الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم وَلي الأمر من بعده عمر بن الخطاب، واستُأمر في ذلك الناس، فمنهم من رضي ومنهم من كره، فكنت ممن رضي. فو الله ما فارق عمر الدنيا حتى رضي من كان له كارهاً، فأقام الأمر على منهاج النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وناصر المظلوم على الظالم. ثم ضرب الله بالحق على لسانه حتى رأينا أن مَلَكاً ينطلق على لسانه، وأعز الله بإسلامه الإسلام، وجعل هجرته للدين قِواماً، وقذف في قلوب المؤمنين الحب له وفي قلوب المنافقين الرهبة له، شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبريل فظاً غليظاً على الأعداء، وبنوح حَنقاً ومغتاظاً على الكافرين. فمن لكم بمثلهما؟ لا يُبلغ مبلغهما إلا بالحبِّ لهما واتباع آثارهما، فمن أحبهما فقد أحبني، و من أبغضهما فقد أبغضني وأنا منه بريء. ولو كنت تقدمتُ في أمرهما لعاقبت أشد العقوبة، فمن أُتيت به بعد مقامي هذا فعليه ما على المفتري. ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر ثم الله أعلم بالخير أين هو. أقول قولي هذا ويغفر الله لي ولكم. كذا في منتخب الكنز.
(22) اعترافه بفضل عثمان وإنصافه له:
أخرج ابن عساكر عن أبي إسحاق قال: قال رجل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن عثمان رضي الله عنه في النار. قال: ومن أين علمت؟ قال: لأَنَّه أحدث أحداثاً، فقال له علي: أتراك لو كانت لك بنت أكنت تزوجها حتى تستشير؟ قال: لا، قال: فرأي هو خير من رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنتيه؟ وأخبرني عن النبي صلى الله عليه وسلم أكان إذا أراد أمراً يستخير الله أو لا يستخيره؟ قال: لا، بل كان يستخيره، قال: أفكان الله يخير له أم لا؟ قال: بل يخير له، قال: فيخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختار الله له في تزويجه عثمان أم لم يختر له؟ ثم قال: لقد تجردتُ لك لأضرب عنقك فأبى الله ذلك، أما والله لو قلت غير ذلك لضربت عنقك. كذا في المتنخب.
ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد علي ابن أبي طالب رضي الله عنه:
لقد فهم علي ابن أبي طالب رضي الله عنه من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين صلى الله عليه وسلم ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرر من سيطرة الدنيا بزخارفها، و زينتها، وبريقها، وطلقها ثلاثة ونفض يديه منها، وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرا وباطنا، فكانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف، وقد وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق ما يلي:
(1)
اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.
(حديث بن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(2)
أن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله تبارك وتعالى:
(حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء.
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما.
(3)
أن عمرها قد قارب على الانتهاء:
(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى.
(4)
أن الآخرة هى الباقية، وهى دار القرار:
كما قال مؤمن آل فرعون:
(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ)[غافر: 39، 40]
كانت هذه الحقائق قد استقرت في قلب أبي بكر، فترِفَّع رضي الله عنه عن الدنيا وحطامها وزهد فيها،
وهاك بعض صور زهده رضي الله عنه:
تعريف علي ابن أبي طالب رضي الله عنه للزهد:
قال على رضي الله عنه: الزهد بين كلمتين من القرآن، قال تعالى (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) [الحديد: 23] ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه.
{تنبيه} : وفي كلمته هذه من تحديد الزهد ضمن إطار (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) لإفهام الناس معنى الزهد في هذه الدنيا وذلك بالهدوء وعدم الاهتياج فلا العُسر يبقى ولا اليُسر والمطلوب هو الصبر والشكر على كل حال، وتنبيه الناس عن الفهم السلبي للزهد بالابتعاد عن نِعَمِ الله تعالى وطيباته وزينته التي أخرج لعباده، كما هم عليه بعض الجاهلين الذين يحاولون إبعاد المسلمين عن أي اهتمام بالأمور المادية الدنيوية مع ما فيها من المفاسد من قبيل فتح المجال لسيطرة الآخرين من أعداء الإسلام على خيرات المسلمين وبركاتهم ومنابعهم المادية الغنية التي قل مثلها في غير بلاد المسلمين،
فلتوعية المسلمين وغيرهم وإيصال المعنى المطلوب من الزهد: فليس الزهد في الدنيا بإضاعة المال ولا بتحريم الحلال، بل الزهد في الدنيا أن لا تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله عز وجل، وألا تأسَ على ما فاتك ولا تفرح بما آتاك.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شقيق بن إبراهيم قال: من أراد أن يعرف معرفته بالله فلينظر إلى ما وعده الله ووعده الناس بأيهما قلبه أوثق.
فلا بد من الاعتدال في كل شيء دون الإفراط والتفريط وعدم نسيان الآخرة قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)[القصص: 77] إذن ليس الزهد أن لا تملك شيئاً إنما أن لا يملك شيء.
[*] قال على رضي الله عنه: طوبى للزاهدين في الدنيا و الراغبين في الآخرة أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطاً، و ترابها فراشاً، و ماءها طيباً، و الكتاب شعاراً، و الدعاء دثاراً، و رفضوا الدنيا رفضاً.
وقال أيضا: فو الله ما كنزت من دنياكم تبرا، ولا ادخرت من غنائمها وفرا، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا، ولا حزت من أرضها شبرا.
وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه آيةً في الزهد ممتنعاً عن تناول الاطعمة الشهية فقد اقتصر على ما يسد الرمق من الأطعمة البسيطة كالخبز والملح وربما تعداه إلى اللبن أو الخل وكان في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يربط الحجر على بطنه من الجوع وكان قليل التناول للحم وقد قال رضي الله تعالى عنه لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوانات".
كان وهو أمير المؤمنين يأكل الشعير الذي تطحنه امرأته بيديها. وقد أُثر عن عمر بن عبد العزيز أنه قال ̧أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب·. وقد أبى أن ينزل القصر الأبيض بالكوفه إيثارًا للخِصَاص التي يسكنها الفقراء. وقد كان من كرمه أن يؤثر الفقراء والمساكين على نفسه، وكثيرًا ما قدم طعامه الذي لا يملك غيره لمسكين أو يتيم أو أسير.
إن أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه لم ينل من أطايب الطعام حتى وافته المنية، فقد افطر أخر يوم من حياته في شهر رمضان على خبز وجريش ملح، وأمر برفع اللبن الذي قدمته ابنته السيدة أم كلثوم، وهو في نفس الوقت كان رضي الله عنه يطعم اليتامى العسل بيده حتى قال بعض أصحابه، وددت أني كنت يتيماً.
لقد زهد الإمام في جميع متع الحياة الدنيا وتجرد تجرداً تاماً من جميع رغباتها،
[*] قال ابن أبي الحديد: انه ما شبع من طعام قط، وقد أتي له بفالوذج وهو حلواء تصنع من الدقيق والماء والعسل، فلما رآه قال: إنه طيب الريح، حسن اللون، طيب الطعم، ولكن اكره أن أُعَوَّدَ نفسي ما لم تعتد".
[*] عن أبي صالح الذي كان يخدم أم كلثوم ابنة علي قال: دخلت على أم كلثوم وهي تمشط وستر بينها وبيني ، فجلست أنتظرها حتى تأذن لي ، فجاء حسن وحسين فدخلا عليها وهي تمشط ، فقالا: ألا تطعمون أبا صالح شيئا؟ قالت: بلى ، قال: فأخرجوا قصعة فيها مرق بحبوب ، فقلت: أتطعمونني هذا وأنتم أمراء؟ فقالت أم كلثوم: يا أبا صالح ، فكيف لو رأيت أمير المؤمنين وأتي بأترنج فذهب حسن أو حسين يتناول منه أترنجة فنزعها من يده ثم أمر به فقسم.
[*] عن الحارث عن علي قال: أهديت فاطمة ليلة أهديت إلي وما تحتنا إلا جلد كبش.
[*] عن الشَّعْبي قال: قال علي رضي الله عنه: لقد تزوجت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وما لي ولها فراش غيرُ جلد كَبْش ننام عليه بالليل ونعلف عليه ناضحنا بالنهار، وما لي خادم غيرها. كذا في الكنز.
[*] روى صالح بن الاسود قال: رأيت علياً قد ركب حماراً وأدلى برجليه إلى موضع واحد وهو يقول: أنا الذي أهنت الدنيا. أجل والله لقد احتقر الإمام الدنيا فلم يحفل بأي مظهر من مظاهر السلطة والحكم، واتجه نحو الله تعالى، وعمل كل ما يقربه إليه زلفى.
[*] وجاءه ابن التياح فقال: يا أمير المؤمنين امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء. فقال: الله أكبر فقام متوكئًا على ابن التياح حتى قام على بيت المال وهو يقول: يا صفراء ويا بيضاء غُري غيري، هاء وهاء، حتى ما بقي فيه دينار ولا درهم. ثم أمر بنضحه وصلى فيه ركعتين.
[*] ودخل مرةً بيت المال فرأى فيه شيئًا، فقال: لا أرى هذا هنا وبالناس حاجة إليه، فأمر به فقُسّم، وأمر بالبيت فكنس، ونَضح فصلى فيه أو نام فيه.
[*] وصعد رضي الله عنه يومًا المنبر وقال: من يشتري مني سيفي هذا، فلو كان عندي ثمن إزار ما بعته، فقام إليه رجل وقال: أسلفك ثمن إزار.
