الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانياً
اشتمال التفسير على ما يخل بمقام الأنبياء والملائكة وعصمتهم
(1)
اشتمال التفسير على الإخلال بمقام الأنبياء وعصمتهم
للأنبياء منزلة رفيعة ومقام عظيم عند الله تعالى، فهم المبلغون لوحيه ورسالاته، وقد اختصهم الله من بين البشر بخصائص وميزهم بمزايا، من أهمها العصمة، فقد أجمعت الأمة على أنهم معصومون فيما يبلغون به عن الله، فلا يجوز
(1) وأما نقد التفسير لاشتماله على ما ينزه الله تعالى عنه فلم أقف على شيء من الشواهد النقدية عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم سوى ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} [النور آية 35]، فقد أنكر أن يكون المراد بقوله:{مَثَلُ نُورِهِ} نور الله عز وجل معللاً ذلك بأن الله تعالى أعظم من أن يكون نوره كنور المشكاة، ورتب على ذلك نقد القراءة، وقال رضي الله عنه: هي خطأ من الكاتب، هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة، وقال: مثل نور المؤمن كمشكاة، انظر: تفسير ابن أبي حاتم (8/ 2595).
وكذلك ما تقدمت حكايته عن شريح القاضي رحمه الله في قوله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} [الصافات آية: 12] وإنكاره دلالة الآية على صفة العَجَب لله تعالى، وهذا الشاهد والذي قبله أقرب إلى نقد القراءات، انظر ما يأتي (ص 617).
عليهم الكذب أو الخطأ والنسيان.
وأما وقوع الكبائر منهم فقد حكى بعض العلماء اتفاق أهل السنة على عصمتهم من تعمد فعلها، ويُلحق بها ما يزري بمنصب النبوة، أو يوجب الحكم على فاعله بالخسة ودناءة الهمة وسقوط المروءة (1)، وفي وقوعها منهم سهواً خلاف بين العلماء، وكذا اختلفوا في وقوع الصغائر منهم.
وبكل حال فلا يمكن إقرار الأنبياء عليهم السلام على الذنوب، قال ابن تيمية:«والقول الذي عليه جمهور الناس، وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقاً» (2).
وقد أفاض القرآن الكريم في ذكر قصص الأنبياء السابقين، وهي بحاجة إلى تفسير وبيان، فلجأ بعض المفسرين إلى الروايات الإسرائيلية لبيانها وذكر تفاصيلها، لكنها - وللأسف - حوت في ثناياها انتقاصاً ظاهراً للأنبياء، فتسرب
(1) انظر: الإحكام للآمدي (1/ 170)، وشرح الكوكب المنير (2/ 172)، ولوامع الأنوار البهية (2/ 304).
(2)
مجموع الفتاوى (10/ 293)، وانظر في تفصيل هذه القضية: الشفا للقاضي عياض (2/ 694 - 861)، والإحكام للآمدي (1/ 169)، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (4/ 319، 10/ 289، 35/ 100)، والموافقات (4/ 13)، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (2/ 303)، والرسل والرسالات د. الأشقر (ص 97).
كثير منها إلى كتب التفسير (1).
وبناءً على الأصل الاعتقادي في تنزيه الأنبياء عما لا يليق بمناصبهم أو يزري بمراتبهم تنبه كثير من المفسرين إلى الروايات التي تحط من مقام الأنبياء أو تنتقصهم، فإنهم إما أن يردوها، وإما أن يحملوها على أحسن الوجوه بما لا ينتقص من مقامهم، وهذا الأمر مقرر في كتبهم في مواطن كثيرة:
ففي قوله تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} (2) ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} أي: ظن أنه يعجز ربه فلا يقدر عليه، فانتقد الطبري ذلك تعظيماً لمقام أيوب عليه السلام، وقال:«لا يجوز أن ينسب إلى الكفر، وقد اختاره لنبوته. ووصْفُهُ بأن ظنَّ أن ربه يعجز عما أراد به ولا يقدر عليه وصْفٌ له بأنه جهل قدرة الله، وذلك وصْفٌ له بالكفر، وغير جائز لأحد وصفه بذلك» (3).
وفي قوله تعالى عن موسى عليه السلام: {وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ
(1) انظر: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير لأبي شهبة (ص 178)، والرسل والرسالات (ص 104 - 106).
(2)
سورة الأنبياء من الآية (87).
