الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم بن عيسى اليشكري، قال: ما رأيت أحداً أطول حزناً من الحسن، وما رأيته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبته.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: طول الحزن في الدنيا تلقيح العمل الصالح.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن أنه قال: والله لا يؤمن عبد بهذا القرآن إلا حزن وذبل، وإلا نصب، وإلا ذاب، وإلا تعب.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حوشباً، يقول: سمعت الحسن يحلف بالله يقول: والله يا ابن آدم لئن قرأت القرآن ثم آمنت به، ليطولن في الدنيا حزنك، وليشتدن في الدنيا خوفك، وليكثرن في الدنيا بكاؤك.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: يحق لمن يعلم أن الموت مورده وان الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله تعالى مشهده، أن يطول حزنه.
[*] قال مطر الوراق:
الحسن كأنه رجل كان في الآخرة ثم جاء يتكلم عنها، وعن أهوالها. فهو بخبر عما رأي وعاين.
[*] وقال حمزة الأعمى:
وكنت أدخل على الحسن منزله وهو يبكي، وربما جئت إليه وهو يصلي
فأسمع بكاءه ونحيبه فقلت له يوماً: إنك تكثر البكاء، فقال: يا بني، ماذا يصنع المؤمن إذا لم يبكِ؟
يا بني إن البكاء داع إلى الرحمة. فإن استطعت أن تكون عمرك باكيا فافعل، لعله تعالى أن يرحمك.
[*] وقال حكيم بن جعفر: قال لي من رأى الحسن: لو رأيت الحسن لقلت: قد بث عليه حزن الخلائق، من طول تلك الدمعة وكثرة ذلك النشيج.
[*] وعن حفص بن عمر قال: بكى الحسن فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أخاف أن يطرحني غداً في النار ولا يبالي.
(4) من درر مواعظ الحسن البصري رحمه الله:
كان الحسن البصري صاحب مواعظ وتذكير، ولكلامه أثر في النفوس حيث يستميل القلوب بتحسين الأسلوب والتخويف من علَاّم الغيوب، والتحذير من عاقبة الإثم والحوب مما يجعل الإنسان من الخوف منحوب ويُقْلِعُ عن الذنوب، مواعظٌ تُفري الأكباد وتُذيب الأجساد وتبعث على إعداد الزاد ليوم المعاد، مواعظٌ تُبْكِي الصخور وترهب الصدور، فيلتزم المأمور ويجتنب المحظور ويصبر على المقدور ويتفكر في قبره المحفور وما فيه من الدواهي والأمور تحت الجنادل والصخور فيتضرع إلى ربه أن يرحم غربته في القبور، مواعظٌ تُقَوِّمُ المائلين وتنبه الغافلين وتُذَكِّرُ السالكين وتستدر دموع السامعين، وكان رحمه الله تعالى فصيح اللسان عنده حسنُ منطق وعذوبة ألفاظ، كأنما سُخِّرَ له الكلام، كأنما لين له الكلام كما لين لداوود الحديد، وكان رحمه الله تعالى لديه فصاحة غريزية لا يتكلفها، بمثل كلامه تُستمال القلوب النافرة وتُرَدُ الأهواء الشاردة، كلامه يجذب النفوس إليه انجذاب الحديد للمغناطيس، كلاماً يبعث الهمم للتعرضِ إلى النفحات ويُثيرُ العزائم إلى اغتنام الفرص قبل الممات، كلاماً يٌقربُ الأقصى بلفظٍ مُوجَزِ ويبسط البذل بوعدٍ منجز.
[*] قال الأعمش: ما زال الحسن يعي الحكمة حتى نطق بها.
[*] وكان أبو جعفر الباقر إذا ذكره يقول: ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء.
وهاك بعض مواعظه:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي حميد الشامي، قال: كتب الحسن على عمر بن عبد العزيز:
اعلم أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به، والندم على الشر يدعو إلى تركه، وليس ما يفنى وإن كان كثيراً يعدل ما يبقى وإن كان طلبه عزيزاً، واحتمال المؤونة المنقطعة التي تعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مؤونة باقية، فاحذر هذه الدار الصارعة الخادعة الخاتلة التي قد تزينت بخدعها، وغرت بغرورها، وقتلت أهلها بأملها، وتشوفت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلولة. العيون إليها ناظرة، والنفوس لها عاشقة، والقلوب إليها والهة، ولألبابها دامغة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة. فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر بما رأى من الأول مزدجر، ولا اللبيب بكثرة التجارب منتفع، ولا العارف بالله والمصدق له حين أخبر عنها مدكر، فأبت القلوب لها إلا حباً، وأبت النفوس بها إلا ضناً، وما هذا منالها إلا عشقاً، ومن عشق شيئاً لم يعقل غيره، ومات في طلبه أو يظفر به، فهما عاشقان طالبان لها؛ فعاشق قد ظفر بها واغتر وطغى ونسي بها المبدأ والمعاد. فشغل بها لبه، وذهل فيها عقله، حتى زلت عنها قدمه، وجاءته أسر ما كانت له منيته فعظمت ندامته، وكثرت حسرته، واشتدت كربته مع ما عالج من سكرته. واجتمعت عليه سكرات الموت بألمه، وحسرة الموت بغصته، غير موصوف ما نزل به. ولآخر مات قبل أن يظفر منها بحاجته فذهب بكربه وغمه لم يدرك ما طلب، ولم يرح نفسه من التعب والنصب. خرجا جميعاً بغير زاد، وقدما على غير مهاد.
