الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثاً
مخالفة الواقع
من الأمارات التي يستدل بها المفسر على ضعف التفسير مخالفته الواقع، وهذه الأمارة استخدمها المحدثون في نقد بعض الأحاديث، وقد يعبرون عنها بمخالفة الحديث للحس والمشاهدة، مثل الحديث الموضوع:«إذا عطس الرجل عند الحديث فهو دليل صدقه» ، فإن «الحس يشهد بوضعه لأنا نشاهد العطاس والكذب يعمل عمله! ، ولو عطس مائة ألف رجل عند حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم بصحته بالعطاس، ولو عطسوا عند شهادة زور لم تصدق» (1).
ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:
1 -
جاء عن بعض التابعين في قوله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} (2) تفسير السيما بالتراب الذي يبقى في جبهة المرء بعد السجود:
فعن أبي العالية رحمه الله قال: «لأنهم يسجدون على التراب لا على الأثواب» (3).
(1) المنار المنيف (ص 51)، وانظر تنزيه الشريعة المرفوعة للكناني (1/ 6).
(2)
سورة الفتح من الآية (29).
(3)
معالم التنزيل (7/ 324)، وزاد المسير (7/ 446).
وعن سعيد بن جبير رحمه الله قال: «ثرى الأرض وندى الطهور» (1).
وقد يظن بعض الناس أن المراد بالسيما ما يرى في جباه بعض الناس من كثرة السجود، ونسب القول به إلى بعض السلف (2).
وقد أنكر بعض الصحابة والتابعين هذا المعنى الأخير:
فعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ} قال: «أما إنه ليس بالذين ترون، ولكنه سيما الإسلام وسحنته وسمته وخشوعه» (3).
وفي رواية عنه قال: «ليس بندب التراب في الوجه، ولكنه الخشوع والوقار والتواضع» (4).
وسأل منصور مجاهداً عن هذه الآية، فقال:«هو الخشوع، فقال له منصور: هو أثر السجود، فقال: إنه يكون بين عينيه مثل ركبة العنز، وهو كما شاء الله» (5).
وفي رواية أخرى أن منصوراً قال له: «ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه،
(1) جامع البيان (21/ 325)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 287).
(2)
فتح القدير (5/ 56).
(3)
جامع البيان (21/ 323).
(4)
زاد المسير (7/ 446)، وهو في: تفسير سفيان الثوري (ص 278)، وتفسير عبد الرزاق (2/ 185)، وجامع البيان (21/ 323) مختصراً.
(5)
جامع البيان (21/ 324)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 287).
فقال: ربما كان بين عيني من هو أقسى قلباً من فرعون» (1).
وربما تكلف بعض الناس ظهور هذا الأثر في وجهه رجاء الدخول في فضل هذه الآية، فأنكر ذلك بعض السلف مخافة الرياء عليه، فقد جاء رجل إلى السائب بن يزيد وفي وجهه أثر السجود، فقال:«لقد أفسد هذا وجهه، أما والله ما هي السيما التي سمّاها الله، ولقد صليت على وجهي ثمانين سنة ما أثَّر السجود بين عينيّ» (2).
علق عليه الآلوسي بقوله: «وربما يحمل على أنه استشعر من الرجل تعمداً لذلك، فنفى أن يكون ما حصل به هو السيما التي سمي الله تعالى» (3).
2 -
وفي قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (4).
اختلف أهل التفسير في المراد بالمطهرين على قولين:
(1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (7/ 342) وعزاه لابن أبي حاتم.
(2)
المعجم الكبير للطبراني (7/ 158)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 287)، والدر المنثور (6/ 82).
(3)
روح المعاني (13/ 277)، وقال البقاعي في نظم الدرر (18/ 340):«ولا يظن أن من السيما ما يصنعه بعض المرائين من هيئة أثر سجود في جبهته، فإن ذلك من سيما الخوارج» ، وفي السنن الكبرى للبيهقي (2/ 286) أن أبا الدرداء رأى امرأة بوجهها أثر مثل ثفنة العنز، فقال لها:«لو لم يكن هذا بوجهك كان خيراً لك» ، ونقل عن ابن عمر إنكار ذلك أيضاً.
(4)
سورة الواقعة الآيات (77 - 79).
أ- أن المراد بهم المتطهرون من الأحداث، وجاء ذلك عن سلمان الفارسي وقتادة (1).
