعمل الصحابة والتابعون هذه القاعدة، فردوا بها بعض التفسيرات، ومن الأمثلة على ذلك:

- ‌ثالثاًمخالفة سبب النزول

- ‌رابعاًمخالفة التاريخ

- ‌خامساًالطعن في صحة نقل التفسير

- ‌المبحث الثاني الأسس المتعلقة بالدراية

- ‌أولاً: مخالفة اللغة العربية

- ‌ثانياًاشتمال التفسير على ما يخل بمقام الأنبياء والملائكة وعصمتهم

- ‌اشتمال التفسير على الإخلال بمقام الأنبياء وعصمتهم

- ‌اشتمال التفسير على الإخلال بمقام الملائكة

- ‌ثالثاًمخالفة الواقع

- ‌ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:

- ‌رابعاًمعارضة التفسير بالقياس

- ‌خامساًأن يكون التفسير غير مفيد

- ‌ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:

- ‌سادساًنقد التفسير بذكر ما يترتب عليه

- ‌الفصل الثاني أثر نقد الصحابة والتابعين للتفسير

- ‌أولاًأثره في التفسير وأصوله

- ‌ثانياًأثره في علوم القرآن

- ‌أ- القراءات:

- ‌فمن شواهد ترجيح القراءة المتواترة:

- ‌ومن شواهد ترجيح القراءة الشاذة على المتواترة:

- ‌ب - الناسخ والمنسوخ:

- ‌القسم الأول: نقد القول بنسخ الآية، ومن أمثلته:

- ‌القسم الثاني: نقد القول بإحكام الآية، ومن أمثلته:

- ‌ثالثاًأثره في العقائد

- ‌رابعاًأثره في المتلقين

- ‌وأما المخطئ في الفهم والتأويل فإن انتقاده يعود عليه بفوائد:

- ‌الخاتمة

- ‌الفهارس

- ‌ثبت المصادر والمراجع

الفصل: ‌الأمر الثاني: مما انتقد به مجاهد رحمه الله تفسير القرآن بالرأي

وكان رضي الله عنه يربي أتباعه على البعد عن كتب أهل الكتاب والاستغناء بالقرآن الكريم، ومن ذلك قصته مع علقمة والأسود (1).

فإذا جمعنا هذه الأمور إلى بعضها تبين السبب الذي من أجله احترز بعض الكوفيين من تفسير مجاهد رحمه الله.

‌الأمر الثاني: مما انتقد به مجاهد رحمه الله تفسير القرآن بالرأي

، فقد روى ابنه أنه قيل له:«أنت الذي تفسر القرآن برأيك! فبكى، ثم قال: إني إذاً لجريء! ، لقد حملت التفسير عن بضعة عشر رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم» (2).

ويستفاد من هذا النص أن مجاهداً عرف بالأخذ بالرأي، وقد عده ابن قتيبة من أسهل أهل العراق أخذاً بالرأي والقياس (3).

وورد عنه صراحةً ما يدل لذلك، فكان يقول:«إن أفضل العبادة الرأي الحسن» (4).

ومما جاء في عنايته بالرأي قوله: «كان لي صديق من قريش، فقلت له: هل

(1) انظر ما تقدم (ص 273).

(2)

رواه بسنده أبو الليث السمرقندي في بحر العلوم (1/ 73).

(3)

تأويل مختلف الحديث (ص 74).

(4)

الإيمان لابن أبي شيبة (ص 27)، وتأويل مختلف الحديث (ص 74)، والإبانة لابن بطة "الإيمان"(1/ 348)، وحلية الأولياء (3/ 293).

ص: 404

لك أن تجلو، فأواضعك الرأي (1)، فأنظر أين يقع رأيي من رأيك، ورأيك من رأيي؟ ، قال القرشي: مه! دعِ الود على حاله، فغلبني القرشي» (2).

ويبدو أن من انتقد مجاهداً وأشاع عنه الأخذ بالرأي في تفسير القرآن ممن يتورع عن تفسير القرآن بالرأي مطلقاً، وهذا حال كثير من أهل زمانه، وقد مضى ذكر شيء من حالهم.

والمطالع لتفسير مجاهد يجد فيه أقوالاً غريبة مصدرها الرأي، ومن أمثلة ذلك:

1 -

في قول الله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} (3) قال رحمه الله: «مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله لهم؛ {

كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}» (4).

تعقبه ابن جرير بقوله: «وهذا القول الذي قاله مجاهد، قول لظاهر ما دل

(1) في القاموس المحيط (ص 997) مادة " وضع ": «هلم أواضعك الرأي: أطلعك على رأيي، وتطلعني على رأيك» .

(2)

تاريخ دمشق (57/ 38).

(3)

سورة البقرة آية (65).

(4)

سورة الجمعة من الآية (5)، والأثر في جامع البيان (2/ 65)، وتفسير ابن أبي حاتم (1/ 133)، وعزاه في الدر المنثور (1/ 75) إلى ابن المنذر.