فاحذرها الحذر كله فإنها مثل الحية لين مسها وسمها يقتل، فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما عانيت من فجائعها وأيقنت به من فراقها، وشدد ما اشتد منها لرخاء ما يصيبك وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور له أشخصته عنها بمكروه، وكلما ظفر بشيء منها وثنى رجلاً عليه انقلبت به، فالسار فيها غار، والنافع فيها غدا ضار، وصل الرخاء فيها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء، سرورها مشوب بالحزن، وآخر الحياة فيها الضعف والوهن، فانظر إليها نظر الزاهد المفارق، ولا تنظر نظر العاشق الوامق، واعلم أنها تزيل الثاوي الساكن، وتفجع المغرور الآمن، لا يرجع ما تولى منها فأدبر، ولا يدري ما هو آت فيها فينتظر.
فاحذرها فإن أمانيها كاذبة، وإن آمالها باطلة، عيشها نكد، وصفوها كدر، وأنت منها على خطر. إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة، وإما مصيبة موجعة، وإما منية قاضية، فلقد كدرت عليه المعيشة إن عقل، وهو من النعماء على خطر، ومن البلوة على حذر، ومن المنايا على يقين؛ فلو كان الخالق تعالى لم يخبر عنها بخير، ولم يضرب لها مثلاً، ولم يأمر فيها بزهد؛ لكانت الدار قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء من الله تعالى عنها زاجر، وفيها واعظ. فما لها عند الله عز وجل قدر، ولا لها عند الله تعالى وزن من الصغر، ولا تزن عند الله تعالى مقدار الحصا، ولا مقدار ثراة في جميع الثرى، ولا خلق خلقاً فيما بلغت أبغض إليه من الدنيا، ولا نظر إليها منذ خلقها مقتاً لها، ولقد عرضت على نبينا صلى الله عليه وسلم بمفاتيحها وخزائنها ولم ينقصه ذلك عنده جناح بعوضة فأبى أن يقبلها، وما منعه من القبول لها، ولا ينقصه عند الله تعالى شيء إلا أنه علم أن الله تعالى أبغض شيئاً فأبغضه، وصغر شيئاً فصغره، ووضع شيئاً فوضعه، ولو قبلها كان الدليل على حبه إياها قبولها، ولكنه كره أن يحب ما أبغض خالقه، وأن يرفع ما وضع مليكه.
لو لم يدله على صغر هذه الدار إلا أن الله تعالى حقرها أن يجعل خيرها ثواباً للمطيعين، وأن يجعل عقوبتها عذاباً للعاصين. فأخرج ثواب الطاعة منها وأخرج عقوبة المعصية عنها. وقد يدلك على شر هذه الدار أن الله تعالى زواها عن أنبيائه وأحبائه اختباراً، وبسطاً لغيرهم اعتباراً واغتراراً؛ ويظن المغرور بها والمفتون عليها أنه إنما أكرمه بها، ونسي ما صنعه بمحمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وموسى المختار عليه السلام بالكلام له ومناجاته، فأما محمد صلى الله عليه وسلم فشد الحجر على بطنه من الجوع، وأما موسى عليه السلام فرئي خضرة البقل من صفاق بطنه من هذاله، ما سأل الله تعالى يوم أوى إلى الظل إلا طعاماً يأكله من جوعه. ولقد جاءت الروايات عنه أن الله تعالى أوحى إليه؛ أن يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلاً فقل مرحباً بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى قد أقبل فقل ذنب عجلت عقوبته. وإن شئت ثلثته بصاحب الروح والكلمة ففي أمره عجيبة، كان يقول: أدمي الجوع وشعاري الخوف، ولباسي الصوف ودابتي رجلي، وسراجي بالليل القمر، وصلايتي في الشتاء الشمس، وفاكهتي وريحاني ما أنبتت الأرض للسباع والأنعام. أبيت وليس لي شيء وليس أحد أغنى مني. ولو شئت ربعت بسليمان بن داود عليهما السلام، فليس دونهم في العجب. يأكل خبز الشعير في خاصته ويطعم أهله الخشكار والناس الدرمك فإذا جنه الليل لبس المسوح وغل اليد إلى العنق وبات باكياً حتى يصبح، يأكل الخشن من الطعام ويلبس الشعر من الثياب. كل هذا يبغضون ما أبغض الله عز وجل، ويصغرون ما صغر الله تعالى، ويزهدون فيما زهد. ثم اقتص الصالحون بعد منهاجهم، وأخذوا بآثارهم وألزموا الكد والعبر وألطفوا التفكر، وصبروا في مدة الأجل القصير، عن متاع الغرور الذي إلى الفناء يصير، ونظروا إلى آخر الدنيا ولم ينظروا إلى أولها، ونظروا إلى عاقبة مرارتها ولم ينظروا إلى عاجلة حلاوتها؛ ثم ألزموا أنفسهم الصبر وأنزلوها من أنفسهم بمنزلة الميتة التي لا يحل الشبع منها إلا في حال الضرورة إليها؛ فأكلوا منها بقدر ما يرد النفس ويقي الروح ويسكن القرم وجعلوها بمنزلة الجيفة التي اشتد نتن ريحها فكل من مر بها أمسك على أنفه منها، فهم يصيبون منها لحال الضر ولا ينتهون منها إلى الشبع من النتن، فغربت عنهم وكانت هذه منزلتها من أنفسهم، فهم يعجبون من الآكل منها شبعاً، والمتلذذ بها أشراً.
