الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حين فقدوهما ذهبوا في طلبهما كل مذهب من سائر الجهات. وجعلوا لمن ردهما أو أحدهما مائة من الإبل، واقتصوا آثارهما، وكان الذي يقتص الأثر لقريش سراقة بن مالك بن جعشم، حتى وصلوا الجبل الذي هما فيه.
• عن جندب بن سفيان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار، فنكبت إصبعه.
صحيح: رواه مسلم في الجهاد (1796: 113) من طرق عن ابن عيينة، عن الأسود بن قيس، عن جندب بن عبد الله فذكره.
وقوله: "غار" هنا تصحيف من "غازيًا" كما في الرواية الأخرى: كان في بعض المشاهد. انظر البخاري (2802) ومسلم (112: 1796). إلا أن بعض أهل العلم جعلوا الغار هنا غار ثور، عند هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.
14 - باب ما رُويَ في قصة نسج العنكبوت على الغار
روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ} [الأنفال: 30] قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح، فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله عز وجل نبيه على ذلك، فبات عليّ على فراش النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًّا، يَحَسبُونه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا عليًّا، رد الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري. فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل خلط عليهم، فصعدوا في الجبل، فمرّوا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا، لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال.
رواه أحمد (3251) عن عبد الرزاق، حدثنا معمر، قال: وأخبرني عثمان الجزري، أن مقسمًا مولى ابن عباس أخبره، عن ابن عباس، فذكره. وهو في مصنف عبد الرزاق (5/ 384 - 389) مطولا، ومن طريقه أخرجه الطبراني في الكبير (12155).
وعثمان الجزري هذا ليس هو المترجم في التهذيب باسم عثمان بن عمرو بن ساج القرشي أبو ساج الجزري مولى بني أمية وقد ينسب إلى جده.
فإنه لم يرو عن مقسم، كما لم يرو عنه معمر، وإنما هو ما ذكره البخاري في التاريخ الكبير (6/ 258) فذكر من الرواة عنه معمر، وهو يروي عن مقسم، عن ابن عباس إلا أنه لم يكمله اسمه.
وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (6/ 174): عثمان الجزري ويقال له: عثمان المشاهد روى عن مقسم، روى عنه معمر والنعمان بن راشد سمعت أبي يقول ذلك.
ثم روي عن الإمام أحمد أنه سئل عن عثمان الجزري فقال: روى أحاديث مناكير، زعموا أنه
ذهب كتابه.
قال عبد الرحمن: "سألت أبي عن عثمان الجزري فقال: لا أعلم روى عنه غير معمر والنعمان. انتهى.
فإن كان عثمان الجزري هو هذا فهو صاحب المناكير ومجهول وظن الهيثمي في "المجمع"(7/ 27) بأنه عثمان بن عمرو الجزري فقال: وثّقه ابن حبان وضعّفه غيره.
وكذلك ظن الحافظ ابن كثير في تاريخه (4/ 415) أنه عثمان بن عمرو الجزري فقال: هذا إسناد حسن، وهو من أجود ما رُوي في قصة نسج العنكبوت على فم الغار. وذلك من حماية الله لرسوله صلى الله عليه وسلم.
وحسّنه أيضًا الحافظ في الفتح (7/ 236) وقد عرفت حال عثمان الجزري، ولعله حسّنه لشهرته في كتب السير والتواريخ، والله تعالى أعلم.
وبمعناه رُوي عن الحسن مرسلًا قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار، وجاءت قريش يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوا على باب الغار نسج العنكبوت قالوا: لم يدخل أحد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قائما يصلي وأبو بكر يرتقب، فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: هؤلاء قومك يطلبونك، أما والله ما على نفسي أبكي، ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"يا أبا بكر لا تخف إن الله معنا".
رواه أبو بكر المروزي في مسند أبي بكر (73) وذكره ابن كثير في "البداية والنهاية"(4/ 451) وقال: "وهذا مرسل عن الحسن. وهو حسن بحاله من الشاهد وفيه زيادة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الغار. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلّى.