ب - أن المراد بهم الملائكة خاصة، وهذا قول جمهور المفسرين (2)، وأنكر بعض التابعين أن يراد به عموم الناس:
فعن أبي العالية رحمه الله قال: «الملائكة عليهم السلام ليس أنتم يا أصحاب الذنوب» (3).
وعن قتادة قال: «لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوسي النجس، والمنافق الرجس، وقال: في حرف ابن مسعود: (مَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَرُوْن)» (4).
والآية عند هؤلاء على ظاهرها في الخبر، أما من رأى أن المراد بنو آدم فهي عنده نفي بمعنى النهي (5).
(1) المستدرك (2/ 477)، والنكت والعيون (5/ 464)، والجامع لأحكام القرآن (7/ 6396).
(2)
التحرير والتنوير (27/ 305).
(3)
مصنف ابن أبي شيبة (13/ 548)، والدر المنثور (6/ 162) واللفظ منه، وعزاه لابن المنذر.
(4)
تفسير عبد الرزاق (2/ 221)، وجامع البيان (22/ 366) واللفظ له.
(5)
قال ابن عطية في المحرر الوجيز (15/ 388): «والقول بأن {لَا يَمَسُّهُ} نهي قول فيه ضعف، وذلك أنه إذا كان خبراً فهو في موضع الصفة، وقوله بعد ذلك: {تَنْزِيلٌ}: صفة أيضاً، فإذا جعلناه نهياً جاء معنى أجنبياً معترضاً بين الصفات، وذلك لا يحسن في رصف الكلام فتدبره، وفي حرف ابن مسعود: (مَا يَمَسُّهُ)، وهذا يقوي ما رجحته من الخبر الذي معناه: حقه وقدره أن لا يمسه إلا طاهر» .
والراجح - والله أعلم - أن المراد بالمطهرين الملائكة، وهذه الآية كقوله تعالى:{فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)} (1).
وهي وإن لم يكن المراد بها المتطهرين من الأحداث إلا أن فيها تنبيهاً للمسلم بأن لا يمسَّ القرآن إلا وهو طاهر اقتداءً بالملائكة الكرام (2).
والأمر بالطهارة لمسِّ المصحف يستفاد من أدلة أخرى (3).
3 -
وفي قوله تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} (4).
أورد ابن جرير في معنى الآية أقوالاً، منها أن المراد بالحسن حسن الخلقة وجمالها، ونقل عن قتادة قوله:«حسَّنَ على نحو ما خلق» (5).
وقد أشار ابن عباس إلى ضعف هذا التأويل، ورجح أن المراد إحكام الخلق وإتقانه، فقال:«أما رأيت القردة ليست بحسنة، ولكن أحكم خلقها» .
(1) سورة عبس الآيات (13 - 16).
(2)
انظر: تيسير الكريم الرحمن (8/ 73)، والتحرير والتنوير (27/ 305).
(3)
انظر: المغني لابن قدامة (1/ 202)، والجامع لأحكام القرآن (7/ 6395)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (8/ 22).
(4)
سورة السجدة آية (7).
(5)
جامع البيان (18/ 598)، وانظر تفسير عبد الرزاق (2/ 89).
وفي رواية عنه قال: «أما إن است القرد ليست بحسنة، ولكنه أحكم خلقها» (1).
(1) جامع البيان (18/ 597)، والدر المنثور (5/ 172).
(2)
وهي قراءة نافع وعاصم وحمزة والكسائي وخلف، وقرأ بقية العشرة بسكون اللام، انظر: السبعة (ص 516)، والتيسير (ص 177)، والنشر (2/ 374).
(3)
جامع البيان (18/ 599).
ومن شواهد نقد التفسير بمخالفة الواقع:
إنكار سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن يكون المراد بالسهو في قوله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 5] حديث النفس والوسوسة؛ معللاً ذلك بأنه يقع لكل أحد، وقال: كلنا يحدث نفسه، انظر علل الحديث لابن أبي حاتم (2/ 336).
وإنكار الحسن البصري رحمه الله أن يكون المراد بقول الله تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل آية 5] الثقل الحسي، وقال: إن الرجل لَيَهُذُّ السورة، ولكنّ العمل به ثقيل. انظر جامع البيان (23/ 365).