ويقولون في أنفسهم: أما ترى هؤلاء لا يخافون من الأكل، أما يجدون ريح النتن? وهي والله يا أخي في العاقبة والآجلة أنتن من الجيفة المرصوفة، غير أن أقواماً استعجلوا الصبر فلا يجدون من ريح النتن، والذي نشأ في ريح الإهاب النتن لا يجد نتنه، ولا يجد من ريحه ما يؤذي المارة والجالس عنده، وقد يكفي العاقل منهم أنه من مات عنها وترك مالاً كثيراً سره أنه كان فيها فقيراً، أو شريفاً أنه كان فيها وضيعاً، أو كان فيها معافى سره أنه كان فيها مبتلي، أو كان مسلطنا سره أنه كان فيها سوقه. وإن فارقتها سرك أنك كنت أوضع أهلها ضعة، وأشدهم فيها فاقة، أليس ذلك الدليل على خزيها لمن يعقل أمرها.
والله لو كانت الدنيا من أراد منها شيئاً وجده إلى جنبه من غير طلب ولا نصب غير أنه إذا أخذ منها شيئاً لزمته حقوق الله فيه وسأله عنه ووقفه على حسابه لكان ينبغي للعاقل أن لا يأخذ منها إلا قدر قوته وما يكفى، حذر السؤال وكراهية لشدة الحساب، وإنما الدنيا إذا فكرت فيها ثلاثة أيام؛ يوم مضى لا ترجوه، ويوم أنت فيه ينبغي أن تغتنمه، ويوم يأتي لا تدري أنت من أهله أم لا? ولا تدري لعلك تموت قبله.
فأما أمس فحكيم مؤدب، وأما اليوم فصديق مودع، غير أن أمس وإن كان قد فجعك بنفسه فقد أبقى في يديك حكمته، وإن كنت قد أضعته فقد جاءك خلف منه وقد كان عنك طويل الغيبة وهو الآن عنك سريع الرحلة، وغدا أيضاً في يديك منه أمله. فخذ الثقة بالعمل، واترك الغرور بالأمل قبل حلول الجل، وإياك أن تدخل على اليوم هم غد أو هم ما بعده، زدت في حزنك وتعبك وأردت أن تجمع في يومك ما يكفيك أيامك، هيهات كثر الشغل وزاد الحزن وعظم التعب وأضاع العبد العمل بالأمل.
ولو أن الأمل في غدك خرج من قلبك أحسنت اليوم في عملك، واقتصرت لهم يومك، غير أن الأمل منك في الغد دعاك إلى التفريط، ودعاك إلى المزيد في الطلب، ولئن شئت واقتصرت لأصفن لك الدنيا ساعة بين ساعتين، ساعة ماضية، وساعة لآتية، وساعة أنت فيها. فأما الماضية فليس تجد لراحتهما لذة، ولا لبلائهما ألماً. وإنما الدنيا ساعة أنت فيها فخدعتك تلك الساعة عن الجنة وصيرتك إلى النار. وإنما اليوم إن عقلت ضيف نزل بك وهو مرتحل عنك، فإن أحسنت نزله وقراه شهد لك وأثنى عليك بذلك وصدق فيك، وإن أسأت ضيافته ولم تحسن قراه جال في عينيك. وهما يومان بمنزلة الأخوين نزل بك أحدهما فأسأت إليه ولم تحسن قراه فيما بينك وبينه، فجاءك الآخر بعده، فقال: إني قد جئتك بعد أخي فإن إحسانك إلي يمحو إساءتك إليه، ويغفر لك ما صنعت، فدونك إذ نزلت بك وجئتك بعد أخي المرتحل عنك فقد ظفرت بخلف منه إن عقلت، فدارك ما قد أضعت. وإن ألحقت الآخر بالأول فما أخلقك أن تهلك بشهادتهما عليك.
