الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أو لبنائه أو لآلهة معينة صار هذا شركا أكبر بالله"
(1)
.
وقال الشيخ ابن جبرين: "النذر لله تعالى عبادة لكن هل يشرع؟ الصحيح أنه غير مشروع"
(2)
.
فالنذر فيه تعظيم لمن نذر له فهو عبادة سواء أكان نذر طاعة أم كان نذر معصية، وسواء كان نذرًا مطلقًا أم نذرًا مقيدًا، قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: "إذا أطلقنا القول بأن: النذرة عبادة، فهل يدخل في هذا الإطلاق النَّذرُ المقيَّد؟.
والجواب: أن النذر المقيد له جهتان: الأولى وفاؤه بالنذر الذي ألزم نفسه به فإنه يكون بذلك قد تعبَّد الله عبادةً من هذه الجهة - فيما يظهر -.
الجهة الثانية: جهة الكراهة المتعلقة بهذا النذر المقيّد، وهي إنما جاءت لصفة الاعتقاد لا لصفة أصل العبادة، فإنه في النذر المقيد إذا قال: إن كان كذا وكذا فلله عليَّ كذا وكذا، كانت الكراهة راجعة إلى ذلك التقييد، لا إلى أصل النذر، دلَّ على ذلك: التعليل، حيث قال:"فإنما يستخرج به من البخيل". فلا إشكال إذًا، فالنذر عبادة من العبادات العظيمة"
(3)
.
2 - حكم الابتداء بالنذر:
عن سَعِيد بْن الْحَارِثِ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: أَوَلَمْ يُنْهَوْا عَنْ النَّذْرِ إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ النَّذْرَ لا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلا يُؤَخِّرُ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بالنَّذْرِ مِنْ الْبَخِيلِ"
(4)
.
(1)
من شرح الشيخ على كتاب التوحيد 160.
(2)
فوائد من دروس الشيخ ابن جبرين على شرح كتاب التوحيد للسدحان ص 37.
(3)
التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص 160.
(4)
أخرجه البخاري (6692)، ومسلم (1639).
وفِي رِوَايَة عَبْد الله بْن مُرَّة "لا يَرُدّ شَيْئًا"
(1)
. قال ابن حجر: "وَهِيَ أَعَمُّ"
(2)
.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر
(3)
.
وفي لفظ لمسلم قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ينهانا عن النذر ويقول: "إنه لا يرد شيئًا وإنما يستخرج به من الشحيح"
(4)
.
وَجَاءَ النص بِصِيغَةِ النَّهْي الصَّرِيحَة في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل"
(5)
.
وفِي حَدِيث أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له فيستخرج الله به من البخيل فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل"
(6)
.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه الأحاديث وألفاظها، ثم ذكر رحمه الله أن فيها إشارة إلى تعليل النهي عن النذر وأن كثيرًا من المالكية وأكثر الشافعية على أن النذر مكروه لثبوت النهي عنه، ثم قال: واحتجوا بأنه ليس طاعة محضة لأنه لم يقصد به خالص القربة وإنما قصد أن ينفع نفسه أو يدفع عنها ضررًا بما التزمه. وجزم الحنابلة بالكراهة، وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم وتوقف بعضهم في صحتها"
(7)
.
(1)
أخرجه البخاري (6692)، ومسلم (1639).
(2)
فتح الباري 11/ 576.
(3)
أخرجه البخاري (6608)، ومسلم (1639).
(4)
أخرجه مسلم (1639).
(5)
أخرجه مسلم (1640).
(6)
أخرجه البخاري (6694).
(7)
فتح الباري 11/ 576 - 578.
قال شيخ الإسلام: "وأصل عقد النذر منهي عنه"
(1)
. وقال في جامع الرسائل: "وأما النذر لها
(2)
فينبغي أن يعلم أن أصل النذر مكروه منهي عنه بلا نزاع أعلمه بين الأئمة"
(3)
.
