الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمراد بالأسس المتعلقة بالرواية الأسس التي يعتمد فيها الناقد بشكل أساس على المنقول، وليس المراد بالرواية الاصطلاح الشائع بين المفسرين والذي تدخل فيه أقوال الصحابة والتابعين رضي الله عنهم التي هي محل بحثنا.
أولاً
مخالفة القرآن الكريم
من القواعد المقررة عند الصحابة والتابعين رضي الله عنهم تقديم القرآن الكريم على قول كل أحد، فكل تفسير أو فهم خالف القرآن فهو مردود على صاحبه.
ومن أقوالهم في ذلك:
1 -
قول عمر رضي الله عنه: «لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله عز وجل: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}» (1).
فعمر أخذ بظاهر الآية في أن المطلقة لها النفقة والسكنى، ومنها المطلقة
(1) سورة الطلاق من الآية (1)، وأثر عمر في صحيح مسلم، كتاب الطلاق (2/ 1119) برقم (1480/ 46).
البائن ولم يقبل قول المرأة، وهي فاطمة بنت قيس رضي الله عنها (1)، فقد كانت تقول: لا نفقة لها ولا سكنى، وتتأول الآية التي استدل بها عمر على أنها في الرجعية، وتقول: بيني وبينكم القرآن، قال الله عز وجل:{لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} الآية، وتقول: هذا لمن كانت له مراجعة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ ! (2).
وتستدل أيضاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها نفقة ولا سكنى حين بت زوجها طلاقها (3)، لكنَّ عمر تمسك بعموم الآية، وقال ما قال.
وأياً ما كان الصواب معه في قول عمر أو مخالفيه، فإن المراد بيان مدى تعظيم الصحابة رضي الله عنهم للقرآن، وأنهم لا يقبلون عليه قول أحد، ولا يخرجون عنه إلا بيقين، ولا يظن بعمر رضي الله عنه أنه يرد حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما لأنه لم يتحقق من ثبوته عنه، ولذا أضاف القول إلى من هو دونه، وأشار في كلامه إلى عدم طمأنينته من نقل الرواي، فقال:«لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت» (4)، ولما كانت المرأة عنده بهذه
(1) هي فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية الفهرية، أخت الضحاك بن قيس، من المهاجرات الأول، كانت ذات عقل، اجتمع في بيتها أصحاب الشورى لما قتل عمر، روى عنها ابن المسيب وعروة.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (8/ 200)، وأسد الغابة (7/ 230)، وتهذيب التهذيب (4/ 685).
(2)
صحيح مسلم، كتاب الطلاق (2/ 1117) برقم (1480/ 41).
(3)
المصدر السابق.
(4)
قال ابن حجر في فتح الباري (9/ 481) معلقاً على قول عمر رضي الله عنه: «ولقد كان الحق ينطق على لسان عمر، فإن قوله: لا ندري حفظت أو نسيت، قد ظهر مصداقه في أنها أطلقت في موضع التقييد، أو عممت في موضع التخصيص» .
الحال لم يقبل قولها على كتاب الله الذي تحقق من ثبوته ودلالته.
2 -
وفسر زيد بن علي رحمه الله (1) الدخان الوارد في قوله تعالى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} (2) بأنه يجيء قبل يوم القيامة فيأخذ بأنف المؤمن الزكام، ويأخذ بمسامع الكافر، فعارضه بعض الحاضرين بأن الدخان قد مضى، وأنه أصاب الناس جهد حتى جعل الرجل يرى ما بينه وبين السماء دخاناً، ونقل ذلك عن ابن مسعود، فقال زيد رحمه الله: أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: «إنكم سيجيئكم رواة فما وافق القرآن فخذوا به، وما كان غير ذلك فدعوه» (3).
(1) هو أبو الحسين زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب الهاشمي القرشي المدني، ولد سنة (80)، وخرج في خلافة هشام بن عبد الملك، فقُتل وصُلب بالكوفة سنة (122)، وإليه تُنسب فرقة الزيدية.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (5/ 239)، والمعارف (ص 216)، وتاريخ الإسلام حوادث سنة (121 - 140/ص 105).
(2)
سورة الدخان آية (10).
(3)
جامع البيان (21/ 16)، ورجاله إسناده إلى زيد بن علي ثقات سوى عاصم بن أبي النجود، فإنه صدوق له أوهام كما في تقريب التهذيب (ص 285)، والحديث مرسل، وقد جاء الحديث في سنن الدارقطني (4/ 209) موصولاً عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال الدارقطني:«هذا وهم، والصواب عن عاصم عن زيد عن علي بن الحسين مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم» ، وذكر ابن حجر أنه جاء من طرق لا تخلو من مقال، نقله عنه أبو الطيب آبادي في تعليقه على سنن الدارقطني (4/ 209).
والحديث وإن كان رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم غير ثابت إلا أن المراد بيانه هنا أن الأمر المتقرر لدى الصحابة والتابعين رد كل قول يخالف كتاب الله تعالى.