الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شعيب، حدثني محدث: أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على عمر فقال: يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة فأخلني ـ وعنده مسلمة بن عبد الملك ـ فقال له عمر: أسر دون عمك؟ فقال: نعم، فقام مسلمة وخرج، وجلس بين يديه فقال له: يا أمير المؤمنين ما أنت قائل لربك غداً إذا سألك فقال: رأيت بدعة فلم تمتها، أو سنة لم تحيها؟ فقال: له يا بني أشىء حملتكه الرعية إلى، أم رأي رأيته من قبل نفسك؟ قال: لا والله ولكن رأي رأيته من قبل نفسي، وعرفت أنك مسئول فما أنت قائل؟ فقال له أبوه: رحمك الله وجزاك من ولد خيراً، فوالله إني لأرجو أن تكون من الأعوان على الخير يا بني إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة وعروة عروة، ومتى ما أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا علي فتقاً تكثر فيه الدماء والله لزوال الدنيا أهون من أن يهراق في سبي محجمة من دم، أو ماترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيى فيه سنة، حتى يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحجاج بن عنبسة بن سعيد، قال: اجتمع بنو مروان فقالوا: لو دخلنا على أمير المؤمنين فعطفناه علينا وذكرناه أرحامنا، قال: فدخلوا فتكلم رجل منهم فمزح، قال: فنظر إليه عمر، قال: فوصل له رجل كلامه بالمزاح، فقال عمر: لهذا اجتمعتم، لأخس الحديث ولما يورث الضغائن، إذا اجتمعتم فأفيضوا في كتاب الله تعالى، فإن تعديتم ذلك ففي السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن تعديتم ذلك فعليكم بمعاني الحديث.
(8) منابذة عمر بن عبد العزيز لأهل الأهواء:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن خلف أبي الفضل القرشي، عن كتاب عمر بن عبد العزيز إلى النفر الذين كتبوا إلي بما لم يكن لهم بحق في رد كتاب الله تعالى، وتكذيبهم بأقداره النافذة في علمه السابق الذي لا حد له إلا إليه، وليس لشىء منه مخرج، وطعنهم في دين الله وسنة رسوله القائمة في أمته.
أما بعد: فإنكم كتبتم إلى بما كنتم تسترون منه قبل اليوم في رد علم الله والخروج منه إلى ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف على أمته من التكذيب بالقدر. وقد علمتم أن أهل السنة كانوا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، وسيقبض العلم قبضاً سريعاً. وقول عمر بن الخطاب، وهو يعظ الناس: إنه لا عذر لأحد عند الله بعد البينة بضلالة ركبها حسبها هدى، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة، قد تبينت الأمور وثبتت الحجة وانقطع العذر، فمن رغب عن أنباء النبوة وما جاء به الكتاب تقطعت من يديه أسباب الهدى، ولم يجد له عصمة ينجو بها من الردى، وإنكم ذكرتم أنه بلغكم أني أقول: إن الله قد علم ما العباد عاملون، وإلى ماهم صائرون، فأنكرتم ذلك علي، وقلتم: إنه ليس يكون ذلك من الله في علم حتى يكون ذاك من الخلق عملاً فكيف ذلك كما قلتم؟ والله تعالى يقول:
…
(إِنّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنّكُمْ عَآئِدُونَ)[الدخان: 15]. يعني: عائدين في الكفر، وقال الله تعالى:: (بَلْ بَدَا لَهُمْ مّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنّهُمْ لَكَاذِبُونَ)[الأنعام: 28] فزعمتم بجهلكم في قول الله تعالى:
…
(فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ)[الكهف: 29]. أن المشيئة في أي ذلك أحببتم فعلتم من ضلالة أو هدى والله تعالى يقول: وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين. فبمشيئة الله لهم شاءوا ولو لم يشأ لم ينالوا بمشيئتهم من طاعته شيئاً قولاً ولا عملاً، لأن الله تعالى لم يملك العباد ما بيده، ولم يفوض إليهم ما يمنعه من رسله، فقد حرصت الرسل على هدى الناس جميعاً، فما اهتدى منهم إلا من هداه الله، ولقد حرص إبليس على ضلالتهم جميعاً فما ضل منهم إلا من كان في علم الله ضالاً.
وزعمتم بجهلكم أن علم الله تعالى ليس بالذي يضطر العباد إلى ما عملوا من معصيته، ولا بالذي صدهم عما تركوه من طاعته، ولكنه بزعمكم كما علم الله أنهم سيعملون بمعصيته، كذلك علم أنهم سيستطيعون تركها، فجعلتم علم الله لغواً، تقولون لو شاء العبد لعمل بطاعة الله وإن كان في علم الله أنه غير عامل بها، ولو شاء ترك معصيته، وإن كان في علم الله أنه غير تارك لها، فأنتم إذا شئتم أصبتموه وكان علماً، وإذا شئتم رددتموه وكان جهلاً، وإن شئتم أحدثتم من أنفسكم علماً ليس في علم الله، وقطعتم به علم الله عنكم، وهذا ما كان ابن عباس يعده للتوحيد نقضاً، وكان يقول: إن الله لم يجعل فضله ورحمته هملاً بغير قسم منه ولا اختيار، ولم يبعث رسله بإبطال ما كان في سابق علمه، فأنتم تقرون في العلم بأمر، وتنقضون في آخر، والله تعالى يقول: قال تعالى: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مّنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَآءَ ُ)[البقرة: 255]. فالخلق صائرون إلى علم الله تعالى، ونازلون عليه، وليس بينه شىء هو كائن حجاب يحجبه عنه ولا يحول دونه إنه عليم حكيم.
وقلتم لو شاء الله لم يفرض بعمل بغير ما أخبر الله في كتابه عن قوم، ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون وأنه قال: سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم.
فأخبر أنهم عاملون قبل أن يعملوا، وأخبر أنه معذبهم قبل أن يخلقوا. وتقولون أنتم: أنهم لو شاءوا خرجوا من علم الله في عذابه إلى ما لم يعلم من رحمته لهم، ومن زعم ذلك فقد عادى كتاب الله برد، ولقد سمى الله تعالى رجالا من الرسل بأسمائهم وأعمالهم في سابق علمه، فما استطاع آباؤهم لتلك الأسماء تغييراً، وما استطاع إبليس بما سبق لهم في علمه من الفضل تبديلاً، فقال (وَاذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ * إِنّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ)[ص 45، 46]. فالله أعز في قدرته وأمنع من أن يملك أحداً إبطال علمه في شىء من ذلك، فهو مسمى لهم بوحيه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أو أن يشرك في خلقه أحداً، أو يدخل في رحمته من قد أخرجه منها أو أن يخرج منها من قد أدخله فيها، ولقد أعظم بالله الجهل من زعم أن العلم كان بعد الخلق، بل لم يزل الله وحده بكل شىء عليماً، وعلى كل شىء شهيداً، قبل أن يخلق شيئاً، وبعد ما خلق، لم ينقص علمه في بدئهم، ولم يزد بعد أعمالهم، ولا بحوائجه التي قطع بها دابر ظلمهم، ولا يملك إبليس هدى نفسه، ولا ضلالة غيره، وقد أردتم بقذف مقالتكم إبطال علم الله في خلقه، وإهمال عبادته، وكتاب الله قائم بنقض بدعتكم، وإفراط قذفكم، ولقد علمتم أن الله بعث رسوله والناس يومئذ أهل شرك، فمن أراد الله له الهدى لم تحل ضلالته التي كان فيها دون إراة الله له، ومن لم يرد الله له الهدى تركه في الكفر ضالاً، فكانت ضلالته أولى به من هذاه، فزعمتم أن الله أثبت في قلوبكم الطاعة والمعصية، فعلمتم بقدرتكم بطاعته وتركتم بقدرتكم معصيته، وإن الله خلو من أن يكون يختص أحداً برحمته، أو يحجز أحداً عن معصيته، وزعمتم أن الشىء الذي يقدر إنما هو عندكم اليسر والرخاء والنعمة، وأخرجتم من الأعمال، وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من الله ضلالة أو هدى، وأنكم الذين هديتم أنفسكم من دون الله، وأنكم الذين حجزتموها، عن المعصية بغير قوة من الله ولا إذن منه، فمن زعم ذلك فقد غلا في القول لأنه لو كان شىء لم يسبق في علم الله وقدره لكان الله في ملكه شريك ينفذ مشيئته في الخلق من دون الله، والله سبحانه وتعالى يقول:(حَبّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)[الحجرات: 7].
وهم له قبل ذلك كارهون وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان. وهم له قبل ذلك محبون وما كانوا على شىء من ذلك لأنفسهم بقادرين. ثم أخبر بما سبق لمحمد صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه والمغفرة ولأصحابه. فقال تعالى: قال تعالى: (أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ)[الفتح: 29]. وقال تعالى: (لّيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخّرَ)[الفتح: 2]. فلولا علمه ما غفرها الله له قبل أن يعملها، وفضلا سبق لهم من الله قبل أن يخلقوا، ورضوانا عنهم قبل أن يؤمنوا. ثم أخبر بما هم عاملون آمنون قبل أن يعملوا وقال:(تَرَاهُمْ رُكّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ اللّهِ وَرِضْوَاناً)[الفتح: 29]. فتقولون أنتم أنهم قد كانوا ملكوا رد ما أخبر الله عنهم أنهم عاملون، وأن إليهم أن يقيموا على كفرهم مع قوله فيكون الذي أرادوا لأنفسهم من الكفر مفعولا، ولا يكون لوحى الله فيما اختار تصديقا، بل لله الحجة البالغة. وفي قوله تعالى: لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. فسبق لهم العفو من الله فيما أخذوا قبل أن يؤذن لهم، وقلتم: لو شاءوا خرجوا من علم الله في عفوه عنهم إلى ما لم يعلم من تركهم لما أخذوا، فمن زعم ذلك فقد غلا وكذب. ولقد ذكر الله بشراً كثيراً وهم يومئذ في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، فقال: وآخرين منهم لما يلحقوا بهم. وقال: والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان. فسبقت لهم الرحمة من الله قبل أن يخلقوا والدعاء لهم بالمغفرة، ممن لم يسبقهم بالإيمان من قبل أن يدعوا لهم. ولقد علم العالمون بالله أن الله لا يشاء أمراً فتحول مشيئة غيره دون بلاغ ما شاء، ولقد شاء لقوم الهدى فلم يضلهم أحد، وشاء إبليس لقوم الضلالة فاهتدوا، وقال لموسى وهارون:(اذْهَبَآ إِلَىَ فِرْعَوْنَ إِنّهُ طَغَىَ * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لّيّناً لّعَلّهُ يَتَذَكّرُ أَوْ يَخْشَىَ)[طه 43، 44]. وموسى في سابق علمه أنه يكون لفرعون عدواً وحزناً، فقال تعالى:(وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مّا كَانُواْ يَحْذَرونَ)[القصص: 6]. فتقولون أنتم: لو شاء فرعون كان لموسى ولياً وناصراً، والله تعالى يقول:(لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً)[القصص: 8]. وقلتم لو شاء فرعون لامتنع من الغرق، والله تعالى يقول:(إِنّهُمْ جُندٌ مّغْرَقُونَ)[الدخان: 24].
مثبت ذلك عنده في وحيه في ذكر الأولين. كما قال في سابق علمه لآدم قبل أن يخلقه: قال (إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً)[البقرة: 30]. فصار إلى ذلك بالمعصية التي ابتلى بها، وكما كان إبليس في سابق علمه أنه سيكون مذموماً مدحوراً، فصار إلى ذلك بما ابتلى به من السجود لآدم فأبى، فتلقى آدم التوبة فرحم، وتلقى إبليس اللعنة فغوى، ثم هبط آدم إلى ما خلق له من الأرض مرحوماً متوباً عليه، وأهبط إبليس بنظرته مدحوراً مذموماً مسخوطاً عليه. وقلتم أنتم: أن إبليس وأوليائه من الجن قد كانوا ملكوا رد علم الله والخروج من قسمه الذي أقسم به إذ قال: (قَالَ فَالْحَقّ وَالْحَقّ أَقُولُ * لأمْلأنّ جَهَنّمَ مِنكَ وَمِمّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)[ص: 85]. حتى لا ينفذ له علم إلا بعد مشيئتهم، فماذا تريدون بهلكة أنفسكم في رد علم الله؟ فإن الله عز وجل لم يشهدكم خلق أنفسكم فكيف يحيط جهلكم بعلمه، وعلم الله ليس بمقصر عن شىء هو كائن، ولا يسبق علمه في شىء فيقدر أحد على رده، فلو كنتم تنتقلون في كل ساعة من شىء إلى شىء هو كائن من العباد في الأرض من الفساد وسفك الدماء فيها، وما كان لهم في الغيب من علم، فكان في علم الله الفساد وسفك الدماء، وما قالوا تخرصاً إلا بتعليم العليم الحكيم لهم، فظن ذلك منهم وقد أنطقهم به، فأنكرتم أن الله أزاغ قوماً قبل أن يرفعوا، وأضل قوماً قبل أن يضلوا، وهذا مما لاشك فيه المؤمنون بالله، إن الله قد عرف قبل أن يخلق العباد مؤمنهم من كافرهم، وبرهم من فاجرهم، وكيف يستطيع عبد هو عند الله مؤمن أن يكون كافراً، أو هو عند الله كافر أن يكون مؤمناً؟ والله تعالى يقول:
…
(أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَن مّثَلُهُ فِي الظّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا)[الأنعام: 122].