(3)
جامع البيان (16/ 381)، وانظر: التفسير الكبير للرازي (8/ 180)، والجامع لأحكام القرآن (5/ 4371)، وفتح القدير (3/ 421)، وأضواء البيان (4/ 683).
إِلَيْهِ} (1) ذهب بعض المفسرين إلى أن سبب إلقاء موسى للألواح أنه رأى فيها فضيلة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فانتقد القرطبي ذلك، وقال:«ولا التفات لما روي عن قتادة إن صح عنه، ولا يصح أن إلقاءه الألواح إنما كان لما رأى فيها من فضيلة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يكن ذلك لأمته، وهذا قول رديء ينبغي ألا يضاف إلى موسى صلى الله عليه وسلم» (2).
وفي قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} الآيات (3) يورد بعض المفسرين قصة داود مع أحد قواده، وأنه أرسله إلى الجهاد ليُقْتَل فيخلفه على أهله، وقد ردها كثير من المفسرين لكونها لا تليق بمقام النبوة:
يقول ابن عاشور: «ولو حكي ذلك بخبر آحاد في المسلمين لوجب ردُّه، والجزم بوضعه لمعارضته المقطوع به من عصمة الأنبياء من الكبائر عند جميع أهل السنة، ومن الصغائر عند المحققين منهم، وهو المختار» (4).
ويقول الشنقيطي: «واعلم أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة، مما لا يليق بمنصب داود - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - كله راجع إلى الإسرائيليات، فلا ثقة به، ولا معوّل عليه، وما جاء منه مرفوعاً إلى النبي
(1) سورة الأعراف من الآية (150).
(2)
الجامع لأحكام القرآن (3/ 2724).
(3)
(21 - 24) من سورة ص.
(4)
التحرير والتنوير (23/ 138).
- صلى الله عليه وسلم لا يصح منه شيء» (1).
ومما جاء عن الصحابة والتابعين في نقد التفسير بهذا الأصل:
1 -
قال الله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} (2).
قرئ قوله: {كُذِبُوا} بضم الكاف وتخفيف الذال وكسرها، وقرئ بضم الكاف وتشديد الذال وكسرها (3).
وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقرؤها بالتخفيف ويرى في رواية عنه أن المعنى استيئاس الرسل من إيمان قومهم، وظنهم أنهم كذبوا فيما وعدوا به من النصر، وكان رضي الله عنه يقول: كانوا بشراً ضعفوا.
فعن ابن أبي مليكة: أن ابن عباس قرأ: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} خفيفة، ثم قال: كانوا بشراً، وتلا: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ
(1) أضواء البيان (7/ 24)، وانظر: زاد المسير (7/ 116)، والتفسير الكبير (9/ 379)، ولباب التأويل (6/ 49)، ومدارك التنزيل (4/ 29).
(2)
سورة يوسف آية (110).
(3)
قرأ بالتخفيف عاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر المدني وخلف، وقرأ بالتشديد ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو ونافع ويعقوب الحضرمي، انظر: السبعة (ص 351 - 352)، والنشر (2/ 296).
نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} (1)، قال ابن جريج: قال ابن أبي مليكة: ذهب بها إلى أنهم ضعفوا، فظنوا أنهم أخلفوا (2).
وجاء هذا المعنى عن ابن مسعود، فقد سأله رجل عن هذه الآية فقال: هو الذي تكره، وكان يقرؤها مخففة (3).
وسئل سعيد بن جبير هل تقرأ الآية بالتخفيف، فقال:«نعم، ألم يكونوا بشراً؟ » (4).
وأنكر هذا التأويل بعض الصحابة والتابعين رضي الله عنهم:
وعن الزهري قال: «أخبرني عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت له،
(1) سورة البقرة من الآية (214).
(2)
جامع البيان (13/ 393)، والمعجم الكبير للطبراني (11/ 101).
(3)
جامع البيان (13/ 393)، وفتح الباري لابن حجر (13/ 369).
(4)
جامع البيان (13/ 394).
(5)
المصدر السابق (13/ 395).
وهو يسألها عن قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} ؟ ، أكُذِبُوا أم كُذِّبُوا، فقالت: كُذِّبُوا، فقلت: فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن، قالت: أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك، فقلت:{وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} ؟ ، قالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلت: فما هذه الآية؟ ، قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك» (1).
قال الرازي معلقاً على قول عائشة رضي الله عنها: «وهذا الرد والتأويل في غاية الحسن من عائشة» (2).
وعن مسلم بن يسار أنه سأل سعيد بن جبير فقال: «يا أبا عبد الله آية بلغت مني كل مبلغ: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} فهذا الموت أن تظن الرسل أنهم قد كذبوا، أو نظن أنهم قد كذبوا - مخففة - فقال سعيد بن جبير: يا أبا عبد الرحمن حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم، وظن قومهم أن الرسل كذبتهم {جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} ، فقام مسلم إلى سعيد فاعتنقه، وقال: فرج الله عنك كما فرجت
(1) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله:{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} (5/ 218).
(2)
التفسير الكبير (6/ 522).
عني» (1).
وقد ذهب كثير من المفسرين مذهب عائشة في نقد التأويل المنقول عن ابن عباس لمخالفته ما ثبت من عصمة الرسل عليهم الصلاة والسلام، فقال ابن جرير عنه:«وهذا تأويلٌ وقولٌ غيره من التأويل أولى عندي بالصواب، وخلافه من القول أشبه بصفات الأنبياء، والرسل إن جاز أن يرتابوا بوعد الله إياهم ويشكوا في حقيقة خبره، مع معاينتهم من حجج الله وأدلته ما لا يعاينه المرسل إليهم فيعذروا في ذلك، فإن المرسل إليهم لأولى في ذلك منهم بالعذر، وذلك قول إن قاله قائل لا يخفى أمره، وقد ذكر هذا التأويل الذي ذكرناه أخيراً عن ابن عباس لعائشة، فأنكرته أشد النكرة فيما ذكر لنا» (2).
وجاء عن ابن عباس وابن مسعود وابن جبير روايات أخرى أنهم فسروا الآية بما يتفق مع تنزيه الأنبياء:
(1) جامع البيان (13/ 388).
(2)
المصدر السابق (13/ 394)، ومنهم ابن عطية في المحرر الوجيز (9/ 394)، فإنه قال:«وردت هذا التأويل عائشة - أم المؤمنين - وجماعة من أهل العلم، وأعظموا أن توصف الرسل بهذا، وقال أبو علي الفارسي: هذا غير جائز على الرسل، قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصواب، وأين العصمة والعلم؟ ! » ، ومنهم: القاضي عياض في الشفا (2/ 702)، والزمخشري في الكشاف (2/ 347)، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (4/ 3504)، والخازن في لباب التأويل (3/ 322)، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم (3/ 193).
فعن ابن عباس أنه قال: «استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم» (1).
وعن ابن مسعود قال: «استيأس الرسل من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم، وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كذبوا» (2).
وتقدم عن ابن جبير أنه قال نحو ذلك.
ولعلهم قالوا بالقول الأول ثم لما بدا لهم ما فيه رجعوا عنه، وحملوا الآية على تنزيه الأنبياء، وقد رجح ابن حجر رواية ابن عباس الأخرى المتفقة مع تنزيه الأنبياء (3).
2 -
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} (4).
جاء في بعض الآثار أن الشيطان سُلط على نساء سليمان عليه السلام:
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما أراد الله أن يرد على سليمان سلطانه ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان، فأرسلوا إلى نساء سليمان عليه السلام، فقالوا لهن:
(1) السنن الكبرى للنسائي، كتاب التفسير، باب قوله:{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} (6/ 370)، وسنن سعيد بن منصور (5/ 419)، وتفسير ابن أبي حاتم (7/ 2212).
(2)
جامع البيان (13/ 391)، وانظر الدر المنثور (4/ 41).
(3)
فتح الباري (8/ 369).
(4)
سورة ص آية (34).
أيكون من سليمان شيء؟ ، قلن: نعم؛ إنه يأتينا ونحن حيض، وما كان يأتينا قبل ذلك»، القصة (1).
وعن سعيد بن المسيب رحمه الله قال: «كان أول من أنكره نساؤه، فقال بعضهم لبعض: أتنكرون منه شيئاً؟ ، قلن: نعم، وكان يأتيهن وهن حيض» (2).
وقد أنكر بعض التابعين ذلك:
فلما ذكر للحسن البصري قول ابن المسيب المتقدم قال: «ما كان الله يسلطه على نسائه» (3).
وعن مجاهد أنه قال في قول الله تعالى: {عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا} : «شيطاناً يقال له آصف، فقال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ ، قال: أرني خاتمك أخبرك، فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر، فساح سليمان وذهب ملكه، وقعد آصف على كرسيه، ومنعه الله نساء سليمان، فلم يقربهن وأنكرنه» .