وبعض العلماء يميل إلى استحباب النذر
(4)
.
ولعل القائل باستحبابه نظر إلى ما يؤول إليه عند الوفاء به، فقد ذكر الحافظ في الفتح نقلًا عن القاضي حسين المتولي والغزالي أنه مستحب؛ لأن الله أثنى على من وفَّى به، ولأنه وسيلة إلى القربة
(5)
.
وقال الحافظ في الفتح: "وإني لأتعجب ممن انطلق لسانه بأنه ليس بمكروه مع ثبوت الصريح عنه فأقل درجاته أن يكون مكروهًا كراهة تنزيه"
(6)
.
وقال الصنعاني: "القول بتحريم النذر هو الذي دلّ عليه الحديث، ويزيده تأكيدًا تعليله بأنه لا يأتي بخير، فإنه يصير إخراج المال فيه من باب إضاعة المال، وإضاعة المال محرمة"
(7)
.
قال الشيخ الألباني في حديث: "ولكنه شيء استخرج به من البخيل": "دل الحديث بمجموع ألفاظه أن النذر لا يشرع عقده بل هو مكروه وظاهر النهي في بعض طرقه أنه حرام، وقد قال به قوم، إلا أن قوله: "استخرج به من البخيل" يشعر أن الكراهة والحرمة خاصة بنذر المجازاة أو المعاوضة دون نذر التبرر فهو قربة
(1)
مجموع الفتاوى 11/ 505.
(2)
الكلام كان في سياق القبور وزيارتها الشرعية والبدعية.
(3)
جامع المسائل المجموعة الثالثة ص 128.
(4)
عمدة القاري 13/ 206، 208.
(5)
فتح الباري 11/ 586.
(6)
فتح الباري 11/ 578.
(7)
سبل السلام 4/ 111.
محضة وهو فوق ثواب التطوع وهذا النذر هو المراد، والله أعلم بقوله تعالى:{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} دون الأول، قال الحافظ في الفتح (11/ 500): وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} قال: كانوا ينذرون طاعة لله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة ومما افترض عليهم فسماهم الله أبرارا
(1)
، وهذا صريح في أن الثناء وقع من غير نذر المجازاة"
(2)
.
وقال الشيخ ابن عثيمين: "والنذر في الأصل مكروه بل إن بعض أهل العلم يميل إلى تحريمه لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه وقال: "لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل"، ولأنه إلزام لنفس الإنسان مما جعله الله في حل منه وفي ذلك زيادة تكليف على نفسه.
ولأن الغالب أن الذي ينذر يندم، وتجده يسأل العلماء يمينا وشمالا يريد الخلاص مما نذر لثقله ومشقته عليه، ولا سيما ما يفعله بعض العامة إذا مرض أو تأخر له حاجة يريدها تجده ينذر كأنه يقول: إن الله لا ينعم عليه بجلب خير أو دفع الضرر إلا بهذا النذر"
(3)
.
وقال بعد ذلك: "وبعض العلماء يحرمه وإليه يميل شيخ الإسلام ابن تيمية للنهي عنه ولأنك تلزم نفسك بأمر أنت في عافية منه
…
"
(4)
. وهذا النهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "إنما يستخرج به من البخيل"
(5)
ينصرف إلى النذر المقيد.
(1)
انظر تفسر الطبري 29/ 129.
(2)
سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/ 47.
(3)
مجموع الفتاوى لابن عثيمين 9/ 229، 230. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط 1 - 1/ 236. وشرح رياض الصالحين لابن عثيمين 3/ 282.
(4)
مجموع الفتاوى لابن عثيمين 9/ 242. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط 1 - 1/ 249. وشرح رياض الصالحين لابن عثيمين 3/ 282.
(5)
أخرجه البخاري (6608)(6692)(6693).
والنذر المقيد حقيقته: أن يلزم العبد نفسه بطاعة لله جل وعلا مقابل شيء يحدثه الله جل وعلا له ويقدِّره، ويقضيه له، كأن يقول مثلًا: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ نذرٌ بأن أتصدق بكذا وكذا، أو إن نجحت فسأصلي ليلة، أو إن عُيِّنت في هذه الوظيفة فسأصوم أسبوعًا، ونحو ذلك، فهذا كأنه يشترط بهذا النذر على الله جل وعلا فيقول: يا رب، إن أعطيتني كذا: صمتُ لك، وإن أنجحتني صليت، أو تصدقت، وإن شفيتَ مريضي فعلت كذا وكذا، يعني: مقابلةً للفعل بالفعل، وهذا هو الذي وصفه النبي عليه السلام والسلام بقوله:"إنما يُستخرَجُ به من البخيل"؛ لأن البخيل هو الذي لا يعمل العبادة حتى يُقاضَى عليها، فصار بما أعطاه الله من النعمة أو بما دفع عنه من النقمة كأنه في حِسِّ ذلك الناذر قد أعطي الأجر، وأعطي ثمن تلك العبادة
(1)
.
قال في شفاء الصدور: "فقد نهى الصادق المصدوق المبلغ عن الله تعالى عن النذر وأخبر أنه لا يأتي بخير وأنه ليس من الأسباب الجالبة لخير أو الدافعة لشر أصلا وإنما يوافق القدر موافقة كما يوافقه سائر الأسباب التي ليست بمشروعة فيخرج البخيل حينئذ ما لم يكن يخرجه من قبل ذلك.
فإذا كان نذر الطاعات لله المعلقة بشرط لا فائدة فيه ولا يأتي بخير فما الظن بالنذر لما لا يضر ولا ينفع.
هذا وقد صار الناذرون يقول أحدهم: مرضت فنذرت ويقول الآخر: ركبت البحر فنذرت، ويقول الآخر: حبست فنذرت، ويقول الآخر: أصابتني فاقة فنذرت، وقد قام بنفوسهم أن هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم ودفع مرهوبهم وقد أخبر الصادق المصدوق أن نذر الطاعة لله فضلا عن معصية ليس سببا لخير وإنما
(1)
التمهيد لشرح الكتاب التوحيد ص 159.
الخير الذي يحصل للناذر موافقة قدر. كموافقة سائر الأسباب"
(1)
.
ومن ظن أنه لا تحصل حاجة من حاجاته إلا بالنذر فإنه اعتقاد محرم لأنه ظن أن الله لا يعطي إلا بمقابل، وهذا سوء ظن بالله وسوء اعتقاد فيه سبحانه وتعالى، بل هو المتفضل المنعم على خلقه
(2)
.
نقل الحافظ ابن حجر عن القرطبي قوله: "وقد ينضمُّ إلى هذا اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن الله يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإشارة بقوله في الحديث أيضًا "فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئًا" والحالة الأولى تقارب الكفر، والثانية خطأ صريح.
قلت
(3)
: بل تقرب من الكفر أيضًا"
(4)
.
ونخرج بأقوال أهل العلم أن النذر له تعلقان:
الأول: من جهة صرفه للمنذور له تعظيمًا فيطلق عليه من هذه الجهة عبادة يجب أن تصرف لله وحده.
الثاني: من جهة إلزام نفس الإنسان ما جعله الله في حل وفي ذلك زيادة تكليف على نفسه فيطلق عليه من هذه الجهة مكروه. ومع ذلك فإنه إذا صاحب هذا النذر اعتقاد أو ظن أن النذر يرد القدر أويمنع من حصول المقدر أو ما شابه ذلك فإنه يزاد على كراهة النذر تحريم ذلك الاعتقاد فيجتمع في حقه الكراهة والتحريم، والله أعلم.
(1)
شفاء الصدور 66، 67.
(2)
التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص 160.
(3)
القائل هو الحافظ ابن حجر.
(4)
فتح الباري 11/ 579.