إن الذي بقي من العمر لا ثمن له ولا عدل، فلو جمعت الدنيا كلها ما عدلت يوماً بقي من عمر صاحبه، فلا تبع اليوم وتعدله من الدنيا بغير ثمنه، ولا يكونن المقبور أعظم تعظيماً لما في يديك منك وهو لك فلعمري لو أن مدفوناً في قبره قيل له هذه الدنيا أولها إلى آخرها تجعلها لولدك من بعدك يتنعمون فيها من ورائك، فقد كنت وليس لك هم غيرهم. أحب إليك أم يوم تترك فيه تعمل لنفسك لاختار ذلك، وما كان ليجمع مع اليوم شيئاً إلا اختار اليوم عليه رغبة فيه وتعظيماً له، بل لو اقتصر على ساعة خيرها وما بين أضعاف ما وصفت لك وأضعافه يكون لسواه إلا اختار الساعة لنفسه على أضعاف ذلك ليكون لغيره، بل لو اقتصر على كلمة يقولها تكتب له وبين ما وصفت لك وأضعافه لاختار الكلمة الواحدة عليه، فانتقد اليوم لنفسك وأبصر الساعة وأعظم الكلمة واحذر الحسرة عند نزول السكرة، ولا تأمن أن تكون لهذا الكلام حجة، نفعنا الله وإياك بالموعظة، ورزقنا وإياك خير العواقب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبيدة سعيد بن زربي، قال: سمعت الحسن يعظ أصحابه يقول: إن الدنيا دار عمل من صحبها بالنقص لها والزهادة فيها سعد بها ونفعته صحبتها، ومن صحبها على الرغبة فيها والمحبة لها شقي بها وأجحف بحظه من الله عز وجل ثم أسلمته إلى ما لا صبر له عليه ولا طاقة له به من عذا الله، فأمرها صغير، ومتاعها قليل، والفناء عليها مكتوب، والله تعالى ولي ميراثها، وأهلها محولون عنها إلى منازل لا تبلى ولا يغيرها طول الثواء منها يخرجون. فاحذروا ولا قوة إلا بالله ذلك الموطن، وأكثروا ذكر ذلك المنقلب، واقطع يا ابن آدم من الدنيا أكثر همك، أو لتقطعن حبالها بك فينقطع ذكر ما خلقت له من نفسك ويزيغ عن الحق قلبك، وتميل إلى الدنيا فترديك، وتلك منازل سوء بين ضرها، منقطع نفعها مفضية والله بأهلها إلى ندامة طويلة وعذاب شديد، فلا تكونن يا ابن آدم مغتراً، ولا تأمن ما لم يأتك الأمان منه، فإن الهول الأعظم ومفظعات الأمور أمامك لم تخلص منها حتى الآن، ولا بد من ذلك المسلك وحضور تلك الأمور إما يعافيك من شرها وينجيك من أهوالها، وإما الهلكة. وهي منازل شديدة مخوفة محذورة مفزعة للقلوب، فلذلك فاعدد، ومن شرها فاهرب، ولا يلهينك المتاع القليل الفاني، ولا تربص بنفسك فهي سريعة الانتقاص من عمرك فبادر أجلك ولا تقلل غدا فإنك لا تدري متى إلى الله تصير واعلموا أن الناس أصبحوا جادين في زينة الدنيا يضربون في كل غمرة وكل معجب بما هو فيه، راض به حريص على أن يزداد منه، فما لم يكن من ذلك لله عز وجل في طاعة الله فقد خسر أهله وضاع سعيه، وما كان من ذلك في الله في طاعة الله فقد أصاب أهله به وجه أمرهم، ووفقوا فيه بحظهم، عندهم كتاب الله وعهده وذكر ما مضى وذكر ما بقى، والخير عمن وراءهم.
كذلك أمر الله اليوم وقبل ذلك أمره فيمن مضى لأن حجة الله بالغة، والعذر بارز، وكل مواف الله ولما عمل. ثم يكون القضاء من الله وعباده على أحد أمرين: فمقضي له رحمته وثوابه فيالها نعمة وكرامة ومقضي له سخطه وعقوبته فيالها حسرة وندامة، ولكن حق على من جاءه البيان من الله بأن هذا أمره وهو واقع أن يصغر في عينه ما هو عند الله صغير، وأن يعظم في نفسه ما هو عند الله عظيم، أو ليس ما ذكر الله من الكراهة لأهلها فيما بعد الموت والهوان ما يطيب نفس امرئ عن عيشة دنياه، فإنها قد أذنت بزوال. أيدوم نعيمها، ولا يؤمن فجائعها، يبلى جديدها، ويسقم صحيحها، ويفتقر غنيها. ميالة بأهلها، لعابة بهم على كل حال. ففيها عبرة لمن اعتبر، وبيان فعلامَ تنتظر.
يا ابن آدم أنت اليوم في دار هي لافظتك وكأن قد بدا لك أمرها وإلى انصرام ما تكون سريعاً ثم يفضى بأهلها إلى أشد الأمور وأعظمها خطراً، فاتق الله يا ابن آدم وليكن سعيك في دنياك لآخرتك فإنه ليس لك من دنياك شيء إلا ما صدرت أمامك، فلا تدخرن عن نفسك مالك، ولا تتبع نفسك ما قد علمت أنك تاركه خلفك، ولكن تزود لبعد الشقة، واعدد العدة أيام حياتك وطول مقامك قبل أن ينزل بك من قضاء الله ما هو نازل فيحول دون الذي تريد، فإذا أنت يا ابن آدم قد ندمت حيث لا تغني الندامة عنك، ارفض الدنيا ولتسخ بها نفسك ودع منها الفضل فإنك إذا فعلت ذلك أصبت أربح الأثمان من نعيم لا يزول، ونجوت من عذاب شديد ليس لأهله راحة ولا فترة، فاكدح لما خلقت له قبل أن تفرق بك الأمور فيشق عليك اجتماعها، صاحب الدنيا بجسدك، وفارقها بقلبك، ولينفعك ما قد رأيت مما قد سلف بين يديك من العمر، وحال بين أهل الدنيا وبين ما هم فيه فإنه عن قليل فناؤه، ومخوف وباله، وليزدك إعجاب أهلها بها زاهداً فيها وحذراً منها، فإن الصالحين كذلك كانوا.