وعن قتادة قال: «فجاء فقعد على كرسيه وسريره، وسُلِّط على ملك سليمان
(1) السنن الكبرى للنسائي، كتاب التفسير، باب قوله:{وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} [البقرة آية 102](6/ 287)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (7/ 60) واللفظ له، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.
(2)
الدر المنثور (5/ 312) وعزاه لعبد بن حميد.
(3)
المصدر السابق.
كله غير نسائه» (1).
وقد قال ابن كثير تعليقاً على قول ابن عباس المتقدم: «إسناده إلى ابن عباس قوي، ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس - إن صح عنه - من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان عليه السلام، فالظاهر أنهم يكذبون عليه، ولهذا كان في السياق منكرات من أشدها ذكر النساء، فإن المشهور أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان، بل عصمهن الله منه تشريفاً وتكريماً لنبيه صلى الله عليه وسلم، وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف، كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين، وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب، والله أعلم بالصواب» (2).
3 -
وفي قول الله تعالى: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (3).
أنكر الحسن البصري رحمه الله أن يكون المراد بالآية آدم عليه السلام كما هو قول جماعة من
(1) الأثران في جامع البيان (20/ 89 - 90).
(2)
تفسير القرآن العظيم (7/ 60)، وقال القاضي عياض في الشفا (2/ 836):«ولا يصح ما نقله الأخباريون من تشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه؛ لأن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله» ، وأنكر هذا التفسير لهذه العلة جماعة من المفسرين، منهم: الرازي في التفسير الكبير (9/ 393)، وأبو حيان في البحر المحيط (7/ 397)، والخازن في لباب التأويل (6/ 59)، والشنقيطي في أضواء البيان (7/ 35).
(3)
سورة الأعراف آية (190).
المفسرين (1)، وكان يقول:«كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم» .
وفي رواية ثالثة عنه قال: «هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولاداً فهَوَّدُوا ونَصَّرُوا» (2).
ولعل الذي دعا الحسن إلى هذا الإنكار أن الفعل المذكور في الآية من جعل الشركاء لله لا يليق بمقام النبوة، وقد انتقد الحسن عدة تفسيرات لأنها تخل بمقام الأنبياء والملائكة وتقدم بعضها، وسيأتي عنه أقوال أخرى، وهذا يدل على اهتمامه بهذه القضية (3).
* ومما يؤكد حرص الصحابة والتابعين رضي الله عنهم على حفظ مقام الأنبياء من القدح فيه، أنهم يدفعون ما يفهمه بعض الناس من الآيات التي تتحدث عن الأنبياء، فقد يفهمون منها ما لا ينبغي في حق الأنبياء؛ يعزز هذا الفهم - أحياناً - ما يوجد في
(1) انظر: جامع البيان (10/ 629)، ومعالم التنزيل (3/ 314).
(2)
أخرج هذه الروايات الثلاث ابن جرير في جامع البيان (10/ 629)، وانظر: تفسير عبد الرزاق (1/ 228)، وتفسير ابن أبي حاتم (5/ 1634)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (3/ 529)، والدر (3/ 152).
(3)
انظر تفسير التابعين (2/ 729 - 730).
الأخبار الإسرائيلية الباطلة من الانتقاص الظاهر للأنبياء، والحط من مقامهم، ومن أمثلة ذلك:
1 -
عن ابن عباس قال في قول الله تعالى: {قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} (1): «هو ابنه ما بغت امرأة نبي قط» .
وفسر قوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} أي: الذين وعدتك أن أنجيهم معك (2).
وعن ابن جبير قال: «كان ابن نوح، إن الله لا يكذب، قال: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} (3)، قال: وقال بعض العلماء: ما فجرت امرأة نبي قط» (4).
2 -
وفي قول الله تعالى على لسان لوط عليه السلام: {قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} (5).
قال ابن عباس: «ما عرض لوط عليه السلام بناته على قومه لا سفاحاً ولا نكاحاً، إنما قال: هؤلاء بناتي نساؤكم، لأن النبي إذا كان بين ظهري قوم فهو أبوهم» (6).
(1) سورة هود من الآية (46).
(2)
جامع البيان (12/ 429، 430)، وانظر الدر المنثور (6/ 245).
(3)
سورة هود من الآية (42).
(4)
جامع البيان (12/ 430).
(5)
سورة هود من الآية (78).
(6)
الدر المنثور (3/ 342)، وعزاه لأبي الشيخ.