فهو في الضلالة ليس بخارج منها أبداً إلا بأذن الله، ثم آخرون اتخذوا من بعد الهدى عجلاً جسداً فضلوا به، فعفى عنهم لعلهم يشكرون، فصاروا من أمة قوم موسى، (أُمّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) [الأعراف: 159]، وصاروا إلى ما سبق لهم، ثم ضلت ثمود بعد الهدى فلم يعف عنهم ولم يرحموا، فصاروا في علمه إلى صيحة واحدة فإذا هم خامدون فنفذوا إلى ما سبق لهم أن صالحاً رسولهم، وأن الناقة فتنة لهم وأنه مميتهم كفاراً فعقروها، وكان إبليس فيما كانت فيه الملائكة من التسبيح والعبادة ابتلى فعصى فلم يرحم، وابتلى آدم فعصى فرحم، وهم آدم بالخطيئة فنسى، وهم يوسف بالخطيئة فعصم، فأين كانت الاستطاعة عند ذلك؟ هل كنت تغني شيئاً فيما كان من ذلك حتى لا يكون؟ أو تغني فيما لم يكن حتى يكون? فتعرف لكم بذلك حجة بل الله أعز مما تصفون وأقدر. نا. وقلتم لو شاء فرعون لامتنع من الغرق، والله تعالى يقول (إِنّهُمْ جُندٌ مّغْرَقُونَ) [الدخان: 24]. مثبت ذلك عنده في وحيه في ذكر الأولين. كما قال في سابق علمه لآدم قبل أن يخلقه:
…
(إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً)[البقرة: 30]. فصار إلى ذلك بالمعصية التي ابتلى بها، وكما كان إبليس في سابق علمه أنه سيكون مذموماً مدحوراً، فصار إلى ذلك بما ابتلى به من السجود لآدم فأبى، فتلقى آدم التوبة فرحم، وتلقى إبليس اللعنة فغوى، ثم هبط آدم إلى ما خلق له من الأرض مرحوماً متوباً عليه، وأهبط إبليس بنظرته مدحوراً مذموماً مسخوطاً عليه. وقلتم أنتم: أن إبليس وأوليائه من الجن قد كانوا ملكوا رد علم الله والخروج من قسمه الذي أقسم به إذ قال:
…
(قَالَ فَالْحَقّ وَالْحَقّ أَقُولُ * قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ الْمُتَكَلّفِينَ)[ص 85: 86].
حتى لا ينفذ له علم إلا بعد مشيئتهم، فماذا تريدون بهلكة أنفسكم في رد علم الله؟ فإن الله عز وجل لم يشهدكم خلق أنفسكم فكيف يحيط جهلكم بعلمه، وعلم الله ليس بمقصر عن شىء هو كائن، ولا يسبق علمه في شىء فيقدر أحد على رده، فلو كنتم تنتقلون في كل ساعة من شىء إلى شىء هو كائن من العباد في الأرض من الفساد وسفك الدماء فيها، وما كان لهم في الغيب من علم، فكان في علم الله الفساد وسفك الدماء، وما قالوا تخرصاً إلا بتعليم العليم الحكيم لهم، فظن ذلك منهم وقد أنطقهم به، فأنكرتم أن الله أزاغ قوماً قبل أن يرفعوا، وأضل قوماً قبل أن يضلوا، وهذا مما لاشك فيه المؤمنون بالله، إن الله قد عرف قبل أن يخلق العباد مؤمنهم من كافرهم، وبرهم من فاجرهم، وكيف يستطيع عبد هو عند الله مؤمن أن يكون كافراً، أو هو عند الله كافر أن يكون مؤمناً؟ والله تعالى يقول:: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَن مّثَلُهُ فِي الظّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا)[الأنعام: 122]. فهو في الضلالة ليس بخارج منها أبداً إلا بأذن الله، ثم آخرون اتخذوا من بعد الهدى عجلاً جسداً فضلوا به، فعفى عنهم لعلهم يشكرون، فصاروا من أمة قوم موسى، أمة يهدون بالحق وبه يعدلون، وصاروا إلى ما سبق لهم، ثم ضلت ثمود بعد الهدى فلم يعف عنهم ولم يرحموا، فصاروا في علمه إلى صيحة واحدة فإذا هم خامدون فنفذوا إلى ما سبق لهم أن صالحاً رسولهم، وأن الناقة فتنة لهم وأنه مميتهم كفاراً فعقروها، وكان إبليس فيما كانت فيه الملائكة من التسبيح والعبادة ابتلى فعصى فلم يرحم، وابتلى آدم فعصى فرحم، وهم آدم بالخطيئة فنسى، وهم يوسف بالخطيئة فعصم، فأين كانت الاستطاعة عند ذلك؟ هل كنت تغني شيئاً فيما كان من ذلك حتى لا يكون؟ أو تغني فيما لم يكن حتى يكون؟ فتعرف لكم بذلك حجة بل الله أعز مما تصفون وأقدر.
وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من الله ضلالة أو هدى، وإنما علمه بزعمكم حافظ وأن المشيئة في الأعمال إليكم إن شئتم أحببتم الإيمان فكنتم من أهل الجنة ثم جعلتم بجهلكم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاء به أهل السنة وهو مصدق للكتاب المنزل أنه من ذنب مضاه ذنباً خبيثاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله عمر: أرأيت ما نعمل الشىء قد فرغ منه أم شىء نأتنفه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بل شىء قد فرغ منه، فطعنتم بالتكذيب له، وتعليم من الله في علمه إذ قلتم إن كنا لا نستطيع الخروج منه فهو الجبر والجبر عندكم الحيف، فسميتم نفاذ علم الله في الخلق حيفاً، وقد جاء الخبر إن الله خلق آدم فنثر ذريته في يده، فكتب أهل الجنة وما هم عاملون، وكتب أهل النار وما هم عاملون وقال سهل بن حنيف يوم صفين: أيها الناس اتهموا آراءكم على دينكم فو الذي نفسي بيده لقد رأيتنا يوم أبي جندل ولو نستطيع رد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددناه، والله ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلا أسهل بنا على أمر نعرفه قبل أمركم هذا.
ثم أنتم بجهلكم قد أظهرتم دعوة حق على تأويلٍ باطل تدعون الناس إلى رد علم الله، فقلتم الحسنة من الله والسيئة من أنفسنا، وقال: أئمتكم وهم أهل السنة: الحسنة من الله في علم قد سبق، والسيئة من أنفسنا في علم قد سبق، فقلتم: لا يكون ذلك حتى يكون بدؤها من أنفسنا كما بدء السيئات من أنفسنا، وهذا رد للكتاب منكم، ونقض للدين. وقد قال ابن عباس حين نجم القول بالقدر: هذا أول شرك هذه الأمة، والله ما ينتهي بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قدر خيراً، كما أخرجوه من أن يكون قدر شراً، فأنتم تزعمون بجهلكم أن من كان في علم الله ضالاً فاهتدى فهو بما ملك ذلك حتى كان في هداه ما لم يكن الله علمه فيه، وأن من شرح صدره للإسلام فهو بما فوض إليه قبل أن يشرحه الله له، وأنه إن كان مؤمناً فكفر فهو مما شاء لنفسه، وملك من ذلك لها، وكانت مشيئته في كفره أنفذ من مشيئة الله في إيمانه، بل أشهد أنه من عمل حسنة فبغير معونة كانت من نفسه عليها، وأن من عمل سيئة فبغير حجة كانت له فيها وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وأن لو أراد الله أن يهدى الناس جميعاً لنفذ أمره فيمن ضل حتى يكون مهتدياً، فقلتم. بمشيئة الله شاء لكم تفويض الحسنات إليكم، وتفويض السيئات، ألقى عنكم سابق علمه في أعمالكم، وجعل مشيئته تبعاً لمشيئتكم، ويحكم فوالله ما أمضى لبني إسرائيل مشيئتهم حين أبوا أن يأخذوا ما آتاهم بقوة حتى نتق الجبل فوقهم كأنه ظلة، فهل رأيتموه أمضى مشيئته لمن كان في ضلالته حين أراد هداه حتى صار إلى أن أدخله بالسيف إلى الإسلام كرها بموضع علمه بذلك فيه، أم هل أمضى لقوم يونس مشيئتهم حين أبوا أن يؤمنوا حتى أظلهم العذاب فآمنوا وقبل منهم، ورد على غيرهم الإيمان فلم يقبل منهم، وقال تعالى:(فَلَمّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوَاْ آمَنّا بِاللّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا سُنّةَ اللّهِ الّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ)[غافر 84: 85]. وذلك كان موقعهم عنده أن يهلكوا بغير قبول منهم، بل الهدى والضلالة، والكفر والإيمان، والخير والشر، بيد الله يهدى من يشاء ويذر من يشاء في طغيانهم يعمهون. كذلك قال إبراهيم عليه السلام:(وَاجْنُبْنِي وَبَنِيّ أَن نّعْبُدَ الأصْنَامَ)[إبراهيم: 35].