الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
7 - الفرق بين كرامات الأولياء وخوارق الشياطين:
ينبغي للعبد أن يفرق بين حال أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ذلك أن لكل واحد منهما خصائص وسمات تدل عليه.
وقد نقل إمام الحرمين الإجماع على أن السحر لا يظهر إلا من فاسق وأن الكرامة لا تظهر على فاسق
(1)
.
وذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن من مسائل أهل الجاهلية: "اعتقادهم في مخاريق السحرة وأمثالهم أنها من كرامات الصالحين، ونسبته إلى الأنبياء، كما نسبوه إلى سليمان"
(2)
.
وقد بين ابن تيمية رحمه الله: أن ليس كل خارق يجري على يدي صاحبه يدل على أن ذلك كرامة له، أو أنه أكرم الخلق على الله، فلربما كان ذلك الخارق حالا شيطانية، وذكر أن المخاريق ثلاثة أنواع:
أحدها: ما يكون آية لنبي، وهذه حق لا ريب فيها، ولا يمكن لأحد أن يعارضها بمثلها.
ثانيها: ما يكون كرامة لولي، وهذه حق عند أهل السنة والجماعة، وهذه تكون على يدي الصالحين، وتدل على صحة الدين الذي جاء به الرسول لا تدل على أن الولي معصوم ولا تدل على وجوب طاعته في كل ما يقوله.
ثالثها: خوارق الكفار والفجار كالسحرة والكهان وأمثالهم من الفجرة التي تعينهم خوارقهم على محرمات مثل الفواحش والظلم والشرك والقول الباطل
(3)
.
(1)
الفتح 10/ 223.
(2)
شرح مسائل الجاهلية للسعيد 1/ 300.
(3)
انظر النبوات لشيخ الإسلام ابن تيمية ص 4، وقد تكلمت عن هذه المسألة بالتفصيل في كتابي "أحكام الكهانة" ص 78 - 107.
وقال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: "وبين كرامات الأولياء وما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة: منها أن كرامات الأولياء سببها الإيمان والتقوى، والأحوال الشيطانية سببها ما نهى الله عنه ورسوله، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)} [الأعراف: 33]. فالقول على الله بغير علم والشرك والظلم والفواحش قد حرمها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا تكون سببًا لكرامة الله تعالى بالكرامات عليها، فإذا كانت لا تحصل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، بل تحصل بما يحبه الشيطان، وبالأمور التي فيها، استغاثة بالمخلوقات، أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق وفعل الفواحش، فهي من الأحوال الشيطانية، لا من الكرامات الرحمانية"
(1)
.
وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية على الأشاعرة ومن قال بقولهم في التفريق بين المعجزات وخوارق السحرة وبيَّن التحقيق في ذلك فقال: "وعندهم لا فرق بين جنس وجنس في اختصاصه بالأنبياء به، فليس في أجناس المعقولات ما يكون آية تختص بالأنبياء، فيستلزم نبوتهم بل ما كان لهم قد يكون عند غيرهم حتى للسحرة والكهان، وهم أعداؤهم، وفرقوا بعدم المعارضة، وهذا فرق غير معلوم وهو مجرد دعوى.
قالوا: لو ادعى الساحر والكاهن النبوة، لكان الله ينسيه الكهانة والسحر، ولكان له من يعارضه لأن السحر والكهانة هي معجزة عندهم، وفي هذه الأقوال من الفساد عقلًا وشرعًا ومن المناقضة لدين الإسلام وللحق ما يطول وصفه، ولا ريب أن قول من أنكر وجود هذه الخوارق أقل فسادًا من هذا، ولهذا يشنع عليهم
(1)
الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان 71 انظر: شرح مسائل الجاهلية 1/ 302.
ابن حزم وغيره بالشناعات العظيمة.
ولهذا يقيم أكابر فضلائهم مدة يطلبون الفرق بين المعجزات والسحر، فلا يجدون فرقًا إذْ لا فرق عندهم في نفس الأمر، والتحقيق أن آيات الأنبياء مستلزمة للنبوة ولصدق الخبر بالنبوة، فلا يوجد إلا مع الشهادة للرسول بأنه رسول لا يوجد مع التكذيب بذلك، ولا مع عدم ذلك البتة، وليست من جنس ما يقدر عليه لا الإنس ولا الجن، فإن ما يقدر عليه الإنس والجن يفعلونه فلا يكون مختصا بالأنبياء.
ومعنى كونها خارقة للعادة: أنها لا توجد إلا للنبوة لا مرة ولا أقل، ولا أكثر، فالعادة هنا تثبت بمرة، والقاضي أبو بكر يقول: إن ما فعل مرات يسيرة لا يكون معتادًا، وفي كلامه في هذا الباب من الاضطراب ما يطول وصفه، وهو رأس هؤلاء الذين اتبعوه كالقاضي أبي يعلى وأبي المعالي والرازي والآمدي وغيرهم.
