الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
انتقاد القصاص في التفسير:
من وظائف القاص الرئيسة تلاوة القرآن على الناس، كما تقدم عن تميم الداري (1)، ويعتني القصاص - بشكل كبير - بنوعين من الآيات:
1 -
آيات الوعد والوعيد والترغيب والترهيب.
2 -
آيات القصص، وأخبار الأمم السابقة؛ لما لها من أثر في استمالة الحاضرين وجلب انتباههم.
والقاص يحتاج عند مروره بهذه الآيات إلى بيانها، فيخطئ في فهمها بسبب تفسيرها بالروايات الباطلة والقصص المختلقة، وقد يستشهد ببعض الآيات وينزلها - خطأً - على ما يعظ فيه، وقد اشتكى المفسرون منهم بسبب ذلك:
- يقول ابن الجوزي: «وفي القصاص من يسمع الأحاديث الموضوعة فيرويها، ولا يعلم أنها كذب، فيؤذي بها الناس، وصنف جماعة من الأعاجم كتباً في الوعظ ملأوها بالأحاديث المحالة والمعاني الفاسدة، وفي التفاسير من هذا كثير» (2).
(1) وانظر مصنف ابن أبي شيبة (2/ 16).
(2)
القصاص والمذكرين (ص 153) باختصار.
ولسوء سمعتهم وضعف مقولاتهم ومنقولاتهم في التفسير يكتفي بعض المفسرين للحكم ببطلان بعض الأقوال والروايات التفسيرية بأنها مما أتى به القصاص:
1 -
ففي قوله تعالى: {لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} (3) ذكر ابن الجوزي ستة أقوال في معنى البرهان، ورجح آخرها، ثم قال: «وما تقدمه فليس بشيء، وإنما
(1) هو محمد بن علي الشوكاني الصنعاني، ولد بصنعاء ونشأ بها على المذهب الزيدي، ثم ترك التقليد وصار مجتهداً، زادت تصانيفه على المائة، منها: نيل الأوطار، وفتح القدير، وإرشاد الفحول، توفي سنة (1250).
انظر: البدر الطالع لصاحب الترجمة (2/ 214)، وفهرس الفهارس (2/ 1082)، والأعلام (6/ 298).
(2)
فتح القدير (2/ 27).
(3)
سورة يوسف من الآية (24).
هي أحاديث من أعمال القصاص» (1).
2 -
ويقول الشوكاني عند قول تعالى: {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} (2): «وقد روي نحو هذا مما يتضمن المبالغة في وصف هؤلاء وعظم أجسامهم ولا فائدة في بسط ذلك، فغالبه من أكاذيب القصاص» (3).
وأما انتقاد الصحابة والتابعين رضي الله عنهم تفاسير القصاص، فمن وجوه:
الأول: انتقاد ضعف التأصيل العلمي لدى القصاص، وعدم أخذهم بالعلوم التي لا بد منها للمفسر كعلم الناسخ والمنسوخ مثلاً، فقد مر علي بن أبي طالب بقاص يقص فقال له:«أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ ، فقال: لا، قال: هلكت وأهلكت» ، وجاء مثل ذلك عن ابن عباس (4).
الثاني: انتقاد القصاص على جرأتهم في تفسير القرآن وتعجلهم في تأويله دون استناد إلى دليل، فعن مسروق قال: «دخلنا المسجد فإذا رجل يقص على أصحابه،
(1) زاد المسير (4/ 209)
(2)
سورة المائدة من الآية (23).
(3)
فتح القدير (2/ 29)، وانظر: روح المعاني (7/ 238)، والتحرير والتنوير (8/ 292، 16/ 174، 20/ 105، 29/ 359، 30/ 282، 483)
(4)
انظر ما تقدم (ص 131).
ويقول: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} (1) أتدرون ما ذلك الدخان؟ ، ذلك دخان يأتي يوم القيامة، فيأخذ أسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام، قال: فأتينا ابن مسعود، فذكرنا ذلك له وكان مضطجعاً، ففزع فقعد، فقال: إن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} (2)، إن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم، سأحدثكم عن ذلك إن قريشاً لما أبطأت عن الإسلام، واستعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء، فلا يرون إلا الدخان، قال الله تبارك وتعالى:{يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، فقالوا:{رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} (3)، قال الله جل ثناؤه:{إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} (4)، قال: فعادوا يوم بدر فانتقم الله منهم» (5).
(1) سورة الدخان الآية (10).
(2)
سورة ص الآية (86).
(3)
سورة الدخان الآيات (10 - 12).
(4)
سورة الدخان الآيتان (15، 16).
(5)
جامع البيان (21/ 14)، وقد أخرجه البخاري في صحيحه بنحو هذا السياق، في كتاب التفسير، باب قوله تعالى:{رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} (6/ 40).
