الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه: "إذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبة عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما، لأجل جهلهم وعدم من يفهمهم، فكيف نكفر من لم يشرك بالكد إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ويقاتل، سبحانك هذا بهتان عظيم"
(1)
.
وحكى الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن عن الإمام المجدد أنه قرر أن: "من قامت عليه الحجة، وتأهل لمعرفتها، يكفر بعبادة القبور
…
"
(2)
.
ويقول العلامة سليمان بن سحمان: "الذي يظهر لي - والله أعلم - أنها لا تقوم الحجة إلا بمن يحسن إقامتها، وأما من لا يحسن إقامتها كالجاهل الذي لا يعرف أحكام دينه ولا ما ذكره العلماء في ذلك، فإنه لا تقوم به الحجة"
(3)
.
وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسؤال الآتي:
*
هل يمكن للرجل أن يقول لصاحبه أنت كافر قبل أن يعلمه بعمله
؟
فأجابت: "الحمد لله وحده والصلاة والسلام على وسوله وآله وصحبه .. وبعد: إذا كان صاحبه كافرًا فالمشروع أن يعلمه أن عمله كفر وينصحه بتركه بالأسلوب الحسن، فإذا لم يترك عمله الذي أوجب كفره أجريت عليه أحكام الكفار، وهو متوعد بما توعد الله به من مات على كفره من الكفار بالخلود في النار، والواجب التثبت في هذه الأمور وعدم التعجل بالتكفير حتى يتضح الدليل"
(4)
.
(1)
صيانة الإنسان من وساوس الشيخ دحلان ص 499 وللشيخ إسحاق بن عبد الرحمن كلام في الرد على من احتج بأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يكفِّر مَنْ عبد قبة الكواز وبيان المراد من ذلك.
انظر: فتاوى الأئمة النجدية (3/ 133 - 134) ط. ابن خزيمة.
(2)
حكم تكفير المعين ص 18. وانظر منهاج التأسيس والتقديس ص 98، 99.
(3)
منهاج الحق والاتباع ص 68.
(4)
اللجنة الدائمة، السؤال الخامس من الفتوى رقم 4446 عبد الله بن غديان عضو وعبد الرزاق عفيفي نائب الرئيس وعبد العزيز بن باز الرئيس.
وينبغي أن يُعلم أن هناك فرقًا بين صفة القيام في المسائل الظاهرة والمسائل الخفية، فإن صفة قيام الحجة في المسائل الظاهرة هي: بلوغ الدليل من القرآن والسنة، فمن بلغه الدليل أوسمع به فقد قامت عليه الحجة، ولا يُشترط التعريف من عالم أو غيره، فالحجة التي يرتفع بها الجهل ينقطع العذر بها في المسائل الظاهرة هي كتاب الله وسنة رسوله، والعبرة ببلوغ الحجة والسماع بها، وليست بفهم الحجة.
أما المسائل التي تخفى فيها طرق الأدلة، ويقع فيها التأويل بحيث يصعب على المكلف تحصيلها بنفسه؛ فصفة قيام الحجة فيها هي: بلوغ الدليل وشرحه، وتفهيم المراد منه، ورد الشبهات التي تعلق به ممن يحسن أن يفعل ذلك من أهل العلم
(1)
.
وبهذا يتبين صفة قيام الحجة.
يقول الإمام البخاري: "كل من يعرف الله بكلامه أنه غير مخلوق، فإنه يعلم ويرد جهله إلى الكتاب والسنة، فمن أبى بعد العلم به، كان معاندا، قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115]، قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)} [النساء: 115] "
(2)
.
قال ابن حزم رحمه الله: "وكل ما قلنا فيه أنه يفسق فاعله أو يكفر بعد قيام الحجة، فهو ما لم تقم الحجة عليه معذور مأجور وإن كان مخطأ، وصفة قيام الحجة عليه أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها وبالله التوفيق"
(3)
.
ويقول العلامة سليمان بن سحمان: "الذي يظهر لي - والله أعلم - أنها لا تقوم
(1)
عارض الجهل ص 139، 140.
(2)
خلق أفعال العباد ص 61.
(3)
الإحكام لابن حزم 1/ 71.
الحجة إلا بمن يحسن إقامتها، وأما من لا يحسن إقامتها كالجاهل الذي لا يعرف أحكام دينه ولا ما ذكره العلماء في ذلك، فإنه لا تقوم به الحجة"
(1)
.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم في أقسام الردة: "قسم يجحد ما علم بالضرورة فهذا يكفر بمجرد ذلك ولا يحتاج إلى تعريف، ما لم يكن حديث عهد بالإسلام"
(2)
.
* وعلى هذا فيجب التفريق بين بلوغ الحجة وفهم الحجة.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "ما ذكرتم من كلام الشيخ (ابن تيمية) كل من جحد كذا وكذا، وإنكم تسألون عن هؤلاء الطواغيت وأتباعهم؛ هل قامت عليهم الحجة أم لا؟ فهذا من العجب العجاب!! كيف تشُكُّون في هذا وقد أوضحت لكم مرارًا أن الذي لم تقم عليه الحجة هو حديث عهد بالإسلام، أو الذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون في مسائل خفية مثل الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يُعرَّف، وأما أصول الدين التي وضَّحها الله في كتابه، فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة. ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، كماقال تعالى:{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)} [الفرقان: 44].
وقيام الحجة وبلوغها نوع، وفهمهم إياها نوع آخر، وكفرهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها نوع آخر، فإن أشكل عليكم ذلك، فانظروا قوله صلى الله عليه وسلم في الخوارج:"أينما لقيتموهم فاقتلوهم".
وقوله: "شر قتلة تحت أديم السماء" مع كونهم في عصر الصحابة، ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم، ومع إجماع الناس: أن الذي أخرجهم من الدين، هو
(1)
منهاج الحق والاتباع ص 68.
(2)
فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 12/ 190.
التشدد والغلو والاجتهاد، وهم يظنون أنهم يطيعون الله، وقد بلغتهم الحجة، ولكن لم يفهموها.
وكذلك قتلى علي رضي الله عنه الذين اعتقدوا فيه، وتحريقهم بالنار، مع كونهم تلاميذ الصحابة، ومع عبادتهم وصلاتهم وصيامهم، وهم يظنون أنهم حق.
وكذلك إجماع السلف: على تكفير غلاة القدرية وغيرهم، مع علمهم وشدة عبادتهم وكونهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم لأجل كونهم لم يفهموا، فإن هؤلاء كلهم لم يفهموا"
(1)
.
ومن المسائل التي قد تخفى بعض مسائل الصفات قال الإمام الشافعي رحمه الله حين سئل عن صفات الله وما يؤمن به: "لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه أمته، ولا يسع أحد من خلق الله قامت عليه الحجة ردها؛ لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القول بها فيما روى عنه العدول، فإن خالف بعد ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يقدر بالعقل، ولا بالرؤية والقلب والفكر، ولا نكفر بالجهل بها أحدا إلا بعد انتهاء الخبر إليه به"
(2)
.
أما الكافر فإن قيام الحجة عليه يوضحها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "والحجة قامت بوجود الرسول المبلغ وتمكنهم من الاستماع والتدبر. لا بنفس الاستماع. ففي الكفار من تجنب سماع القرآن، واختار غيره، كما يتجنب كثير من المسلمين سماع أقوال أهل الكتاب وغيرهم، وإنما ينتفعون إذا ذكروا فتذكروا، كما قال: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10)} "
(3)
.
(1)
الدرر السنية 10/ 93، 94، ومجموع مؤلفات الشيخ 7/ 159.
(2)
مختصر العلو للذهبي ص 177.
(3)
مجموع الفتاوى (16/ 166) والآية 10 من سورة الأعلى.