الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إرشاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه للمرأة التي طلبت الكسوة منه لأن درعها تخَّرق:
وأخرج البيهقي عن أنس رضي الله عنه أن امرأة أتت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالت: يا أمير المؤمنين إن دِرعي مخرَّق، قال: ألم أكسُك؟ قالت: بلى ولكنه تخرَّق، فدعا لها بدرع نجيب وخيط، وقال لها: البسي هذا ـ يعني الخَلَق ـ إذا خبزت وإذ جعلت البُرمة، والبسي هذا إذا فرغت؛ فإنه لا جديد لمن لا يلبس الخَلَق. كذا في الكنز.
وأخرج ابن سعد عن محمد بن إبراهيم قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستنفق كل يوم درهمين له ولعياله. كذا في المنتخب.
[*]
سيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه و صورٌ مشرقة من زهده:
وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما:
أولاً: لمحات من سيرة عثمان ابن عفان رضي الله عنه:
ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد عثمان ابن عفان رضي الله عنه:
وهاك تفصيل ذلك:
أولاً: لمحات من سيرة عثمان ابن عفان رضي الله عنه:
[*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
وثالث القوم القانت ذو النورين، والخائف ذو الهجرتين، والمصلي إلى القبلتين، هو عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. كان من الذين: اتّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمّ اتّقَواْ وّأَحْسَنُواْ) [المائدة: 93] فكان ممن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه. غالب أحواله الكرم والحياء، والحذر والرجاء، حظه من النهار الجود والصيام، ومن الليل السجود والقيام، مبشر بالبلوى، ومنعم بالنجوى.
وقال أيضاً: كان رضي الله تعالى عنه مبشراً بالمحن والبلوى، ومحفوظا فيها من الجزع والشكوى، يتحرز من الجزع بالصبر، ويتبرر في المحن بالشكر، وكان بالمال إلى رضاء الله متوصلاً، وببذله لعباد الله متنفلاً، ولحظ نفسه منه متقللاً، وفي لباسه متعللاً.
-
اسم عثمان ابن عفان رضي الله عنه ونسبه:
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب (1) ، ويلتقي نسبه بنسب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف. وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي. (2) وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب، وهي شقيقة عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم، ويقال: إنهما ولدا توأما (حكاه الزبير بن بكار)، فكان ابن بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ابن خال والدته. وقد أسلمت أم عثمان وماتت في خلافة ابنها عثمان، وكان ممن حملها إلى قبرها (3)، وأما أبوه فهلك في الجاهلية.
- كنية عثمان ابن عفان رضي الله عنه:
كان يكنى في الجاهلية أبا عمرو، فلما ولد له من رقية بنت رسول الله غلام سماه عبد الله، واكتنى به، فكناه المسلمون أبا عبد الله (4).
- لقب عثمان ابن عفان رضي الله عنه:
(1) الطبقات لابن سعد (3/ 53)، الإصابة (4/ 377) رقم (5463).
(2)
التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان، محمد يحيى الأندلسي، ص19.
(3)
الخلافة الراشدة والدولة الأموية، د. يحيى اليحيى، ص388.
(4)
التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان، ص19.
كان عثمان رضي الله عنه يلقب بذي النورين، وقد ذكر بدر الدين العيني (1) في شرحه على صحيح البخاري، أنه قيل للمهلب بن أبي صفرة (2): لم قيل لعثمان ذو النورين؟ فقال: لأنا لا نعلم أحدا أرسل سترا على بنتي نبي غيره. (3) وقال عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي: قال لي خالي حسين الجعفي: يا بني، أتدري لِمَ سمي عثمان ذا النورين؟ قلت: لا أدري، قال: لم يجمع بين ابنتي نبي منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة غير عثمان، فلذلك سمي ذا النورين. (4) وقيل: سمي بذي النورين لأنه كان يكثر من تلاوة القرآن في كل ليلة في صلاته، فالقرآن نور وقيام الليل نور (5).
- مولد عثمان ابن عفان رضي الله عنه:
ولد في مكة بعد عام الفيل بست سنين على الصحيح (6)، وقيل: ولد في الطائف، فهو أصغر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو خمس سنين (7).
- صفة عثمان ابن عفان رضي الله عنه الْخَلْقيَّة:
(1) هو محمود بن أحمد بن موسى العيني، أبو محمد: من علماء التاريخ والحديث والفقه، له تآليف كثيرة، توفي 855هـ، انظر: شذرات الذهب (7/ 286)، والضوء اللامع (10/ 131).
(2)
هو المهلب بن أبي صفرة الأزدي العقلي: من الأمراء الأبطال، غزا المهلب الهند في خلافة معاوية، وولي الجزيرة لابن الزبير، وحارب الخوارج في عهد عبد الملك بن مروان، ثم ولي خراسان من قبله سنة 79هـ، وترجع شهرته إلى حرب الخوارج، توفي 83هـ، انظر: وفيات الأعيان (5/ 350)، سير أعلام النبلاء (4/ 383).
