الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
10 - شرع من قبلنا:
والمراد به عند الأصوليين: شرع من قبلنا من الأمم إذا ثبت في شريعتنا ولم يقم دليل على نفيه عنا أَوْ مطالبتنا به (1).
وشرع من قبلنا من الأمم إذا ثبت في شريعتنا لا يخلو من ثلاثة أمور، هي (2):
1 -
أَنْ يقوم الدليل على مطالبتنا به: فقد اتفق العلماء على أَنَّه شرع لنا، كمطالبتنا بالصيام في الجملة.
قال - تعالى -: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
2 -
أَنْ يقوم الدليل على نفيه عنا: فقد اتفق العلماء على أَنّه ليس شرعًا لنا.
قال - تعالى -: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [الأنعام: 146].
3 -
أَلَّا يقوم دليل على مطالبتنا به ولا على نفيه عنا: فهذا هو المراد هنا، ومثاله قوله - تعالى -:{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45].
(1) شرح مختصر الروضة 3/ 169، شرح الكوكب المنير 4/ 412.
(2)
أصول مذهب الإِمام أحمد 483.
والاعتداد بهذا الدليل (شرع من قبلنا) دليلًا لشرعية الأحكام هو مذهب فريق من العلماء، وهو منقول عن أَصْحَاب أبي حنيفة، وعن بعض أَصْحَاب الشافعي، ومالك، وهو ترجيح جمهور الحنابلة، وأَصَحُّ الروايتين عن أحمد؛ يَدُلُّ لذلك قوله - تعالى -:{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل: 123]، وقوله - تعالى -:{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90].
ففي هاتين الآيتين الأمر باتباع الأنبياء قبلنا، فدَلَّ على حجية الأخذ بما في شريعتهم إذا لم يخالف شريعتنا.
وقد خالف في ذلك - أي: في الاستدلال بشرع من قبلنا - بعض الشافعية، وهو رواية عن أحمد، وقول آخرين من الأصوليين (1).
ولكن الراجح هو الأول، وليس هذا موضع تتبع أدلة الفريقين ومناقشتها؛ لأَنَّ القصد الإِشارة إلى هذا الدليل بإيجاز.
هذه لمحة إجمالية أردت بها تنبيه المبتدئ وتذكير المنتهي بأدلة شرعية الأحكام، ومن أراد التفصيل في كل دليل فعليه بكتب الأصول.
(1) الإِحكام للآمدي 4/ 147، البرهان للجويني 1/ 331، البحر المحيط 6/ 41، شرح مختصر الروضة 3/ 169، شرح الكوكب المنير 4/ 412، أصول مذهب الإِمام أحمد 485، 486، 491، الشرائع السابقة ومدى حجيتها للدرويش 269.
تنبيه: العرف ليس من أدلة شرعية الأحكام بل من أدلة وقوعها:
ذكر بعض الأصوليين أَنَّ العرف أصل من الأصول التي يستند إليها في الأحكام إذا لم يكن نَصٌّ (1).
وهذا إذا أريد به أَنَّ الأعراف مستند لإِنشاء الأحكام ودليل على شرعيتها، كدلالة الكتاب، والسُّنَّة، والإِجماع، والقياس، وغيرها من طرق شرعية الأحكام إذا أريد به ذلك فإنَّه لا يَصِحّ؛ لأَنَّ العرف ليس دليلًا على شرعية الحكم، بل دليل على وقوع مُعَرِّفَاته من السبب، والشرط، والمانع، فهو يَدُلُّ على وقوع السبب، ككون ما قام به الصانع أَوْ الراعي يُعَدُّ تعديًا أَوْ تفريطًا، فيجب عليه الضمان بالشرع؛ لأَنَّه مفرط أَوْ مُتَعَدٍّ، أَوْ كون عطل الآلة عيبًا ينقص من ثمن المبيع، فيجب الرد بالشرع (2).
كما يَدُلُّ على وقوع الشرط، مثل معرفة منفعة سكنى الدار والتي هي شرط في عقد الإِجارة، وتعرف المنفعة بالعرف (3)، ومعرفة كون مكان الحفظ حرزًا في السرقة (4).
(1) انظر بعض القائلين بذلك في: أصول مذهب الإِمام أحمد 531، الاستدلال عند الأصوليين 127، وفي شرح تنقيح الفصول 445: عدَّ القرافي (العوائد) من أدلة شرعية الأحكام.
(2)
انظر الأمثلة في: بدائع الفوائد 4/ 12، 15، الكشاف 4/ 36.
(3)
انظر المثال في: الروض المربع 5/ 295.
(4)
الأشباه والنظائر للسيوطي 98.
كما يَدُلُّ على وقوع المانع، مثل معرفة غنى الشخص المانع له من استحقاق الزكاة؛ فإنَّ ذلك يعرف بالعرف، ولا يكون العرف مستندًا لإِنشاء الأحكام من كون هذا الشيء حرامًا، أَوْ واجبًا، أَوْ سببًا، أَوْ شرطًا، أَوْ مانعًا، وإنَّما يعرف به وقوع السبب، أَوْ الشرط، أَوْ المانع على نحو ما مثلنا، والتي يحتاج إليها المفتي والقاضي وكل مكلف لإِيقاع الأحكام على محالها (1).
وما يذكره بعض الفقهاء من أَنَّ هناك عقودًا بُعِث النبي صلى الله عليه وسلم والناس يتعاملون بها ولم ينكرها، مثل المضاربة، وعدُّوا ذلك دليلًا على شرعيتها - فإنَّ أصل شرعيتها ليس العرف وإنَّما إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، فهو من السُّنَّة التقريرية (2).
وبما ذكرناه من أَنَّ العرف دليل على وقوع الحكم لا على شرعيته جرت أقلام العلماء، ومن ذلك ما يلي:
يقول الشيخ محمد فرج السنهوري (معاصر): "لا حاكم سوى الله - سبحانه -، ولا حكم إلَّا ما حكم به، ولا شرع إلَّا ما شرعه، على هذا اتفق المسلمون، وقال به جميعهم حتى المعتزلة الذين يقولون: إنَّ في الأفعال حسنًا وقبحًا يستقل العقل بإدراكهما، وإنَّ على
(1) الفروق 1/ 128، المنهاج القرآني للتشريع 300، 301، وأشار إلى نقله عن الشيخ محمد السنهوري، وسيأتي نص كلامه، القرار الخامس للمجمع الفقهي بمكة المكرمة في دورته الأولى، أصول مذهب الإِمام أحمد 670.
(2)
المبسوط 22/ 19، بدائع الصنائع 6/ 79، أصول مذهب الإِمام أحمد 532.
الله أَنْ يأمر وينهى على وفق ما في الأفعال من حسن وقبيح، فالحاكم عند الجميع هو الله سبحانه وتعالى والحكم حكمه، وهو الشارع لا غيره، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أطلق عليه اسم (الشارع) في بعض عبارات العلماء فما كان ذلك إلَّا تجوزًا؛ مراعاة لأَنَّه المبلغ عنه، وإذا كان الشاطبي في بعض المواطن قد سمى عمل المجتهد تشريعًا فما كان ذلك منه إلَّا تساهلًا أساغه أَنَّ عمل المجتهد كاشف عن التشريع ومظهر له، فالسلطة التشريعية هي لله وحده، والشريعة أَوْ الشرعة أَوْ الشرع فيما يختص بالعمليات هي حكم الله - تعالى - وهو أثر خطابه - جلَّ شأنه - المتعلق بأفعال العباد اقتضاءً، أَوْ تخييرًا، أَوْ وضعًا.
والله - جلت حكمته - لم يُفَوِّض إلى أحد من عباده لا إلى رسول، ولا نبي، ولا إمام، ولا ولي، ولا إلى غيرهم - أَنْ يشرع للناس من الأحكام ما يريد، أَوْ أَنْ يحكم بينهم بما يراه هو من عند نفسه وكيف ما اتفق.
