الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفقيه المُفَسِر، العالِم الرباني، كان رحمه الله تعالى من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء وحراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله عز وجل، حاملُ لواء السنة وناصرها وقامع البدعة ودامغها، كان الكتاب والسنة له كالجناحين للطائر يتمسك بهما ويعضُ عليهما بالنواجذ، كان رحمه الله تعالى شهاباً ثاقباً ونجماً ساطعاً وبدراً طالعاً وسهماً نافذاً، وكان كوكبَ نُظَرَائه وزهرةَ إخوانه، تفوح منه علامات اليُمْنِ وأمارات الخير ورائحة التوفيق والسداد، واحد زمانه، وإمام عصره وأوانه، العالم الحبر، ذو الأحلام والصبر، العلم حليفه، والزهد أليفه، كان رحمه الله تعالى خزانة علم فكان علمه واسعاً مباركا كالغيث من السماء أينما حل نفع، يتفجَّرُ العلمُ من جوانبه، وتنطِق الحكمةُ من نواحيه، لا يُشَقُ له غُبارٌ في غزارة علمه ودقة استنباطه للفوائد والأحكام وسعة فقهه ومعرفته بأسرار اللغة العربية وبلاغتها، وكان رحمه الله ذا همةٍ عاليةٍ تناطح السحاب في طلب العلم فكان يُقْبِلُ على طلب العلم إقبالَ الظامئ على الموردِ العذب فقد أفنى جلَّ عمره في طلب العلم فكان إماماً يقتدى به في ذلك وكان مناراً عظيماً من منارات العلم، مناراً راسي القواعد مُشَيَّدَ الأركان ثابتَ الوطائد، الإمام اللبيب، ذو اللسان الخطيب، الشهاب الثاقب، والنصاب العاقب، صاحب الإشارات الخفية، والعبارت الجلية، ذوالتصانيف المفيدة، والمؤلفات الحميدة، الصوَّام القوَّام، الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، صاحب الأخلاق الرضية، والمحاسن السنية، العالم الرباني المتفق على علمه وإمامته وجلالته وزهده وورعه وعبادته وصيانته في أقواله وأفعاله وحالاته، كان رحمه الله تعالى سراج العباد، ومنار البلاد، رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً تعمُ أرجائه، وتغمده برحمةٍ فوق ما يخطر ببال أو يدور في الخيال، وأنعم عليه برضا الكبير المتعال إنه وليُ ذلك والقادرُ عليه.
اسم عبد الرحمن السعدي ونسبه رحمه الله:
هو أبو عبد الله عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل السعدي التميمي النجديّ الحنبلي.
وترجع أسرة آل السعدي إلى بني عمرو، أحد البطون الكبيرة، من قبيلة تميم المشهورة، ويقع بعض مساكن بني عمرو بن تميم في بلدة قفار إحدى القرى المجاورة لمدينة حائل. (1)
(1) الشيخ عبد الرحمن السعدي، سؤال وجواب في أهم المهمات ص3
نشأة عبد الرحمن السعدي ومولده رحمه الله تعالى:
ولد الشيخ عبد الرحمن رحمه الله في مدينة العلم والعلماء (عنيزة - بالقصيم) في المملكة العربية السعودية، في اليوم الثاني عشر من شهر محرم من السنة السابعة وثلاثمائة بع الألف (1307هـ) قبل وقعة المليدا الشهيرة بسنة واحدة. (1)
نشأ الشيخ رحمه الله يتيم الأبوين، إذ توفت والدته وعمره أربع سنين، ثم توفى والده وعمره سبع سنين، فكفلته زوجة والده ـ رحمها الله ـ وأحبته حباً جمّا أكثر من حبها لأولادها، فرعته حتى شب، ثم انتقل إلى بيت أخيه الأكبر (حمد) فقام برعايته وتربيته، وكان - حمد - رجلاً صالحاً وهو من حملة القرآن ومن المعمرين. (2)
طلب عبد الرحمن السعدي للعلم رحمه الله تعالى:
نشأة الشيخ رحمه الله في بيئة وبيت كله علم، مما جعله يبرز في طلب العلم منذ نعومة أظفاره، فوالده (ناصر الدين السعدي) كان من العلماء، وإماماً في مساجد مدينة عنيّزة. وأخيه (حمد) كما ذكرنا من حملة القرآن والصالحين ـ ولا نزكي على الله أحد.
