الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القراءات (1).
ج - أنهم لا يريدون حقيقة التضعيف والتخطئة، وإنما يريدون الترجيح والاختيار، وأن القارئ خالف ما هو أولى وأحسن (2).
وبكل حال فهذه القراءات المنتقدة قد تواترت لدى العلماء وتلقتها الأمة بالقبول، ولها عند علماء التفسير والقراءات معانٍ صحيحة، فينبغي أن لا يضيق بها صدر القارئ، وبين أيدينا عدة شواهد عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم استدلوا بضعف معنى القراءة على نقد القراءة نفسها، وهي كلها في نقد قراءات متواترة، لكن تارة يرجح عليها قراءة متواترة، وأخرى يرجح عليها شاذة:
فمن شواهد ترجيح القراءة المتواترة:
1 -
ما تقدم عن عائشة رضي الله عنها أنها أنكرت قراءة التخفيف في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} (3)، ولما قال لها عروة: لعلها
(1) الإتقان (1/ 242).
(2)
انظر: المصدر السابق، وتفسير التابعين (2/ 774).
(3)
سورة يوسف من الآية (110).
{كُذِبُوا} مخففة؟ ، قالت: معاذ الله (1)، وسبب إنكارها القراءة أن المعنى الذي تفضي إليه قراءة التخفيف انتقاص الأنبياء والإخلال بمقامهم كما تقدم (2).
قال ابن حجر تعليقاً على قول عائشة: "معاذ الله": «وهذا ظاهر في أنها أنكرت القراءة بالتخفيف بناءً على أن الضمير للرسل، وليس الضمير للرسل، ولا لإنكار القراءة بذلك معنى بعد ثبوتها، ولعلها لم يبلغها ممن يرجع إليه في ذلك» (3).
2 -
وفي قول الله تعالى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (4) قالت عائشة: «كان الحواريون لا يشكون أن الله قادر أن ينزل عليهم مائدة، ولكن قالوا: يا عيسى (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)» (5).
وفي رواية قالت: «كان الحواريون أعلم بالله من أن يقولوا: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ}، إنما قالوا: هل تستطيع أنت ربك، هل تستطيع أن تدعوه؟ » (6).
(1) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ {(5/ 218).
(2)
انظر (ص 574).
(3)
فتح الباري (8/ 367 - 368)، وانظر نحوه في التحرير والتنوير (12/ 129).
(4)
سورة المائدة آية (112).
(5)
وهي قراءة الكسائي من بين العشرة، فإنه قرأ:(تَسْتَطِيعُ) بالخطاب، ونصب (رَبَّكَ). انظر: السبعة (ص 249)، والنشر (2/ 256)، وأثر عائشة رضي الله عنها في جامع البيان (9/ 118).
(6)
تفسير ابن أبي حاتم (4/ 1243)، والدر المنثور (2/ 346).
وعن سعيد بن جبير: أنه قرأها كذلك: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) وقال: تستطيع أن تسال ربك؟ ، وقال: ألا ترى أنهم مؤمنون؟ (1).
ووجه الإشكال في قراءة {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} ما بينته عائشة وسعيد من أن الحواريين مؤمنون بالله، كما أخبروا بذلك في الآية التي قبلها:{قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} (2)، وسؤالهم عن قدرة الله تعالى على إنزال المائدة ينافي ما حكوه عن أنفسهم، ولما استعظم عيسى عليه السلام هذا السؤال منهم، وقال لهم:{اتَّقُوا اللَّهَ} ، بينوا له أنهم يريدون الاطمئنان إلى صدقه، فقالوا:{وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} (3).
وأجيب بأن سؤالهم كان في مبدأ أمرهم قبل استحكام الإيمان في قلوبهم، وقد كره منهم عيسى عليه السلام ذلك، وأمرهم بالتوبة ومراجعة إيمانهم، فقال:{اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، أو أن سؤالهم لم يكن عن شك في قدرة الله، وإنما طلبوا الطمأنينة كما طلبها إبراهيم عليه السلام في قوله:{رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} (4).
(1) جامع البيان (9/ 117 - 118).
(2)
سورة المائدة من الآية (111).
(3)
سورة المائدة من الآية (113)، وقال ابن عطية في المحرر الوجيز (5/ 234):«نزهتهم عائشة عن بشاعة اللفظ، وإلا فليس يلزمهم منه جهل بالله تعالى» .
(4)
سورة البقرة من الآية (260)، وانظر: جامع البيان (9/ 119)، والبحر المحيط (4/ 53)، وفتح القدير (2/ 92).
وذهب ابن جرير إلى نقيض قول عائشة، فرجح قراءة الجمهور مستدلاً بضعف معنى قراءة:(هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)(1).
والصواب ثبوت كلا القراءتين، ولكل منهما معنى صحيح.
3 -
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (2).
ذُكر لابن عباس أن ابن مسعود قرأ بالضم: (يُغَل)(3) فقال: بلى ويقتل! ، ثم ذكر أنها نزلت في قطيفة؛ قال بعض الناس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم غلها يوم بدر (4).
وعن خصيف قال: «سألت سعيد بن جبير كيف تقرأ هذه الآية: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} أو: (يُغَل)؟ ، قال: لا بل (يَغُل) فقد كان النبي - والله - يُغَل ويُقْتل» (5).
ومراد ابن عباس وابن جبير أن قراءة الضم تنفي أن يُتَهم نبيٌ بالغلول من
(1) جامع البيان (9/ 119).
(2)
سورة آل عمران من الآية (161).
(3)
قرأ بفتح الياء وضم الغين ابن كثير وأبو عمرو وعاصم، وقرأ بقية العشرة بضم الياء وفتح الغين انظر: السبعة (ص 218)، والنشر (2/ 243).
(4)
جامع البيان (6/ 195).
(5)
المصدر السابق (6/ 194).
قبل أتباعه، والواقع يشهد بخلاف ذلك؛ لأنهم إذا كانوا يفعلون معه ما هو أشد من ذلك كالقتل، فكيف لا ينسبونه إلى الخيانة في الغنيمة؟ ! ، والآية على هذه القراءة تنفي نسبة النبي إلى الخيانة، فالمعنى - عند ابن عباس وابن جبير - غير سديد (1).
ولابن جرير نقد لمعنى هذه القراءة وترجيح الأخرى عليها (2).
وقراءة الضم ثابتة بالتواتر، ولها معنى صحيح، فتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بعدم تخوينه في الغنيمة مع حرمته مع غيره لشناعة الحال مع النبي صلى الله عليه وسلم، لأن المعاصي تعظم مع حضرته لتعين توقيره (3).
4 -
وعن شريح رحمه الله أنه كان يقرأ هذه الآية: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} (4) بالنصب، وكان ينكر قراء الرفع، ويقول: إن الله لا يعجب من الشيء، إنما يعجب من لا يعلم، قال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: إن شريحاً كان معجباً برأيه، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان أعلم منه، كان يقرأها:(بَلْ عَجِبْتُ)(5).
(1) انظر التفسير الكبير للرازي (3/ 413).
(2)
جامع البيان (6/ 200 - 201).
(3)
المحرر الوجيز (3/ 285)، وفتح القدير (1/ 394).
(4)
سورة الصافات آية (12).
(5)
تقدم الكلام عن هذه القراءة (ص 454)، ولمزيد شواهد انظر: جامع البيان (9/ 102)، والدر المنثور (4/ 9).