أَمَّا العرف فلا توجد إحالة تشريعية إلى أحكامه، إنَّما يُلجأ إليه في معرفة ما يريده المتكلم من الأيمان، والعقود، وما إلى ذلك، وفي معرفة قِيم المتلفات وأشباهها، وفي الوقوف على الشروط التي يُصحَّحُ العرف اشتراطها في العقود، هذا كل ما يُلجأ إليه فيه إلى العرف، ولا يُلجأ إليه في معرفة حكم تشريعي ليُطبق، وإنَّما يلجأ إليه في تكييف الواقعات، والنوازل، ليطبق عليها الحكم المعروف في الشريعة، ولا
يترك بسببه حكم نَصٌّ ولا إجماعٌ ولا حكمٌ فقهيٌّ لم يكن مبنيًّا على العرف، وإنَّما يترك به الحكم الفقهي إذا كان مبنيًا على عرف ثم تغير إلى عرف آخر.
فاعتبار العرف في الشريعة الإِسلامية ليس من باب الِإحالة التشريعية، كما أَنَّه ليس من الأدلة الإِجمالية، ولا يعدو أَنْ يكون قاعدة فقهية" (1).
وفي قرار للمجمع الفقهي بمكة المكرمة: "ليس العرف من أدلة تشريع الأحكام، وإنَّما يبنى عليه في تطبيق الأحكام، وفهمِ المراد من ألفاظ النُّصُوص، ومن عبارات الناس في أيمانهم، وتداعيهم، وأخبارهم، وسائر ما يحتاجون إلى تحديد المقصود منه من الأفعال والأقوال، فلا تأثير له فيما تبين أمره وتعين المقصود منه
…
" (2).
ويقول الشيخ عبد الله التركي (معاصر): "فالعرف يجب أَنْ
(1) هذا النَّصّ للشيخ السنهوري مُدَوَّن في كتاب: دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين لمحمد الغزالي (ط: الثانية، دار الكتب الحديثة) نقلًا عن كتاب: المنهاج القرآني في التشريع لعبد الستار فتح الله سعيد 300، 301، وذكر هذا الأخير: أنه لم يقف على مرجع هذا النَّصّ الدقيق المحرر فيما قرأه من كتب الشيخ السنهوري رغم حرصه على ذلك.
(2)
القرار الخامس للمجمع في دورته الأولى المنشور مع قرارات المجمع من عام 1398 - 1405 هـ.
يكون تابعًا للشريعة لا مصادمًا لها، ولو قيل: إنَّ العرف هو الحاكم والمؤثر في الأحكام لنسخت أحكام الشريعة كلها، وما أُنْكِر على أَنْ يتعارف أي قوم على نظام يسودهم ويحتكمون إليه، لكن المقصود بملاحظة العادات: هو في المجال التطبيقي وما أحال الشرع الحكم فيه على العرف، كالتقديرات والتعويضات، والإِقرارات، وحمل كلام الناس وعقودهم وشروطهم على ما تعارفوا عليه، فهذا هو الذي يختلف باختلاف الأمكنة، والأزمنة، والأحوال، والظروف، أَمَّا أصل خطاب الشارع وأحكامه وقواعده فلا تتغير؛ لأَنَّها أبدية، ولا يؤثر فيها اختلاف مكان أَوْ زمن أَوْ حالة، فهي صالحة لكل الناس في مختلف البيئات، والعصور، والأمكنة" (1).
وما مَرَّ من كلام الشيخ السنهوري، وقرار المجمع، وكلام الشيخ التركي في العرف ظاهرٌ، فالعرف كاشف ومبين للوقائع ولا ينشئ الأحكام، وسر المسألة: أنَّ العرف ليس مصدرًا تشريعيًّا من أدلة شرعية الأحكام، وإنَّما هو دليل من أدلة وقوع مُعَرِّفَات الأحكام، وفرق بين الدليلين دليلِ وقوع المُعَرِّفَات، ودليلِ الشرعية (2).
وممَّا يجب التنبيه عليه أنَّ العرف حال نزول القرآن وورود الحديث ملحوظٌ عند تفسير النصوص، فإنَّ معرفة حال العرب وعرفها
(1) أصول مذهب الإِمام أحمد 670.
(2)
انظر الفروق بين الدليلين في المطلب الثاني من المبحث الأول من هذا الفصل.
وما كانت تفعله وتقوله وقت التنزيل طريق من طرق فهم معنى الآية أو الحديث عند التباسه (1).
* * *
(1) الموافقات 2/ 82، 3/ 351، مجموع الفتاوى 29/ 83 - 85، مذكرة الشنقيطي 221، رفع الحرج للباحسين 353.