واعلم يا ابن آدم أنك تطلب أمراً عظيماً لا يقصر فيه إلا المحروم الهالك، فلا تركب الغرور وأنت ترى سبيله؛ ولا تدع حظك وقد عرض عليك، وأنت مسئول ومقول لك فأخلص عملك، وإذا أصبحت فانتظر الموت، وإذا أمسيت فكن على ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإن أنجى الناس من عمل بما أنزل الله في الرخاء والبلاء، وأمر العباد بطاعة الله وطاعة رسوله، فإنكم أصبحتم في دار مذمومة خلقت فتنة وضرب لأهلها أجل إذا انتهوا إليه يبيد. أخرج نباتها، وبث فيها من كل دابة، ثم أخبرهم بالذي هم إليه صائرون، وأمر عباده فيما أخرج لهم من ذلك بطاعته، وبين لهم سبيلها يعني سبيل الطاعة ووعدهم عليها الجنة، وهم في قبضته ليس منهم بمعجز له، وليس شيء من أعمالهم يخفى عليه، سعيهم فيها شتى بين عاص ومطيع له، ولكل جزاء من الله بما عمل، ونصيب غير منقوص، ولم أسمع الله تعالى فيما عهد إلى عباده وأنزل عليهم في كتابه رغب في الدنيا أحداً من خلقه، ولا رضي له بالطمأنينة فيها، ولا الركون إليها، بل صرف الآيات وضرب الأمثال بالعيب لها، والنهي عنها، ورغب في غيرها. وقد بين لعباده أن الأمر الذي خلقت له الدنيا وأهلها عظيم الشأن، هائل المطلع، نقلهم عنه، أراه إلى دار لا يشبه ثوابهم ثواباً، ولا عقابهم عقاباً، لكنها دار خلود يدين الله تعالى فيها العباد بأعمالهم ثم ينزلهم منازلهم، لا يتغير فيها بؤس عن أهلها ولا نعيم، فرحم الله عبداً طلب الحلال جهده حتى إذا دار في يده وجَّهه وجهه الذي هو وجهه.
ويحك يا ابن آدم ما يضرك الذي أصابك من شدائد الدنيا إذا خلص لك خير الآخرة؛ ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر؛ هذا فضح القوم، ألهاكم التكاثر عن الجنة عند دعوة الله تعالى وكرامته، والله لقد صحبنا أقواماً كانوا يقولون ليس لنا في الدنيا حاجة، ليس لها خلقنا، فطلبوا الجنة بغدوهم ورواحهم وسهرهم نعم والله حتى أهرقوا فيها دماءهم ورجوا فأفلحوا ونجوا. هنيئاً لهم لا يطوي أحدهم ثوباً، ولا يفترشه، ولا تلقاه إلا صائماً ذليلاً متبائساً خائفاً حتى إذا دخل إلى أهله إن قرب إليه شيء أكله وإلا سكت لا يسألهم عن شيء ما هذا وما هذا، ثم قال:
ليس من مات فاستراح بميت
…
إنما الميت ميت الأحياء
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: يا ابن آدم عملك عملك فإنما هو لحمك ودمك، فانظر على أي حال تلقي عملك، إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها، صدق الحديث، والوفاء بالعهد، وصلة الرحم، ورحمة الضعفاء، وقلة الفخر والخيلاء، وبذل المعروف وقلة المباهاة للناس، وحسن الخلق، وسعة الخلق مما يقرب إلى الله عز وجل. يا ابن آدم إنك ناظر إلى عملك يوزن خيره وشره، فلا تحقرن من الخير شيئاً وإن هو صغر فإنك إذا رأيته سرك مكانه، ولا تحقرن من الشر شيئاً فإنك إذا رأيته ساءك مكانه، فرحم الله رجلاً كسب طيباً وأنفق قصداً، فضلاً ليوم فقره وفاقته هيهات هيهات ذهبت الدنيا بحالتي مآلها وبقيت الأعمال قلائد في أعناقكم، أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم، وقد أسرع بخياركم فما تنتظرون? المعاينة فكأن قد. إنه لا كتاب بعد كتابكم، ولا نبي بعد نبيكم. يا ابن آدم بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعاً، ولا تبيعن آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعاً.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبو بكر الهذلي، قال: كنا نجلس عند الحسن فأتاه آت، فقال: يا أبا سعيد دخلنا آنفاً على عبيد الله بن الأهتم فإذا هو يجود بنفسه، فقلنا: يا أبا معمر كيف تجدك? قال: أجدني والله وجعاً، ولا أظنني إلا لما بي، ولكن ما تقولون في مائة ألف في هذا الصندوق لم تؤد منها زكاة، ولم يوصل منها رحم? فقلنا: يا أبا معمر فلم كنت تجمعها؟ قال: كنت والله أجمعها لروعة الزمان، وجفوة السلطان، ومكاثرة العشيرة، فقال الحسن: انظروا هذا البائس أني أتاه الشيطان؛ فحذره روعة زمانه فحذره روعة زمانه، وجفوة سلطانه، عما استودعه الله إياه، وعمره فيه، خرج والله منه كئيباً حزيناً ذميماً مليماً، أيها عنك الوارث أيها لا تخدع كما خدع صويحبك أمامك، أتاك هذا المال حلالاً، فإياك وإياك أن يكون وبالاً عليك، أتاك والله ممن كان له جموعاً منوعاً يدأب فيه الليل والنهار، يقطع فيه المفاوز والقفاز، من باطل جمعه، ومن حق منعه، جمعه فأوعاه، وشده فأوكاه، لم يؤد منه زكاة، ولم يصل منه رحماً، إن يوم القيامة ذو حسرات، وإن أعظم الحسرات غداً أن يرى أحدكم ماله في ميزان غيره، أو تدرون كيف ذاكم? رجل آتاه الله مالاً وأمره بإنفاقه في صنوف حقوق الله فبخل به فورثه هذا الوارث فهو يراه في ميزان غيره. فيا لها عثرة لا تقال، وتوبة لا تنال.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن قال أبو عبيدة: قال الحسن: رحم الله امرءاً عرف ثم صبر، ثم أبصر فبصر؛ فإن أقواماً عرفوا فانتزع الجزع أبصارهم، فلا هم أدركوا ما طلبوا، ولا هم رجعوا إلى ما تركوا، اتقوا هذه الأهواء المضلة البعيدة من الله التي جماعها الضلالة وميعادها النار لهم محنة، من أصابها أضلته، ومن أصابته قتلته. يا ابن آدم دينك دينك فإنه لحمك ودمك إن يسلم لك دينك يسلم لك لحمك ودمك وإن تكن الأخرى فنعوذ بالله فإنها نار لا تطفي، وجرح لا يبرأ وعذاب لا ينفذ أبداً، ونفس لا تموت. يا ابن آدم إنك موقوف بين يدي ربك ومرتهن بعملك، فخذ مما في يديك لما بين يديك. عند الموت يأتيك الخبر، إنك مسئول ولا تجد جواباً، إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من همه.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن هشام. قال: سمعت الحسن، يقول: والله لقد أدركت أقواماً ما طوي لأحدهم في بيته ثوب قط، ولا أمر في أهله بصنعة طعام قط، وما جعل بينه وبين الأرض شيئاً قط، وإن كان أحدهم ليقول: لوددت أني أكلت أكلة في جوفي مثل الآجرة، قال: ويقول لنا: أن الآجرة تبقى في الماء ثلاث مائة سنة. ولقد أدركت أقواماً إن كان أحدهم ليرث المال العظيم قال: وإنه والله لمجهود شديد الجهد، قال: فيقول لأخيه: يا أخي إني قد علمت أن ذا ميراث وهو حلال ولكني أخاف أن يفسد على قلبي وعملي فهو لك لا حاجة لي فيه، قال: فلا يرزأ منه شيئاً أبداً وإنه مجهود شديد الجهد.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن قال: يا ابن آدم سرطاً سرطاً، جمعاً جمعاً في وعاء، وشداً شداً في وكاء، ركوب الذلول ولبوس اللين، ثم قيل مات فأفضى والله إلى الآخرة، إن المؤمن عمل لله تعالى أياما يسيرة فوالله ما ندم أن يكون أصاب من نعيمها ورخائها، ولكن راقت الدنيا له فاستهانها وهضمها لآخرته، وتزود منها فلم تكن الدنيا في نفسه بدار، ولم يرغب في نعيمها ولم يفرح برخائها ولم يتعاظم في نفسه شيء من البلاء إن نزل به مع احتسابه للآجر عند الله ولم يحتسب نوال الدنيا حتى مضى راغباً راهباً فهنيئاً هنيئاً، فأمن الله بذلك روعته وستر عورته ويسر حسابه، وكأن الأكياس من المسلمين يقولون: إنما هو الغدو والرواح وحظ من الدلجة والاستقامة لا يلبثك يا ابن آدم أن على الخير. حتى أن العبد إذا رزقه الله تعالى الجنة فقد أفلح. وأن الله تعالى لا يخدع عن جنته ولا يعطي بالأماني، وقد اشتد الشح وظهرت الأماني وتمنى المتمني في غروره.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن موهب بن عبد الله، قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز كتب إليه الحسن البصري كتاباً بدأ فيه بنفسه أما بعد؛ فإن الدنيا دار مخيفة، إنما أهبط آدم من الجنة إليها عقوبة، واعلم أن صرعتها ليست كالصرعة، من أكرمها يهن، ولها في كل حين قتيل، فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوي جرحه يصبر على شدة الدواء خيفة طول البلاء والسلام.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: رحم الله رجلاً لبس خلقاً، وأكل كسرة، ولصق بالأرض، وبكى على الخطيئة، ودأب في العبادة.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن قال: فضح الموت الدنيا فلم يترك فيها لذي لب فرحاً.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مبارك بن فضالة، قال: سمعت الحسن، يقول: إن أفسق الفاسقين الذي يركب كل كبيرة، ويسحب على ثيابه ويقول: ليس علي بأس، سيعلم أن الله تعالى ربما عجل العقوبة في الدنيا وربما أخرها ليوم الحساب.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن في حلية الأولياء عن، عن علقمة بن مرثد، قال: لما ولي عمر بن هبيرة العراق أرسل إلى الحسن وإلى الشعبي فأمر لهما ببيت وكانا فيه شهراً أو نحوه ثم إن الخصى غدا عليهما ذات يوم فقال: إن الأمير داخل عليكما، فجاء عمر يتوكأ على عصا له فسلم ثم جلس معظماً لهما، فقال: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك ينفذ كتباً أعرف في إنفاذها الهلكة فإن أطعته عصيت الله، وإن عصيته أطعت الله عز وجل فهل تريا لي في متابعته إياه فرجاً ? فقال الحسن: يا أبا عمرو أجب الأمير، فتكلم الشعبي فانحط في حبل ابن هبيرة، فقال: ما تقول أنت يا أبا سعيد، فقال: أيها الأمير قد قال الشعبي ما قد سمعت، قال: ما تقوله أنت يا أبا سعيد? فقال: أقول يا عمر بن هبيرة يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله تعالى فظ غليظ لا يعصي الله ما أمره فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، يا عمر بن هبيرة إن تتق الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك ولا يعصمك يزيد بن عبد الملك من الله عز وجل. يا عمر بن هبيرة لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل في طاعة يزيد بن عبد الملك نظرة مقت فيغلق فيها باب المغفرة دونك، يا عمر بن هبيرة لقد أدركت ناساً من صدر هذه الأمة كانوا والله على الدنيا وهي مقبلة أشد إدباراً من إقبالكم عليها وهي مدبرة، يا عمر بن هبيرة إني أخوفك مقاماً خوفكه الله تعالى فقال: ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد.