وكذلك لا يصح ما رواه أبو مصعب المكي قال: أدركت أنس بن مالك وزيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة، فسمعتهم يتحدثون "أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر الله عز وجل بشجرة فنبتت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم فسترته، وأمر الله العنكبوت فنسجت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم فسترته، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن رجل، بعصيهم وهراويهم وسيوفهم، حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم أربعين ذراعًا، فجعل رجل منهم لينظر في الغار فرأى حمامتين بفم الغار، فرجع إلى أصحابه فقالوا له: ما لك لم تنظر في الغار؟ فقال: رأيت حمامتين بفم الغار، فعلمت أنه ليس فيه أحد، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ما قال، فعرف أن الله عز وجل قد درأ عنه بهما، فدعاهن النبي صلى الله عليه وسلم فسمَّت عليهن وفرض جزاءَهُنَّ وانحدرن في الحرم.
رواه ابن سعد (1/ 228 - 229) والبزار - كشف الأستار (1741) والطبراني في الكبير (20/ 443) والبيهقي في الدلائل (2/ 481 - 482) كلهم من طريق عون بن عمرو القيسي، قال: سمعت أبا مصعب المكي قال: فذكره.
قال البزار: لا نعلم رواه إلا عوين بن عمير وهو بصري مشهور، وأبو مصعب لا نعلم حدّث
عنه إلا عوين، وكان عوين ورباح أخوين.
قلت: فيه علتان:
إحداهما: عون بن عمرو أخو رباح بن عمرو يقال عوين أيضًا بصري ضعيف. قال ابن معين: لا شيء، وقال البخاري: منكر الحديث مجهول.
وأورد الذهبي في ميزانه هذا الحديث لذكر مناكيره.
والثانية: أبو مصعب المكي قال فيه العقيلي: مجهول وقال الذهبي في الميزان: لا يعرف.
قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (4/ 453 - 454)"هذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه. وقد رواه الحافظ أبو نعيم من حديث مسلم بن إبراهيم وغيره، عن عون بن عمرو - وهو الملقب بعُوين - بإسناده مثله، وفيه أن جميع حمام مكة من نسل تينك الحمامتين، وفي هذا الحديث أن القائف الذي اقتفى لهم الأثر: سراقة بن مالك المدلجي، وقد روى الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه أن الذي اقتفى لهم الأثر: كُرز بن علقمة" انتهى.
قلت: اللفظ الذي ساقه ابن كثير عن الحافظ ابن عساكر جاء فيه ذكر سراقة بن مالك. وعلاوة على ذلك فإن أبا بكر أمر ابنه عبد الله أن يسمع ما يقوله الناس فيأتيه بالليل في الغار، ثم يرجع إلى مكة في السحر كما عند البخاري في حديث الهجرة الطويل (3905)، وكذلك أمر مولاه عامر بن فُهيرة أن يرعى غنمه نهاره فإذا أمسى أتى بها ليطعما من ألبانها، وكذلك كانت أسماء تأتيهما بالطعام في كل مساء، فإذا كان على الغار نسيج العنكبوت أونبت عليه الشجرة فكيف يتمكن هؤلاء الدخول فيه والخروج منه كل يوم.
والخلاصة فيه كما قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرح العقيدة الواسطية: قوله هنا: {لَا تَحْزَنْ} : نهي يشمل الهم مما وقع وما سيقع؛ فهو صالح للماضي والمستقبل. والحزن: تألّم النفس وشدة همها.
{إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} : وهذه المعية خاصة، مقيدة بالنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وتقتضي مع الاحاطة التي هي المعية العامة النصر والتأييد. ولهذا وقفت قريش على الغار، ولم يبصروهما! أعمى الله أبصارهم.
وأما قول مَن قال: فجاءت العنكبوت فنسجت على باب الغار، والحمامة وقعت على باب الغار، فلما جاء المشركون، وإذا على الغار حمامة وعش عنكبوت، فقالوا: ليس فيه أحد؛ فانصرفوا. فهذا باطل! !
الحماية الإلهية والآية البالغة أن يكون الغار مفتوحًا صافيًا؛ ليس فيه مانع حسي، ومع ذلك لا يرون مَن فيه، هذه هي الآية أ!
أما أن تأتي حمامة وعنكبوت تعشش؛ فهذا بعيد، وخلاف قوله:"لو نظر أحدهم إلى قدمه، لأبصرنا". انتهى قوله.