الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفرق التي انتقدها الصحابة والتابعون
وأهم الفرق التي انتقد الصحابة والتابعون رضي الله عنهم منهجهم في التعامل مع القرآن الكريم وتفسيره: الخوارج، والشيعة، والقدرية:
أولاً: الخوارج
.
وهم أكثر الفرق التي انتقدها الصحابة والتابعون؛ ذلك أنهم أول الفرق ظهوراً، وأكثرها أتباعاً، وأشدها فتنة، فقد كانت لهم شوكة ومنعة، وقام بعض زعمائهم بمناظرة الصحابة، وإثارة الشبهات حول آيات القرآن كنافع بن الأزرق، فقد نقل المفسرون وغيرهم مناظرات كثيرة جرت بينه وبين ابن عباس رضي الله عنهما.
ويدور نقد تفسير الخوارج حول قضايا أربع:
1 -
تكفير المسلمين.
2 -
قتال أهل القبلة واستباحة دمائهم.
3 -
تخليد أهل الكبائر في النار.
4 -
نفي الشفاعة عمن دخل النار.
وسنتكلم عن هذه القضايا قضيةً، قضيةً:
القضية الأولى: التكفير
.
وقضية التكفير هي النواة التي نشأ منها مذهبهم، وعنه تفرعت بدعهم الأخرى، فزعموا أن مرتكب الكبيرة كافر، فكفروا المسلمين بالذنوب والخطايا، وفرعوا على ذلك استباحة دمائهم، ثم الحكم بخلودهم في النار وعدم خروجهم منها، وعدم قبول شفاعة الشافعين فيهم، وقد ذكر ابن تيمية أن أول بدعة ظهرت في الإسلام بدعة تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم (1).
ومن قضايا التكفير الأولى التي تبناها الخوارج تكفير من لم يحكم بما أنزل الله تعالى، وهي سبب خروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعدما قبل التحكيم بينه وبين أهل الشام في وقعة صِفِّين (2)، فخرجوا عليه، وقالوا: حكمت الرجال! ، واعتزلوا في مكان يسمى حروراء (3)، وأجمعوا على قتاله رضي الله عنه في قصة طويلة، لكن شاهدها هنا أنهم تعلقوا ببعض النصوص القرآنية، فبعث إليهم ابن عباس ليناظرهم فيما احتجوا به، فجاءهم وناظرهم، وكان مما نقموا به على علي رضي الله عنه أنه قبل بالتحكيم، وقالوا لابن عباس رضي الله عنهما: «إنه حكم الرجال في أمر الله، وقد قال
(1) مجموع الفتاوى (13/ 31).
(2)
ابتدأت في آخر سنة (36)، واستمرت إلى أول سنة (37)، وصفين مكان يقع قرب الرقة بشاطئ الفرات في غربيه، وهي الآن تقع في سوريا، انظر: معجم البلدان (3/ 414)، وتحقيقات تاريخية في الأسماء الجغرافية السورية (ص 355).
(3)
مكان قرب الكوفة على ميلين منها، وبه سميت الخوارج أول ما خرجت فقيل: الحرورية نسبة لهذا المكان، لكونهم نزلوا به حين خالفوا علياً رضي الله عنه، وكان أول تحكيمهم به، معجم البلدان (2/ 245)، ومراصد الاطلاع (1/ 394).
الله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} (1) وما للرجال وما للحكم؟ ! ».
فأخذوا بظاهر الآية، وبنوا عليه عدم جواز التحاكم إلى الرجال مطلقاً، ومن فعل ذلك تعرض للوعيد الوارد في قوله تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (2)، وقد تركوا ما يبين الآية من الأدلة الأخرى، ولذلك رد عليهم ابن عباس، فقال: «أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما يرد به قولكم؛ أترضون؟ ، قالوا: نعم، فقال: أما قولكم حكم الرجال في أمر الله، فأنا أقرأ عليكم ما قد رُدَّ حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم؛ في أرنب ونحوها من الصيد، فقال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} إلى قوله: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} (3)، فنشدتكم الله أحكم الرجال في أرنب ونحوها من الصيد أفضل أم حكمهم في دمائهم وصلاح ذات بينهم؟ ! ، وأن تعلموا أن الله لو شاء لحكم، ولم يصيّر ذلك إلى الرجال، وفي المرأة وزوجها قال الله عز وجل:{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} (4)،
فجعل الله حكم الرجال سنة مأمونة، أخرجت عن هذه؟ ، قالوا: نعم»، إلى آخر القصة، قال ابن عباس في آخرها: «فرجع من القوم
(1) سورة الأنعام من الآية (57).
(2)
سورة المائدة من الآية (44)، وانظر: الملل والنحل (1/ 117)، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (13/ 208)، والاعتصام للشاطبي (2/ 234).
(3)
سورة المائدة من الآية (95).
(4)
سورة النساء من الآية (35) ..
ألفان، وقتل سائرهم على ضلالة» (1).
- وزعم الخوارج أن قوله تعالى: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} (2) في تكفير أمراء المسلمين فرد عليهم قتادة رحمه الله، وقال:«هم أبو سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وسهيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله، وهموا بإخراج الرسول، وليس والله كما يتأوله أهل الشبهات والبدع والفرى على الله وعلى كتابه» (3).
(1) أخرج القصة: عبد الرزاق في المصنف (10/ 157 - 160)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (1/ 522)، والنسائي في السنن الكبرى (5/ 165)، والطبراني في المعجم الكبير (10/ 257)، والجريري في الجليس الصالح (1/ 558)، والحاكم في المستدرك (2/ 150) وهذا لفظه، وأبو نعيم في حلية الأولياء (1/ 318)، والبيهقي في السنن الكبرى (8/ 179)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 103)، قال الحاكم:«هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 241):«رواه الطبراني وأحمد ببعضه ورجالهما رجال الصحيح» .
وأخرج القصة مختصرة عن ابن عباس: أبو داود في سننه، في كتاب اللباس، باب لباس الغليظ (4/ 45)، وأحمد في المسند (1/ 342).
والقصة جاءت أيضاً عن عبد الله بن شداد، وفيها أن علياً رضي الله عنه هو الذي جادل الخوارج في التحكيم، ثم بعث إليهم ابن عباس رضي الله عنهما، وقد أخرجها أحمد في مسنده (1/ 86)، وأبو يعلى في مسنده (1/ 367)، والحاكم في المستدرك (2/ 152)، وقال:«هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» ، وصحح إسنادها ابن كثير في البداية والنهاية (10/ 568)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 237):«رواه أبو يعلى ورجاله ثقات» .
(2)
سورة التوبة من الآية (12).
(3)
جامع البيان (11/ 365).