ص: 405

عليه كتاب الله مخالف»، ثم أخذ يبين وجه بطلانه (1).

وقال ابن كثير: «وهذا سند جيد عن مجاهد، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره» (2).

2 -

وفي قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (3) روى عنه منصور (4) أنه قال رحمه الله: «تنتظر الثواب من ربها، لا يراه من خلقه شيء» (5).

قال ابن عبد البر: «قول مجاهد هذا مردود بالسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأقاويل الصحابة وجمهور السلف، وهو قول عند أهل السنة مهجور، والذي عليه

(1) جامع البيان (2/ 65).

(2)

تفسير القرآن العظيم (1/ 151).

(3)

سورة القيامة الآيتان (22، 23).

(4)

هو ابن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة السلمي الكوفي، روى عن أبي وائل والحسن البصري وابن جبير، وعنه أيوب والأعمش، ثقة من أثبت أهل الكوفة، أكره على القضاء، وتوفي عام (132).

انظر: التاريخ الكبير (4/ 1/347)، وتذكرة الحفاظ (1/ 142)، وتهذيب التهذيب (4/ 159).

(5)

أخرجه ابن جرير في جامع البيان (23/ 508 - 509) عن سفيان عن منصور عن مجاهد، وقال ابن حجر في فتح الباري (13/ 425):«وأخرج [يعني عبد بن حميد] بسند صحيح عن مجاهد: ناظرة تنظر الثواب، وعن أبي صالح نحوه» ، ورواية أبي صالح أخرجها الطبري في جامع البيان (23/ 509)، وقال الشوكاني في فتح القدير (5/ 338):«وروي نحوه عن عكرمة، وقيل: لا يصح هذا إلا عن مجاهد وحده» .

ص: 406

جماعتهم ما ثبت في ذلك عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، وليس من العلماء أحد إلا وهو يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ثم بين أن مجاهداً وإن كان أحد المقدمين في العلم بتأويل القرآن، فإن قوله هذا مهجور عند العلماء مرغوب عنه (1).

وقال ابن كثير: «أبعد هذا القائل النجعة، وأبطل فيما ذهب إليه، وأين هو من قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} (2)؟ ، قال الشافعي رحمه الله: ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه عز وجل، ثم قد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما دل عليه سياق الآية الكريمة» (3).

وهذا القول مع ثبوته عن مجاهد، فقد ثبت عنه أنه فسر الآية بالنظر إلى وجه الله تعالى، فروى عنه منصور أنه قال في الآية:«نظرت إلى ربها ناظرة» .

وعنه قال: «{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} حسنة، {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تنظر إلى ربها تبارك وتعالى» (4)، فلعل مجاهداً لم تبلغه الأخبار في الرؤية، فقال بالقول الأول، فلما بلغته رجع عنه (5).

(1) التمهيد (7/ 157).

(2)

سورة المطففين آية (15).

(3)

تفسير القرآن العظيم (8/ 305 - 306)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (8/ 6899 - 6900)، وفتح القدير (5/ 338).

(4)

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (3/ 465).

(5)

انظر الفصل لابن حزم (3/ 2).

ص: 407

3 -

ومما توسع فيه مجاهد بالرأي ما ورد عنه في تفسير قوله تعالى: {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} (1) حيث أنكر أن تكون المائدة أنزلت عليهم، وقال:«مثل ضُرب؛ لم ينزل عليهم شيء» (2).

وقوله خلاف ما عليه جمهور المفسرين من أنها أنزلت حقيقة (3).

يقول الذهبي عن مجاهد: «ولمجاهد أقوال وغرائب في العلم والتفسير تستنكر» (4).

ويرى مجاهد أن هذه الآراء ونحوها داخلة ضمن القدر المسموح به من الرأي، وهو عندما جعل الرأي أفضل العبادة - كما تقدم - قيده بالرأي الحسن، ومفهومه لديه أن من الرأي ما هو سيء مذموم، وهو الرأي الصادر عن الهوى والابتداع، وكان رحمه الله شديد النفور منه، ويقول فيه:«ما أدري أي النعمتين أعظم علي؟ ! أن هداني إلى الإسلام، أو جنبني الأهواء» (5).

وعن حميد الأعرج (6) قال: «صليت إلى جنب رجل يتهم بالقدرية، فلقيت

(1) سورة المائدة من الآية (114).

(2)

جامع البيان (9/ 130).

(3)

انظر: زاد المسير (2/ 459)، والجامع لأحكام القرآن (3/ 2366)، وفتح القدير (2/ 93).

(4)

سير أعلام النبلاء (4/ 455).

(5)

أصول السنة لابن أبي زمنين (ص 304)، وحلية الأولياء (3/ 293)، وتاريخ دمشق (57/ 39).

(6)

هو أبو صفوان حميد بن قيس المكي القارئ، عرض على مجاهد القرآن ثلاث مرات، روى عن الزهري وابن المنكدر، وعنه السفيانان ومالك، ووثقه غير واحد وحديثه في الكتب الستة، توفي عام (130).

انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (5/ 357)، وغاية النهاية (1/ 265)، وتهذيب التهذيب (1/ 497).

ص: 408

مجاهداً فأعرض عني، فقلت له، فقال: ألم أرك صليت إلى جنب فلان؟ ! ، قلت: إنما ضمتني وإياه الصلاة» (1).

وكان ينهى عن مجالسة أهل الأهواء (2)، ومما يؤكد ذلك أنه لما قيل له: إنك تفسر القرآن برأيك، استبشع ذلك ونفر منه.

ومع وضوح منهج مجاهد رحمه الله من الأهواء والبدع، ونفرته من الآراء المذمومة إلا أن بعض المستشرقين استغل ما انتقد به وأشيع عنه، وحمله فوق ما يحتمل، فنسب مجاهداً إلى البدعة والهوى، مثل جولد تسيهر (3)

الذي زعم بأن الآراء التي أشرنا إليها كانت نواة مذهب المعتزلة (4).

(1) الإبانة لابن بطة " القدر"(2/ 207).

(2)

الإبانة لابن بطة " الإيمان "(2/ 443)، وكتاب ما جاء في البدع لابن وضاح (ص 111).

(3)

هو إجناس جولد تسيهر، مستشرق يهودي مجري، تعلم في بودا بست وبرلين، وسافر إلى مصر وسوريا، وله عدة مؤلفات عن الإسلام بعدة لغات ترجم بعضها إلى العربية، توفي سنة (1921 م).

انظر الأعلام للزركلي (1/ 84).

(4)

مذاهب التفسير الإسلامي (ص 129 - 133)، وانظر آراء المستشرقين حول القرآن وتفسيره، د. رضوان (2/ 740 - 743). والمعتزلة يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد، ومذهبهم قائم على نفي الصفات عن الله تعالى، وأن العبد يخلق فعله: خيره وشره، والفاسق عندهم بمنزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا هو كافر، كما قالوا باستحالة رؤية الله بالأبصار، وهم فرق، منها: الواصلية، والهذيلية، والنظامية، والبشرية، والمعمرية.

انظر: مقالات الإسلاميين (ص 155)، والفرق بين الفرق (ص 24، 114)، والملل والنحل (1/ 43).

ص: 409

وبالجملة فالنقد لمجاهد سواء في تفسير القرآن بالإسرائيليات أو بالرأي لم يصل إلى درجة الطعن في صدقه، أو القدح في عدالته، وإنما في شيء يرى أن فيه سعة، وما أخطأ فيه من المسائل قليل مغمور في كثير صوابه رحمه الله (1).

وإمامة مجاهد في التفسير، وعدالته وتثبته في رواية الأحاديث، وأخذه التفسير عن شيخه حبر الأمة وملازمته له، وحكايته عن نفسه أن القرآن استغرق علمه (2) من الأمور المشهورة عنه، وهي ترفع من قدره ومكانته في هذا العلم، وتجعله في مصاف كبار مفسري التابعين، وهذا الذي استقر عليه رأي العلماء وأجمعت عليه كلمتهم:

فتقدم قول قتادة رحمه الله: «أعلم من بقي بالتفسير مجاهد» (3).

(1) انظر التفسير والمفسرون (1/ 105).

(2)

المعرفة والتاريخ (1/ 712).

(3)

تذكرة الحفاظ (1/ 92).

ص: 410

وقول خصيف: إن مجاهداً أعلم أصحاب ابن عباس بالتفسير (1).

ويقول سفيان الثوري: «إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به» (2).

وقيل لشريك (3): «أي الرجلين كان أعلم بالتفسير مجاهد أو سعيد بن جبير؟ ، قال: كان مجاهد» (4).

ووصفه ابن تيمية بأنه كان آية في التفسير (5).

كما حكى الذهبي إجماع الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به (6)، وقال ابن كثير:«كان أعلم أهل زمانه بالتفسير» (7).

والدفاع عن مجاهد وإثبات مكانته في التفسير وعلو شأوه فيه ينبغي ألا

(1) التاريخ الكبير (4/ 1/412)، وانظر الجرح والتعديل (4/ 1/319).

(2)

جامع البيان (1/ 85).

(3)

هو القاضي أبو عبد الله شريك بن عبد الله النخعي الكوفي، روى عن الأعمش وهشام بن عروة، وتغير حفظه في آخر أمره، قال الذهبي:«حديثه من أقسام الحسن» ، توفي عام (177) وله (82) سنة.

انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (6/ 263)، وتذكرة الحفاظ (1/ 232)، وتهذيب التهذيب (2/ 164).

(4)

فضائل الصحابة لأحمد (2/ 958).

(5)

مجموع الفتاوى (13/ 368).

(6)

ميزان الاعتدال (4/ 360).

(7)

البداية والنهاية (13/ 6).

ص: 411