وبدأ شيخنا رحمه الله طلب العلم فحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب قبل تمام الثانية عشر من عمره، واهتم بطلب العلم على علماء بلده ثم البلاد المجاورة، كما كان يستفيد من العلماء الذين يردون إلى بلده، فجعل جلّ وقته في تحصيل العلم، حفظاً وفهماً ودراسة ومراجعة واستذكارا، حتى أدرك في صباه من العلم مالا يدركه غيره في زمن طويل. (3)
(1) حياة الشيخ عبد الرحمن السعدي في سطور ص12
(2)
الشيخ محمد العثمان القاضي - روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد 1/ ص220
(3)
الشيخ عبد الله البسام، علماء نجد خلال ستة قرون 2/ 423
وكان من حرصه على حلقات العلم والذكر ومجالسة أهل العلم والسماع لدروسهم ومواعظهم ما لا يوصف، فهو شديد الحرص والمتابعة وهذا يظهر منذ نعومة أظفاره كما هو حاله في (صباح سطوة آل سليم على بلده، وكان عمره آنذاك خمس عشرة سنة، وكان القصر فيه الرماة، والناس متحصنين في منازلهم خوفاً على أنفسهم، أما شيخنا رحمه الله وثب في خُطَاً ثابتة إلى بيت الله لأداء صلاة الفجر. فقابله بعضهم فخاطبه: إلى أين تريد الذهاب؟! فقال - الشيخ: لصلاة الفجر!! فضربه حتى ألجأه إلى الانصراف إلى بيته، وعلى هذا كان حرصه على ألاّ تفوته صلاة واحدة في أشدّ الأزمات التي واجهته في عصره، وكذا كان حرصه على حضور دروس العلم. (1)
وتعلم القراءة والكتابة في سن مبكرة، ثم انكب على العلم وانقطع له، ولم يشتغل بأي من الأعمال التجارية حرصاً على طلب العلم (2). ولما لاحظ أقرانه في طلب العلم تقدمه عليّهم، ونبوغه المبكر تتلمذوا عليّه، وبدأوا يأخذون عنه العلم، وما لبثَ حتى فتح الله عليه آفاق العلم، فخرج عمّا اعتاد عليه علماء بلده من الاهتمام بالفقه الحنبلي فقط، إذ تطلع إلى كتب متعددة في التفسير والحديث والفقه، وعنيّ بشكل خاص بكتب شيخ الإسلام ابن تيميّة وتلميذه ابن القيّم وسار على نهجهما في إتباع الأدلة والاستنباط (3).
وخرج شيخنا رحمه الله من مرحلة التقليد إلى مرحلة الاجتهاد المقيد، فصار يرجح من الأقوال ما يرجحه الدليل ويصدقه التعليل، وكان إذا عرض عليه مسائل متعددة يجيب عليها باختصار غير مخل، وكانت فتواه غير طويلة، تدل على أنه سريع البديهة، قويّ الذاكرة، سريع الكتابة بديع التحرير، ولهذا نجد في مؤلفاته الكثير مما يدل على ذلك من اتصافها بالأسلوب الشيق الذي تفهمه العامة والخاصّة.
(1) الشيخ عثمان القاضي، روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد - بشيء من التصرف
(2)
صالح السليمان العمري، علماء آل سليم وعلماء القصيم
(3)
الشيخ عبد الله البسام، علماء نجد خلال ستة قرون
وإذ أنصح كل طالب علم باقتناء ودراسة كتب شيخ الاسلام ابن تيمية وتلميذه الفذ الهمام ابن القيم الجوزية، لما فيها من الفائدة والقيم والحكم، ففيها تجد التفسير والحديث والفقه واللغة، فكلها درر وفوائد - رحمهما الله رحمة واسعة - فلقد بكت عليهم عيون العلماء ورثاهم الفضلاء، وشهد لعلمهم الأصدقاء والأعداء.