الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم إنكم تشيعون كل يوم غادياً ورائحاً، قد قضى نحبه، وانقضى أجله، حتى تغيبوه في صدع من الأرض، في شق صدع، ثم تتركوه غير ممهد ولا موسد، فارق الأحباب، وباشر التراب، ووجه للحساب، مرتهن بما عمل، غني عما ترك، فقير إلى ما قدم. فاتقوا الله وموافاته وحلول الموت بكم، أما والله إني لأقول هذا وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما عندي وأستغفر الله، وما منكم من أحد يبلغنا حاجته لا يسع له ما عندنا إلا تمنيت أن يبدأ بي وبخاصتي حتى يكون عيشنا وعيشه واحداً، أما والله لو أردت غير هذا من غضارة العيش لكان اللسان به ذلولاً، وكنت بأسبابه عالماً، ولكن سبق من الله كتاب ناطق، وسنة عادلة، دل فيها على طاعته، ونهى فيها عن معصيته، ثم رفع طرف ردائه فبكى وأبكى من حوله.
[*] وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ميمون بن مهران أنه قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز يوماً وعنده سابق البربري الشاعر، وهو ينشد شعراً، فانتهى في شعره إلى هذه الأبيات:
فكم من صحيح بات للموت آمناً
…
أتته المنايا بغتة بعد ما هجع
فلم يستطع إذ جاءه الموت بغتة
…
فراراً ولا منه بقوته امتنع
فأصبح تبكيه النساء مقنعاً
…
ولا يسمع الداعى وإن صوته رفع
وقرب من لحد فصار مقيله
…
وفارق ما قد كان بالأمس قد جمع
فلا يترك الموت الغنى لماله
…
ولا معدماً في المال ذا حاجة يدع
قال: فلم يزل عمر يبكى ويضطرب حتى غشى عليه، فقمنا فانصرفنا عنه.
[*] وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن خالد بن يزيد العمري، قال: سمعت وهيب بن الورد يقول: كان عمر بن عبد العزيز كيراً ما يتمثل بهذه الأبيات:
يرى مستكيناً وهو للهو ماقت
…
به عن حديث القوم ما هو شاغله
وأزعجه علم عن الجهل كله
…
وما عالم شيئاً كمن هو جاهله
عبوس عن الجهال حين يراهم
…
فليس له منهم خدين يهازله
تذكر ما يبقى من العيش آجلاً
…
فأشغله عن عاجل العيش آجله
شدة الموت:
(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح البخاري) قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بين يديه ركوة، أو: علبة فيها ماء - يشك عمر - فجعل يدخل يده في الماء، فيمسح بها وجهه، ويقول:(لا إله إلا الله، إن للموت سكرات). ثم نصب يده فجعل يقول: (في الرفيق الأعلى). حتى قبض ومالت يده.
(حديث عائشة الثابت في صحيح البخاري) قالت: مَا أَغْبِطُ أَحَدًا بِهَوْنِ مَوْتٍ بَعْدَ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ النبي صلى الله عليه وسلم.
(مَا أَغْبِطُ) بِكَسْرِ الْبَاءِ يُقَالُ: غَبَطْتُ الرَّجُلَ أَغْبِطُهُ، إِذَا اشْتَهَيْتَ أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مَا لَهُ، وَأَنْ يَدُومَ عَلَيْهِ مَا هُوَ فِيهِ
(أَحَدًا) وَلَا أَتَمَنَّى وَلَا أَفْرَحُ لِأَحَدٍ
(بِهَوْنِ مَوْتٍ) الْهَوْنُ بِالْفَتْحِ الرِّفْقُ وَاللِّينُ أَيْ: بِسُهُولَةِ مَوْتٍ، وَالْإِضَافَةُ فِيهِ إِضَافَةُ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ أَيْ: لَمَّا رَأَيْتُ شِدَّةَ وَفَاتِهِ عَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْمُنْذِرَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى سُوءِ عَاقِبَةِ الْمُتَوَفَّى، وَأَنَّ هَوْنَ الْمَوْتِ وَسُهُولَتَهُ لَيْسَ مِنْ الْمُكْرِمَاتِ، وإِلَّا لَكَانَ صلى الله عليه وسلم أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لِأَحَدٍ وَلَا أَغْبِطُ أَحَدًا يَمُوتُ مِنْ غَيْرِ شِدَّةٍ.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الله بن أبي ملكية أن عمر بن الخطاب، قال: يا كعب حدثنا عن الموت، قال: يا أمير المؤمنين غصن كثير الشوك يدخل في جوف الرجل فتأخذ كل شوكة بعرق يجذبه رجل شديد الجذب، فأخذ ما أخذ، وأبقى ما أبقى.
ولهذا كان موت الفجأة أخذة أسف للعاصي: وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث عبيد الله بن خالد السلمي الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: موت الفجأة أخذةُ أسف.
وزاد البيهقي في شعب الإيمان ورزين في كتابه: "" أخذة الأسف للكافر ورحمة للمؤمن "
[*] قال صاحب عون المعبود في شرح سنن أبي داوود:
(موت الفجأة): بضم الفاء مدا وبفتحها وسكون الجيم قصرا قال بن الأثير في النهاية يقال فجئه الأمر وفجأة فجاءة بالضم والمد وفاجأه مفاجأة إذا جاءه بغتة من غير تقدم سبب وقيده بعضهم بفتح الفاء وسكون الجيم من غير مد انتهى.
(أخذةُ أسف): أي أخذةُ غضب مستفاداً من قوله تعالى: (فَلَمّآ آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ)[الزخرف: 55]
{تنبيه} : موت الفجأة لا يُعّدُ أخذةُ أسف لغيرِ العاصي:
(لحديث عائشة الثابت في الصحيحين) أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال * يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها قال نعم.
[*] قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: