الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
194 - عارض الجهل وأثره على التكفير
*
الجهل مانع من موانع التكفير المعتبرة، لكن ليس كل جهل يصلح عذرًا ومانعًا، ويتضح ذلك بفهم الضوابط والأصول التي بيناها في أثناء هذا الباب.
قال الراغب: "الجهل على ثلاثة أضرب:
1 -
وهو خلو النفس من العلم.
2 -
اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه.
3 -
فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أو فاسدا كمن ترك الصلاة متعمدًا، وعلى ذلك قال تعالى:{قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]. فجعل فعل الهزو جهلا قال تعالى: {فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} [الحجرات:6].
قال ابن تيمية: "لفظ الجهل يُعبَّر به عن عدم العلم، ويعبر به عن عدم العمل بموجب العلم"
(1)
.
والذي يعنينا من معاني الجهل: الجهل بمعنى عدم العلم وهو بهذا الاعتبار على قسمين:
* التمهيد لابن عبد البر 5/ 129. الدرر السنية 11/ 71. مجموع الفتاوى لابن باز 2/ 528. مجموع فتاوى ابن عثيمين 2/ 127 - 7/ 35، 42. القول المفيد لابن عثيمين ط 1 - 1/ 171، 207، ط 2 - 1/ 218 ومن المجموع 9/ 163، 195، 199. لزوم الجماعة وترك التفرق جمال بن أحمد الشرباوي 172. ضوابط التكفير للقرني. عارض الجهل وأثره على أحكام الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لأبي العلا الراشد. عقيدة الإمام ابن عبد البر الغصن ص 88. الجهل بمسائل الاعتقاد ص 19، 194، 281 إلى 327.
(1)
مجموع الفتاوى 7/ 539، 540، وانظر: في أنواع الجهل مدارج السالكين 1/ 469.
1 -
الجهل الذي لا يصلح عذرًا.
2 -
الجهل الذي يصلح عذرا. والمقصود الذي نحن بصدده هل يعذر المعين بالجهل إذا ارتكب ناقضًا من نواقض الإسلام أم لا؟
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، وقال تعالى:{وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا} [القصص: 59]، وقال تعالى:{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165)} [النساء. 165]، وقال تعالى:{كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [الملك. 8 - 9] وقال عز وجل: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6)} [التوبة: 6].
* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: إِذا أنا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ ذَرُّوني فِي الرِّيحِ، فَوَالله لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عذَّبهُ أَحَدًا. فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، فَأَمَرَ اللهُ الأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْه، فَفَعَلَتْ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ. فَغَفَر له". وفي رواية قال: "مَخَافَتُكَ يَا رَبِّ""
(1)
.
قال الإمام الخطابي رحمه الله: "قد يستشكل هذا فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟
والجواب أنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فعل ذلك لا يعاد فلا
(1)
أخرجه البخاري (3481)(7506).
يعذب، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه فعل ذلك من خشية الله"
(1)
.
وقال الحافظ ابن عبد البر رحمة الله: "
…
وأما جهل الرجل المذكور في هذا الحديث بصفة من صفات الله في علمه وقدرته، فليس ذلك بمخرجه من الإيمان
…
"
(2)
، ثم استدل على ذلك بسؤال الصحابة رضي الله عنهم عن القدر ثم قال: "
…
ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين
…
ولم يضرهم جهلهم به قبل أن يعلموه"
(3)
.
وقال ابن حزم رحمه الله بعد ذكر الحديث: "
…
فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله عز وجل يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد كفر له لإقراره وخوفه وجهله"
(4)
.
وقال ابن الوزير رحمه الله في تعليقه على الحديث: "
…
وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه بالله والمعاد ولذلك خاف العقاب، وأما جهله بقدرة الله تعالى على ما ظنه محالا فلا يكون كفرا إلا لو علم أن الأنبياء جاءوا بذلك وأنه ممكن مقدور ثم كذبهم أو أحدا منهم لقوله تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء. 15]
(5)
.
يقول ابن قتيبة عن هذا الحديث: "وهذا رجل مؤمن بالله، مقر به، خائف له، إلا أنه جهل صفة من صفاته، فظن أنه إذا أحرق وذري في الريح أن يفوت الله تعالى، فغفر الله تعالى له بمعرفته ما بنيته، وبمخافته من عذابه جهله بهذه الصفة من صفاته"
(6)
.
(1)
فتح الباري 6/ 523.
(2)
التمهيد 18/ 46، 47.
(3)
المصدر السابق.
(4)
الفصل 3/ 252.
(5)
إيثار الحق على الخلق ص 436.
(6)
تأويل مختلف الحديث 136.
وقد علق شيخ الإسلام على هذا الحديث فقال: "فهذا رجل شك في قدرة الله تعالى، وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا، لا يعلم ذلك، وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك"
(1)
.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقا أيضًا على هذا الحديث: "فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك، وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى، وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت كفر، لكنه كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلا بذلك، ضالا في هذا الظن مخطأ، فغفر الله له ذلك، والحديث صريح في أن الرجل طمع أن لا يعيده إذا فعل ذلك، وأدنى هذا أن يكون شاكا في المعاد، وذلك كفر إذا قامت حجة النبوة على منكره حكم بكفره
…
"
(2)
.
وقال في موضع آخر: "فهذا الرجل كان قد وقع له الشك، والجهل في قدرة الله تعالى على إعادة ابن آدم بعدما أحرق وذري، وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك .. "
(3)
.
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في معرض حديثه عن حكم من جحد فرضا من فرائض الإسلام: "
…
وأما من جحد ذلك جهلا، أو تأويلا يعذر فيه صاحبه فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه، وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح، ومع هذا فقد غفر الله له، ورحمه لجهله، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادًا أو تكذيبًا"
(4)
.
(1)
مجموع الفتاوى 3/ 231.
(2)
مجموع الفتاوى 11/ 409. وانظر أيضًا 7/ 619، 23/ 348، 28/ 501. والرد على البكري ص 259.
(3)
مجموع الفتاوى 1/ 491.
(4)
مدارج السالكين 1/ 367.