(3)
عمدة القاري، شرح صحيح البخاري (16/ 201).
(4)
سنن البيهقي (7/ 73)، قال الدكتور عاطف لماضة: خبر حسن.
(5)
عثمان بن عفان ذو النورين، عباس العقاد، ص79.
(6)
الإصابة (4/ 377)، رقم (5465).
(7)
عثمان بن عفان، صادق عرجون، ص45.
كان رجلا ليس بالقصير ولا بالطويل، رقيق البشرة، كث اللحية عظيمها، عظيم الكراديس (1)، عظيم ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس، يصفِّر لحيته. وقال الزهري: كان عثمان رجلا مربوعا، حسن الشعر، حسن الوجه، أصلع، أروح الرجلين (2) ، وأقنى (3) ، خدل الساقين (4) ، طويل الذراعين، قد كسا ذراعيه جعد الشعر، أحسن الناس ثغرا، جُمَّته (5) أسفل من أذنيه، حسن الوجه، والراجح أنه أبيض اللون، وقد قيل:
أسمر اللون (6).
- مكانة عثمان ابن عفان رضي الله عنه في الجاهلية:
(1) الكراديس: جمع كردوس، وهو كل عظمين التقيا في مفصل.
(2)
تاريخ الطبري (5/ 440) أروح الرجلين: منفرج ما بينهما.
(3)
أقنى: طويل الأنف مع دقة أرنبته، وحدب في وسطه.
(4)
خدل الساقين: أي ضخم الساقين.
(5)
جمته: مجتمع شعر الرأس.
(6)
صفة الصفوة (1/ 295)، صحيح التوثيق في سيرة وحياة ذي النورين، ص15.
كان عثمان ابن عفان رضي الله عنه في أيام الجاهلية من أفضل الناس في قومه؛ فهو عريض الجاه ثري، شديد الحياء، عذب الكلمات، فكان قومه يحبونه أشد الحب ويوقرونه. لم يسجد في الجاهلية لصنم قط ولم يقترف فاحشة قط، فلم يشرب خمرا قبل الإسلام وكان يقول: إنها تُذْهب العقل والعقل أسمى ما منحه الله للإنسان، وعلى الإنسان أن يسمو به، لا أن يصارعه. وفي الجاهلية كذلك لم تجذبه أغاني الشباب ولا حلقات اللهو، ثم إن عثمان كان يتعفف عن أن يرى عورة (1). ويرحم الله عثمان رضي الله عنه فقد يسر لنا سبيل التعرف عليه؛ حيث قال: ما تغنيت، ولا تمنيت، و لا مسست ذكري بيمني منذ بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شربت خمرًا في جاهلية ولا إسلام، ولا زنيت في جاهلية ولا في إسلام. (2) وكان رضي الله عنه على علم بمعارف العرب في الجاهلية ومنها الأنساب والأمثال وأخبار الأيام، وساح في الأرض فرحل إلى الشام والحبشة، وعاشر أقواما غير العرب فعرف من أحوالهم وأطوارهم ما ليس يعرفه غيره. (3) واهتم بتجارته التي ورثها عن والده، ونمت ثرواته، وأصبح يعد من رجالات بني أمية الذين لهم مكانة في قريش كلها، فقد كان المجتمع المكي الجاهلي الذي عاش فيه عثمان يقدر الرجال حسب أموالهم، ويهاب فيه الرجال حسب أولادهم وإخوتهم ثم عشيرتهم وقومهم، فنال عثمان مكانة مرموقة في قومه، ومحبة كبيرة.
ومن أطرف ما يروى عن حب الناس لعثمان لما تَجَمَّع فيه من صفات الخير أن المرأة العربية في عصره كانت تغني لطفلها أغنية تحمل تقدير الناس له وثناءهم عليه، فقد كانت تقول:
أحبك والرحمن
…
حبَّ قريش لعثمان (4)
- إسلام عثمان ابن عفان رضي الله عنه:
(1) موسوعة التاريخ الإسلامي، أحمد شلبي، (1/ 618).
(2)
حلية الأولياء (1/ 60، 61) الخبر صحيح.
(3)
عبقرية عثمان للعقاد، ص72.
(4)
موسوعة التاريخ الإسلامي، (1/ 618).