يا عمر بن هبيرة إن تك مع الله تعالى في طاعاته كفاك بائقة يزيد بن عبد الملك، وإن تك مع يزيد بن عبد الملك على معاصي الله وكلك الله إليه، قال: فبكى عمر وقام بعبرته، فلما كان من الغد أرسل إليهما بإذنهما وجوائزها وكثر منه ما للحسن، وكان في جائزته للشعبي بعض الإقتار فخرج الشعبي إلى المسجد، فقال: يا أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله تعالى على خلقه فليفعل فوالذي نفسي بيده ما علم الحسن منه شيئاً فجهلته ولكن أردت وجه ابن هبيرة فأقصاني الله منه؛ قال وقام المغيرة بن مخادش ذات يوم إلى الحسن، فقال: كيف نصنع بأقوام يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال الحسن: والله لئن تصحب أقواماً خوفونك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب أقواماً يؤمنونك حتى يلحقك الخوف، فقال له بعض القوم: أخبرنا صفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فبكى وقال: ظهرت منهم علامات الخير في السيماء والسمت والهدى والصدق وخشونة ملابسهم بالاقتصاد، وممشاهم بالتواضع، ومنطقهم بالعمل، ومطعمهم ومشربهم بالطيب من الرزق وخضوعهم بالطاعة لربهم تعالى، واستفادتهم للحق فيما أحبوا وكرهوا، وإعطاؤهم الحق من أنفسهم، ظمأت هواجرهم، ونحلت أجسامهم واستحقوا بسخط المخلوقين رضى الخالق لم يفرطوا في غضب ولم يحيفوا في جور ولم يجاوزوا حكم الله تعالى في القرآن، شغلوا الألسن بالذكر، بذلوا دماءهم حين استنصرهم، وبذلوا أموالهم حين استقرضهم، ولم يمنعهم خوفهم من المخلوقين. حسنت أخلاقهم، وهانت مؤنتهم، وكفاهم اليسير من دنياهم إلى آخرتهم.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن جعفر، قال: خرج الحسن من عند ابن هبيرة فإذا هو بالقراء على الباب، فقال: ما يجلسكم ها هنا تريدون الدخول على هؤلاء الخبثاء؟ أما والله ما مجالستهم بمجالسة الأبرار، تفرقوا فرق الله بين أرواحكم وأجسادكم، قد لقحتم نعالكم وشمرتم ثيابكم وجززتم شعوركم فضحتم القراء فضحكم الله، أما والله لو زهدتم فيما عندهم لرغبوا فيما عندكم، لكنكم رغبتم فيما عندهم فزهدوا فيما عندكم أبعد الله من أبعد.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن البصري رحمه الله تعالى، قال: إنا لله عز وجل عباداً كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، وكمن رأى أهل النار في النار مخلدين، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، حوائجهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أياماً قصاراً تعقب راحة طويلة، أما الليل فمصافة أقدامهم، تسيل دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى ربهم ربنا ربنا، وأما النهار فحلماء علماء بررة أتقياء كأنهم القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، أو خولطوا وقد خالط القوم من ذكر الآخرة أمر عظيم.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن: ابن آدم أصبحت بين مطيتين لا يعرجان بك خطر الليل والنهار حتى تقدم الآخرة؛ فأما إلى الجنة وأما إلى النار، فمن أعظم خطراً منك.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: المؤمن من يعلم أن ما قال الله عز وجل كما قال، والمؤمن أحسن الناس عملاً وأشد الناس خوفاً لو أنفق جبلاً من مال ما أمن دون أن يعاين، ولا يزداد صلاحاً وبراً وعبادة إلا ازداد فرقاً، يقول: لا أنجو، والمنافق يقول: سواد الناس كثير وسيغفر لي ولا بأس علي، فينسى العمل ويتمنى على الله تعالى.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مسلمة بن جعفر، قال: سمعت أن الحسن كان يقول: لما بعث الله عز وجل محمداً صلى الله عليه وسلم يعرفون وجهه ويعرفون نسبه، قال: هذا نبي هذا خياري خذوا من سنته وسبيله، أما والله ما كان يغدي عليه بالجفان ولا يراح، ولا يغلق دونه الأبواب، ولا تقوم دونه الحجبة كان يجلس بالأرض ويوضع طعامه بالأرض ويلبس الغليظ ويركب الحمار ويردف خلفه وكان يلعق يده، وكان يقول الحسن: ما أكثر الراغبين عن سنة نبي الله صلى الله عليه وسلم وما أكثر التاركين لها. ثم إن علوجاً فساقاً أكلة ربا وغلول، قد شغلهم ربي عز وجل ومقتهم. زعموا أن لا بأس عليهم فيما أكلوا وشربوا وساروا البيت وزخرفوها، ويقولون: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، ويذهبون بها إلى غير ما ذهب الله بها إليه، إنما جعل الله ذلك لأولياء الشيطان. الزينة ما ركب ظهره والطيبات ما جعل الله تعالى في بطونها فيعمد أحدهم إلى نعمة الله عليه فيجعلها ملاعب لبطنه وفرجه وظهره ولو شاء الله إذا أعطى العباد ما أعطاهم أباح ذلك لهم ولكن تعقبها بما يسمعون؛ فكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين. فمن أخذ نعمة الله وطعمته أكل بها هنيئاً مريئاً ومن جعلها ملاعب لبطنه وفرجه على ظهره جعلها وبالاً يوم القيامة.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن العوام بن حوشب، قال: سمعت الحسن يقول: من كانت له أربع خلال حرمه الله على النار، وأعاذه من الشيطان، من يملك نفسه عند الرغبة، والرهبة، وعند الشهوة، وعند الغضب.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن: أنه لما حضره الموت دخل عليه رجال من أصحابه فقالوا له: يا أبا سعيد زودنا منك كلمات تنفعنا بهن. قال: إني مزودكم ثلاث كلمات ثم قوموا عني ودعوني ولما توجهت له؛ ما نهيتم عنه من أمر فكونوا من أترك الناس له، وما أمرتم به من معروف فكونوا من أعمل الناس به، واعلموا أن خطاكم خطوتان خطوة لكم وخطوة عليكم فانظروا أين تغدون وأين تروحون.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، يقول: رحم الله رجلاً لم يغره كثرة ما يرى من كثرة الناس، ابن آدم إنك تموت وحدك، وتدخل القبر وحدك، وتبعث وحدك، وتحاسب وحدك. ابن آدم وأنت المعني وإياك يراد.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي جميع سالم، قال: سمعت الحسن، يقول: لقد أدركت أقواماً كانوا أأمر الناس بالمعروف وآخذهم به وأنهى الناس عن منكر وأتركهم له، ولق بقينا في أقوام أأمر الناس بالمعروف وأبعدهم منه وأنهى الناس عن المنكر وأوقعهم فيه، فكيف الحياة مع هؤلاء.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: فضل الفعال على المقال مكرمة، وفضل المقال على الفعال منقصة.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن، قال: الرجاء والخوف مطيتا المؤمن.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عيسى بن عمر، قال: قال الحسن: حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور، واقرعوا النفوس فإنها خليعة وإنكم إن أطعمتموها تنزل بكم إلى شر غاية.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن قال: إن المؤمن قوام على نفسه بحساب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر على غير محاسبة، إن المؤمن يفجأه الشيء يعجبه فيقول: والله إن لأشتهيك وإنك لمن حاجتي ولكن والله ما من وصلة إليك هيهات حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول ما أردت إلى هذا مالي ولهذا والله مالي عذر بها ووالله لا أعود لهذا أبداً إن شاء الله، إن المؤمنين قوم أوثقهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى فكاك رقبته إلى يأمن شيئاً حتى يلقى الله عز وجل، يعلم أنه مأخوذ عليه من ذلك كله.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن قال قال: يا ابن دم إذا رأيت الناس في خير فنافسهم فيه وإذا رأيتهم في هلكة فذرهم وما اختاروا لأنفسهم قد رأينا أقواماً آثروا عاجلتهم على عاقبتهم فذلوا وهلكوا وافتضحوا، يا ابن آدم إنما الحكم حكمان فمن حكم بحكم الله فإمام عدل ومن حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية، إنما الناس ثلاثة: مؤمن وكافر ومنافق؛ فأما المؤمن فعامل الله بطاعته، وأما الكافر فقد أذله الله كما قد رأيتم، وأما المنافق فههنا معنا في الحجر والطرق والأسواق نعوذ بالله والله ما عرفوا ربهم. اعتبروا إنكارهم ربهم بأعمالهم الخبيثة. وإن المؤمن لا يصبح إلا خائفاً وإن كان محسناً لا يصلحه إلا ذلك ولا يمسي إلا خائفاً وإن كان محسناً لأنه بين مخافتين بين ذنب قد مضى لا يدري ماذا يصنع الله تعالى فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما يصيب فيه من الهلكات. إن المؤمنين شهود الله في الأرض يعرضون أعمال بني آدم على كتاب الله فمن وافق كتاب الله حمد الله عليه وما خالف كتاب الله عرفوا أنه مخالف لكتاب الله وعرفوا بالقرآن ضلالة من ضل من الخلق.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسن. قال: خصلتان من العبد إذا صلحتا صلح ما سواهما: الركون إلى الظلمة والطغيان في النعمة. قال الله عز وجل: (وَلَا تَرْكَنُوَاْ إِلَى الّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسّكُمُ النّارُ)[هود: 113]. وقال الله عز وجل: قال تعالى: (وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي)[طه: 81]
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن جويرية بن بشير، قال: سمعت الحسن قرأ هذه الآية: (إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَىَ وَيَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ)[النحل: 90]. ثم وقف فقال: إن الله جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة؛ فوالله ما ترك العدل والإحسان شيئاً من طاعة الله عز وجل إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئاً إلا جمعه.