الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خامساً
الطعن في صحة نقل التفسير
مما اشتهر به الصحابة والتابعون التحري والتثبت في النقل والرواية، وتقدم كلام الأعمش في الكلبي حين روى معنى قوله تعالى:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} (1) عن ابن عباس، فقال الأعمش:«لو أن الذي عند الكلبي عندي ما خرج مني إلا بخفير» (2).
ومما جاء في تحريهم في نقل التفسير ما ذكره أيوب قال: «اجتمع حفاظ ابن عباس على عكرمة، منهم سعيد بن جبير وعطاء وطاوس، فكان كلما حدث بحديث قال سعيد بن جبير هكذا، يعني: أصاب، حتى أتى على حديث الحوت، فقال عكرمة: كان يسايرهم في ضحضاح من ماء، فقال سعيد بن جبير: أشهد على ابن عباس أنه قال: كان يسايرهما في مكتل، قال أيوب: وأراه كان يقول القولين جميعاً؛ يعني ابن عباس» (3).
والخلاف كما يبدو يسير، وكله مروي عن ابن عباس كما أشار إليه أيوب،
(1) سورة النساء من الآية (31).
(2)
جامع البيان (1/ 86 - 87)، والكامل في ضعفاء الرجال (7/ 276).
(3)
العلل لأحمد (3/ 369، 379).
إلا انه يكشف مدى الدقة والتحري التي كان عليها التابعون.
ومن تحريهم مطالبتهم المفسر بالدليل على صحة تفسيره، فقد أورد ابن جرير عند تفسير قوله تعالى:{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} (1) أن سالم بن عبد الله قال لمحمد بن كعب القرظي: «ما تعد الباقيات الصالحات؟ ، فقال: لا إله إلا الله، والحمد لله، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقال له سالم: متى جعلت فيها لا حول ولا قوة إلا بالله؟ ، فقال: ما زلت أجعلها، فراجعه مرتين أو ثلاثاً فلم ينزع، فقال سالم: فأثبت، فإن أبا أيوب الأنصاري حدثني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «عرج بي إلى السماء فأريت إبراهيم، فقال: يا جبريل من هذا معك؟ ، فقال: محمد، فرحب بي وسهَّل، ثم قال: مر أمتك فلتكثر من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة، وأرضها واسعة، فقلت: وما غراس الجنة؟ ، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله» (2).
ومما جاء عنهم في نقد التفسير لعدم صحة النقل ما جاء عن مجاهد أنه سئل عن {
…
الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}، فقال: «لا أدري يزعمون أنها البقر، فقال إبراهيم: ما لا
(1) سورة الكهف آية (46).
(2)
جامع البيان (15/ 278)، وجاء هذا الحديث من رواية سالم عن أبي أيوب بدون القصة في أوله في: مسند أحمد (5/ 418)، وصحيح ابن حبان (2/ 94)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 97):«ورجال أحمد رجال الصحيح غير عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة لم يتكلم فيه أحد، ووثقه ابن حبان» .
تدري هي البقر؟ ، قال مجاهد: يذكرون عن علي رضي الله عنه أنها النجوم، فقال إبراهيم: يكذبون على علي».
وفي رواية أن إبراهيم ومجاهداً تذاكرا هذه الآية {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} (1)، فقال إبراهيم لمجاهد:«قل فيها ما سمعت، فقال مجاهد: كنا نسمع فيها شيئاً، وناس يقولون: إنها النجوم، فقال إبراهيم: إنهم يكذبون على علي رضي الله عنه» (2).
(1) سورة التكوير الآيتان (15 - 16).
(2)
جامع البيان (24/ 156 - 157)، وعزاه ابن حجر في فتح الباري (8/ 694) إلى سعيد بن منصور، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 320) إلى عبد بن حميد.
ومن الشواهد توهيم ابن عباس لابن عمر رضي الله عنهم في سبب نزول قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة من الآية: 223]، انظر: سنن أبي داود، كتاب النكاح، باب في جامع النكاح (2/ 249)، وفتح الباري لابن حجر (8/ 191).