الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سابعا: أن عاشقها ومحبها الذى يؤثرها على الآخرة من أسفه الخلق وأقلهم عقلاً، إذ آثر الخيال على الحقيقة، والمنام على اليقظة، والظل الزائل على النعيم الدائم، والدار الفانية على الدار الباقية، وباع حياة الأبد فى أرغد عيش بحياة إنما هى أحلام نوم، أو كظل زائل، إن اللبيب بمثلها لا يخدع.
وكان بعض السلف يتمثل هذا البيت:
يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها
…
إن اغتراراً بظل زائل حمق
[*] قال يونس بن عبد الأعلى: " ما شبهت الدنيا إلا كرجل نام فرأى فى منامه ما يكره وما يحب، فبينما هو كذلك انتبه ".
وأشبه الأشياء بالدنيا: الظل تحسب له حقيقة ثابتة وهو فى تقلص وانقباض فتتبعه لتدركه فلا تلحقه، وأشبه الأشياء بها السراب يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، ووجد الله عنده فوفاه حسابه، والله سريع الحساب، وأشبه الأشياء بها: عجوز شوهاء قبيحة المنظر والمخبر، غدارة بالأزواج، تزينت للخطاب بكل زينة، وسترت كل قبح، فاغتر بهامن لم يجاوز بصره ظاهرها، فطلب النكاح، فقالت: لا مهر إلا فقد الآخرة، فإننا ضرتان، واجتماعنا غير مأذون فيه ولا مستباح، فآثر الخطاب العاجلة، وقالوا: ما على مَن واصل حبيبته من جناح، فلما كشف قناعها، وحل إزارها، إذا كل آفة وبلية، فمنهم من طلق واسترح، ومنهم من اختار المقام، فما استتمت ليلة عرسه إلا بالعويل والصياح.
تالله لقد أذن مؤذنها على رؤوس الخلائق، بحىّ على غير الفلاح، فقام المجتهدون والمصلون لها فواصلوا فى طلبها الغدو بالرواح، وسروا ليلهم، فلم يحمد القوم السرى عند الصباح، طاروا فى صيدها، فما رجع أحد منهم إلا وهو مكسور الجناح، فوقعوا فى شبكتها، فأسلمتهم للذبّاح.
باب: حقيقة الموت
حقيقة الموت:
يخطئ من يظن أن الموت فناء محض وعدم تام، ليس بعده حياة ولا حساب ولا حشر ولا نشر ولا جنة ولا نار. إذ لو كان الأمر كذلك لا نتفت الحكمة من الخلق والوجود، واستوى الناس جميعاً بعد الموت واستراحوا، فيكون المؤمن والكافر سواء، والقاتل والمقتول سواء، والظالم والمظلوم سواء، والطائع والعاصي سواء، والزاني والمصلي سواء، والفاجر والتقي سواء، وهذا مذهب الملاحدة الذين هم شر من البهائم، فلا يقول ذلك إلا من خلع رداء الحياء، ونادى على نفسه بالسفه والجنون. قال تعالى:(زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)[التغابن:7]
وقال تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)[يس 79،78]
فالموت هو انقطاع تعلق الروح بالبدن، ومفارقتها له، والانتقال من دار إلى دار، وبه تطوى صحف الأعمال، و تنقطع التوبة والإمهال وأن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر
(حديث ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ الله يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ".
ولله درُّ القائل:
ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غابة كل حي:
ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شيء
الموت من أعظم المصائب:
والموت من أعظم المصائب، وقد سماه الله تعالى مصيبة في قوله سبحانه:(فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ)[المائدة: 106]
فإذا كان العبد طائعاً ونزل به الموت ندم أن لا يكون ازداد وإذا كان العبد مسيئاً تدم على التفريط وتمنى العودة إلى دار الدنيا، ليتوب إلى الله تعالى، ويبدأ العمل الصالح من جديد. ولكن هيهات هيهات!! قال تعالى:(وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنْ الْمُعْتَبِينَ)[فصلت: 24]
وقال تعالى (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)[المؤمنون: 100،99]
ولله درُّ القائل:
قد مضى العمر وفات ياأسير الغفلات
…
حصّل الزاد وبادر مسرعاً قبل الفوات