والمعنى الذي ذكره القاص وإن كان هو الراجح في تأويل الآية (1)، فإن إنكار ابن مسعود رضي الله عنه يكشف لنا موقف الصحابة من القصاص، فقد أنكر ابن مسعود تكلف القاص وتجشمه ما لا علم له به، وإخباره عن أمر لا بد فيه من نقل عن المعصوم صلى الله عليه وسلم، وبين أنه لا حرج في الاعتراف بعدم العلم (2).
الثالث: يجتهد القصاص في إضفاء الصبغة الشرعية على مجالسهم ومواعظهم، وحشد أكبر عدد من الناس للاستماع إليه، وبسبب انتقاد الصحابة والتابعين لهم وانصراف الناس عنهم يقابل القصاص ذلك بترغيب الناس وحثهم على حضور مجالسهم، وينتزعون الأدلة من الكتاب والسنة، ويتأولونها بأن المعني بها هم ومن يجلس إليهم دون غيرهم، ويشيعون ذلك في الناس، ومن تلك الأدلة: قوله تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} (3)، وقوله:
(1) وهو قول علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، وهو ما رجحه ابن القيم وابن كثير، وهو أن الدخان سيقع قبل يوم القيامة، ودليله ما رواه مسلم في صحيحه، في كتاب الفتن وأشراط الساعة (4/ 2225) برقم (2901) عن حذيفة بن أسيد الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات، وذكر منها الدخان» ، وسياق الآيات يؤيده، انظر: جامع البيان (21/ 13 - 21)، وإعلام الموقعين (4/ 154)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (7/ 235).
(2)
انظر تفسير الصحابة د. بدر (ص 43).
(3)
سورة الأنعام من الآية (52).
{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} (1)، فجعلوا هذه الآيات وأمثالها فيمن يجلس إليهم ويحضر مواعظهم، وادعوا نزولها فيهم، وقد انتقد بعض التابعين هذا الفهم الضيق:
1 -
2 -
وعن إبراهيم النخعي قال في هذه الآية: «هي الصلوات الخمس الفرائض، ولو كان كما يقول القصاص هلك من لم يجلس إليهم» .
3 -
وقيل للحسن البصري: «يا أبا سعيد أرأيت قول الله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} أهم هؤلاء القصاص؟ ، قال: لا، ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة» .
4 -
وعن أبي جعفر أنه قال في هذه الآية: «كان يقرئهم القرآن، من الذي
(1) سورة الكهف من الآية (28).
يقص على النبي صلى الله عليه وسلم؟ ! » (1).
5 -
وعن طلحة بن عبيد الله بن كريز (2) قال: «رأيت عبيد بن عمير (3)
وعطاء بن أبي رباح يتحدثان، والقاص يقص، فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود؟ [يريد قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (4)] قال: فنظرا إلي، ثم أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت، فنظرا إلي، ثم أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت الثالثة، فنظرا إلي، فقالا: إنما ذلك في الصلاة: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} » (5).
ومراده بالموعود الرحمة المذكورة في الآية، فإن الله تعالى وعد في الآية من
(1) تنظر هذه الآثار في جامع البيان (9/ 264 - 268).
(2)
الخزاعي الكوفي، أبو المطرف، روى عن ابن عمر وأبي الدرداء، وعنه حميد الطويل، قال ابن سعد:«كان قليل الحديث» ، ووثقه أحمد والنسائي.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 1/166)، وتهذيب التهذيب (2/ 241).
(3)
هو أبو عاصم الليثي المكي، قاص أهل مكة، من كبار التابعين روى عن عمر وعلي وأبي بن كعب، وكان ابن عمر يجلس إليه ويقول:«لله در ابن قتادة ماذا يأتي به» ، وحديثه في الكتب الستة، توفي سنة (68).
انظر: التاريخ الكبير (3/ 1/455)، وتهذيب التهذيب (3/ 38).
(4)
سورة الأعراف آية (204).
(5)
جامع البيان (10/ 659 - 660)، وانظر سنن سعيد بن منصور (5/ 182).
أنصت واستمع للقرآن الكريم بالرحمة، وكان القصاص يروجون لمثل هذه التأويلات، فينزلون بعض النصوص على استماع قصصهم ومواعظهم.
ومن سمات القصاص أنهم يميلون إلى التشديد، والإكثار في المواعظ من ذكر آيات الوعيد والترهيب، فقد دخل ابن مسعود رضي الله عنه المسجد، فإذا قاص يذكر النار والأغلال، فجاء حتى قام على رأسه، فقال:«يا مذكر أتقنط الناس؟ {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} الآية» (1).
وقالت عائشة رضي الله عنها لقاص: «إياك وتقنيط الناس وإهلاكهم» (2).
(1) سورة الزمر من الآية (53)، والأثر في جامع البيان (20/ 228)، والمعجم الكبير للطبراني (9/ 127).
(2)
مصنف عبد الرزاق (3/ 220).