وما يأتي به السحرة والكهان يمتنع أن يكون آية لنبي بل بل هو آية على الكفر، فكيف يكون آية للنبوة، وهو مقدور للشياطين، وآيات الأنبياء لا يقدر عليها جن ولا إنس، وآيات الأنبياء آيات لجنسها فحيث كانت آية لله تدل على مثل ما أخبرت به الأنبياء، وإن شئت قلت: هي آيات لله يدل بها على صدق الأنبياء تارة، وعلى غير ذلك تارة، وما يكون للسحرة والكهان لا يكون من آيات الأنبياء، بل آيات الأنبياء مختصة بهم.
وأما كرامات الأولياء فهي أيضًا من آيات الأنبياء فإنها إنما تكون لمن تشهد لهم بالرسالة فهي دليل على صدق الشاهد لهم بالنبوة، وأيضًا فإن كرامات الأولياء معتادة من الصالحين ومعجزات الأنبياء فوق ذلك، فانشقاق القمر والإتيان بالقرآن، وانقلاب العصا حية، وخروج الدابة من صخرة لم يكن مثله للأولياء، وكذلك خلق الطير من الطين، ولكن آياتهم صغار وكبار قال الله تعالى:
{فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20)} [النازعات: 20]، فلله تعالى آية كبيرة وصغيرة، وقال عن نبيه محمد:{لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)} [النجم: 18] فالآيات الكبرى مختصة بهم، وأما الآيات الصغرى فقد تكون للصالحين مثل تكثير الطعام، فهذا قد وجد لغير واحد من الصالحين، لكن لم يوجد كما وجد للنبي صلى الله عليه وسلم أنه أطعم الجيش من شيء يسير، فقد يوجد لغيرهم من جنس ما وجد لهم، لكن لا يماثلون في قدره، فهم مختصون إما بجنس الآيات فلا يكون لمثلهم كالإتيان بالقران وانشقاق القمر، وقلب العصا حية، وانفلاق البحر، وأن يخلق من الطين كهيئة الطير، وأما بقدرها وكيفيتها كنار الخليل، فإن أبا مسلم الخولاني وغيره وصارت النار عليهم بردًا وسلامًا، لكن لم تكن مثل نار إبراهيم في عظمتها كما وصفوها، فهو مشارك للخليل في جنس الآية، كما هو مشارك في جنس الإيمان محبة الله وتوحيده، ومعلوم أن الذي امتاز به الخليل من هذا لا يماثله فيه أبو مسلم وأمثاله"
(1)
.
والأحوال الشيطانية تكون على يدي السحرة والكهان وأمثالهم من الفجرة
(2)
فهم أولياء الشيطان وجنوده وأنصاره وينخدع بالأحوال الشيطانية كثير ممن يستغيث بغير الله فيستنجد بالمقبور ويستغيث بالقبور كما ينخدع بها من يصدق الكهان والسحرة والمشعوذين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: "وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية، مثل حال عبد الله بن صياد الذي ظهر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد ظن بعض الصحابة أنه الدّجال، وتوقف النبي صلى الله عليه وسلم في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجّال، لكنه كان من جنس الكهان. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد خبأت لك خبءًا، قال
(1)
النبوات 2/ 797.
(2)
النبوات ص 4، وانظر للاستزادة تيسير العزيز الحميد ص 397 - 401.
الدخ الدّخ وقد كان خبّأ له سورة الدخان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"اخسأ فلن تعدو قدرك"
(1)
يعني إنما أنت من إخوان الكهان، والكهان كان يكون لأحدهم القرين من الشيطان يخبره بكثير من المغيبات بما يسرقه من السمع، وكانوا يخلطون الصدق بالكذب كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الملائكة تنزل في العنان - وهو السحاب - فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم.
والأسود العنسي الذي ادّعى النبوة كان له من الشياطين من يخبره ببعض الأمور المغيبة، فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون من الشياطين أن يخبروه بما يقولون فيه، حتى أعانتهم عليه امرأته لما تبيّن لها كفره فقتلوه.
وكذلك مسيلمة الكذّاب كان معه من الشياطين من يخبره بالمغيّبات ويعينه على بعض الأمور.
وأمثال هؤلاء كثيرون، مثل الحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان وادعى النبوة، وكانت الشياطين تخرج رجليه من القيد، وتمنع السلاح أن ينفذ فيه، وتسبح الرّخامة إذا مسحها بيده، وكان يرى الناس رجالا وركبانا على خيل في الهواء ويقول: هي الملائكة، وإنما كانوا جنّا، ولما أمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم ينفذ فيه، فقال له عبد الملك: إنك لم تسمّ الله فطعنه فقتله"
(2)
.
وقال رحمه الله: "ومن هؤلاء من إذا حضر سماع المكاء والتصدية يتنزل عليه شيطانه حتى يحمله في الهواء ويخرجه من تلك الدار، فإذا حضر رجل من أولياء الله تعالى، طرد شيطانه فيسقط، كما جرى هذا لغير واحد.
(1)
أخرجه مسلم رقم (2924).
(2)
الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص 166، 173.