كان عثمان ابن عفان رضي الله عنه قد ناهز الرابعة والثلاثين من عمره حين دعاه أبو بكر الصديق إلى الإسلام، ولم يعرف عنه تكلؤ أو تلعثم بل كان سباقا أجاب على الفور دعوة الصديق، فكان بذلك من السابقين الأولين حتى قال أبو إسحاق: كان أول الناس إسلاما بعد أبى بكر وعلي وزيد بن حارثة عثمان. (1) فكان بذلك رابع من أسلم من الرجال، ولعل سبقه هذا إلى الإسلام كان نتيجة لما حدث له عند عودته من الشام، وقد قصه رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل عليه هو وطلحة بن عبيد الله، فعرض عليهما الإسلام وقرأ عليهما القرآن، وأنبأهما بحقوق الإسلام ووعدهما الكرامة من الله فآمنا وصدقا، فقال عثمان: يا رسول الله، قدمت حديثا من الشام، فلما كنا بين معان والزرقاء فنحن كالنيام فإذا منادٍ ينادينا: أيها النيام هبوا، فإن أحمد قد خرج بمكة، فقدمنا فسمعنا بك. (2)
لا شك أن هذه الحادثة تترك في نفس صاحبها أثرًا إيجابيًا لا يستطيع أن يتخلى عنه، عندما يرى الحقيقة ماثلة بين عينيه، فمن ذا الذي يسمع بخروج النبي قبل أن يصل إلى البلد الذي يعيش فيه، حتى إذا نزله ووجد الأحداث والحقائق تنطق كلها بصدق ما سمع به ثم يتردد في إجابة الدعوة؟ لا يستطيع الإنسان مهما كان مكابرا إلا أن يذعن للحق، ومهما أظهر الجفاء فإن ضميره لا يزال يتلجلج في صدره حتى يؤمن به أو يموت، فيتخلص من وخز الضمير وتأنيبه، ولم تكن سرعة تلبيته عن طيش أو حمق، ولكنها كانت عن يقين راسخ وتصديق لا يتطرق إليه شك. (3) فقد تأمل في هذه الدعوة الجديدة بهدوء كعادته في معالجة الأمور، فوجد أنها دعوة إلى الفضيلة، ونبذ الرذيلة، دعوة إلى التوحيد وتحذير من الشرك، دعوة إلى العبادة وترهيب من الغفلة، ودعوة إلى الأخلاق الفاضلة، وترهيب من الأخلاق السيئة، ثم نظر إلى قومه، فإذا هم يعبدون الأوثان، ويأكلون الميتة، ويسيئون
(1) السيرة النبوية لابن هشام، (1/ 287 - 289).
(2)
الطبقات لابن سعد، (3/ 55).
(3)
جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين، ص302.
الجوار، ويستحلون المحارم من سفك الدماء وغيرها. (1) وإذا بالنبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم صادق أمين يعرف عنه كل خير، ولا يعرف عنه شر قط، فلم تعهد عليه كذبة ولم تحسب عليه خيانة، فإذا هو يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى صلة الرحم، وحسن الجوار، والصلاة والصوم، وألا يعبد غير الله (2) ، فأسلموا على يد أبي بكر الصديق، ومضى في إيمانه قُدُمًا قويا هاديا، وديعا صابرا، عظيما راضيا، عفوا كريما، محسنا رحيما، سخيًّا باذلا، يواسي المؤمنين، ويعين المستضعفين، حتى اشتدت قناة الإسلام. (3)
- مناقب عثمان ابن عفان رضي الله عنه:
لقد حاز عثمان ابن عفان رضي الله عنه شرفاً ما حازه غيره رضي الله عنه، ونال مكانة سامية ومنزلة عليّة بين أصحاب رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، إنه من شرفت به الدنيا وسمت به في أفياء العلياء، صاحب الإنفاق والبذل، وكريم النفس والسجايا، مع مكانته ومنزلته نتوقف، وفي أفياء النبوة الطاهرة نستمتع بذكر شيء من قدر ذي النورين رضي الله عنه؛ ذو النورين رضي الله عنه رجل حكم المسلمين بالعدل والإحسان، وسار فيهم سيرة سيد الأنام وطبّق فيهم شريعة سيد ولد عدنان عليه الصلاة والسلام، فقد كان كصاحبيه إحساناً وتقوى، وهدىً وعلماً. حكم الأمة الإسلامية اثنا عشرة سنة، كثرت في عهده الفتوحات، واتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وجمع القرآن في عهده على حرف واحد ونشر في الأمصار،
ذو النورين رضي الله عنه؛ كان رابع أربعة دخلوا في الإسلام، إنه أمير البررة وقتيل الفجرة، مخذول من خذله، ومنصور من نصره إنه صاحب الهجرتين، وزوج ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذو النورين أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد الثلاثة الذين خلصت لهم الخلافة من الستة. ثم تعينت فيه بإجماع المهاجرين والأنصار، فكان ثالث الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين. إنه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، أبو عمرو وأبو عبد الله القرشي أمير المؤمنين.
(1) انظر: مرويات العهد المكي، عادل عبد الغفور، (2/ 805).
(2)
فتنة مقتل عثمان، د. محمد عبد الله الغبان (1/ 37).
(3)
عثمان بن عفان، صادق عرجون، ص53.