[*] واشترى مرة تمرًا بدرهم فحمله في ملحفته فقيل له: يا أمير المؤمنين ألا نحمله عنك فقال: أبو العيال أحق بحمله. وعوتب في لباسه، فقال: مالكم وللباسي هذا هو أبعد من الكبر وأجدر أن يقتدي به المسلم.
[*] وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن زيد بن وهب قال: قدم على عليَ وفد من أهل البصرة فيهم رجل من أهل الخوارج يقال له الجعد بن نَعجة. فعاتب علياً في لَبوسه، فقال علي: مالك وللبوسي؟ إنَّ لبوسي أبعد من الكِبْر، وأجدر أن يقتدي بي المسلم. وعن عمرو بن قيس قال قيل لعليّ: يا أمير المؤمنين لم ترقع قميصك؟ قال: يخشع (به) القلب، ويقتدي به المؤمن. وأخرجه هنّاد عن عمرو بن قيس مثله، كما في المنتخب. وأخرجه ابن سعد عن عمرو نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وهنّاد عن عطاء أبي محمد قال: رأيت على عليَّ قميصاً من هذه الكرابيس غير غسيل. وعند هنَّاد وابن عساكر عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: رأيت على عليَ بن أبي طالب قميصاً رازيَّاً إذا مدَّ يده بلغ أطراف الأصابع، وإذا تركه رجع إلى قريب نصف الذراع. كذا في المنتخب. وأخرج بن عيينة في جامعه والعسكري في المواعظ وسعيد بن منصور والبيهقي وابن عساكر عن عليَ أنَّه كان يلبس القميص ثم يمدُّ الكم، حتى إذا بلغ الأصابع قطع ما فضَل ويقول: لا فضل لكمَّين على اليدين. كذا في الكنز.
وعند أبي نُعيم في الحلية عن أبي سعيد الأزدي ـ وكان إماماً من أئمة الأزد ـ قال: رأيت علياً رضي الله عنه أتى السوق وقال: من عند قميص صالح بثلاثة دراهم؟ فقال رجل: عندي، فجاء به فأعجبه قال: لعلَّه خير من ذلك، قال: لا، ذاك ثمنه؛ قال: فرأيت علياً يقرِض رباط الدراهم من ثوبه، فأعطاه فلبسه، فإذا هو يفضل عن أطراف أصابعه، فأمر به فقُطع ما فضَل عن أطراف أصابعه. وأخرج أحمد في ازلهد عن مولى لأبي غُصعين قال: رأيت علياً خرج فأتى رجلاً من أصحاب الكرابيس، فقال له: عندك قميص سنبلاني؟ قال: فأخرج إليه قميصاً، فلبسه فإذا هو إلى نصف ساقيه، فنظر عن يمنيه وعن شماله فقال: ما أرى إلا قدراً حسناً، بكم هذا؟ قال: بأربعة دراهم يا أمير المؤمنين، قال: فحلَّها من إزاره فدفعها إليهثم انطلق. كذا في البداية.
وهاك بعض أبيات من أنفس ما قاله أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه في الزهد:
النفس تبكي على الدنيا وقد علمت
…
أن السعادة فيها ترك ما فيها
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها
…
إلا التي كان قبل الموت بانيها
فإن بناها بخير طاب مسكنة
…
وإن بناها بشر خاب بانيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها
…
ودورنا لخراب الدهر نبنيها
أين الملوك التي كانت
…
مسلطنة
…
حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
فكم مدائن في الأفاق
…
قد بُنيت
…
أمست خرابا وأفتى الموت أهليها
لا تركنن إلى الدنيا
…
وما فيها
…
فالموت لاشك يفنينها ويفنيها
لكل نفس وإن كانت على
…
وجلٍ
…
من المنية أمال تقويها
المرء يبسطها والدهر يقبضها
…
والنفس تنشرها والموت يطويها
إنما المكارم أخلاقٌ مطهرةٌ
…
الدين أولها والعقل ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابعها
…
والجود خامسها والفضل سادسها
والبر سابعها والشكر ثامنها
…
والصبر تاسعها واللين باقيها
والنفس تعلم أني لا أصادقها
…
ولست أرشد إلا حين اعصيها
واعمل لدارٍ غدا رضوان خازنها
…
والجار أحمد والرحمن ناشيها
قصورها ذهب والمسك طينتها
…
والزعفران حشيش نابت فيها
أنهارها لبن محض ومن العسل
…
والخمر يجري رحيقا في مجاريها
والطير تجري على الأغصان عاكفة
…
تسبح الله جهرا في مغانيها
من يشتري الدار في الفردوس يعمرها
…
بركعة في الظلام الليل يحييها
من صور زهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه في طعامه: