الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد اختلفت طرق فقهاء المذاهب في الترجيح بين الأقوال في المذهب، وسوف أذكر طريقة كل مذهب مستقبلًا، وذلك فيما يلي:
(أ) مذهب الحنفية:
لقد قرر فقهاء الحنفية طرق ترتيب وترجيح الأقوال عندهم عند تَعَدُّدها في المذهب، وحاصلها ما يلي (1):
1 -
ما كان أقوى حجة ودليلًا إذا كان لدى الناظر في الأقوال من مفتٍ وقاضٍ أهليةُ النظر في الأدلة.
2 -
ما جرى به العمل وعليه الفتوى في المذهب.
3 -
ما في ظاهر الراوية والمذهب، فيقدم ظاهر المذهب على الرواية الشاذة إلَّا أَنْ يُنَصَّ على الأخذ بها، وهكذا إذا لم يوجد في ظاهر الرواية شيء أخذ بخلاف ظاهر الرواية.
وظاهر الرواية: هي المسائل المذكورة في كتب الإِمام محمد (ت: 189 هـ) الستة، وهي: المبسوط، والزيادات، والجامع الصغير، والسير الصغير، والجامع الكبير، والسير الكبير، وسميت بظاهر الرواية لأَنها رُوِيَتْ عن محمد روايات الثقات، فهي ثابتة عنه ومتواترة أَوْ مشهورة.
(1) حاشية ابن عابدين 4/ 302، درر الحكام لحيدر 4/ 550 - 553، تاريخ القضاء لعرنوس 160، رسم المفتي 21، 25، 28، 33، 34، 37، 39، الفواكه البدرية 61.
أَمَّا كتب غير ظاهر الرواية فهي الكتب التي لم تُرْوَ عن محمد بروايات ظاهرة ثابتة صَحِيحة، ويقال لها: مسائل النوادر، وهي غير مذكورة في الكتب الستة المذكورة آنفًا، بل هي مذكورة في كتب أخرى، إما في الكتب المنسوبة للِإمام محمد، كالهارونيات، والكيسانيات، والجرجانيات، والرقيات، وإما مذكورة في كتب الحسن بن زياد (ت: 204 هـ).
وهناك مسائل يقال لها عند الحنفية: مسائل الواقعات، وهي التي لم تُرْوَ عن المجتهد المطلق في الشرع، ولا المجتهد في المذهب، وإنَّما هي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون دعت إليها الإِجابة على أسئلة وقعت لهم.
4 -
إذا ذكر الخلاف في مسألة واستدَلَّ لأحدها فالراجح المستدل له.
وهكذا إذا نقل قولان في المسألة وعلل لأحدهما فالراجح المعلل له.
وإذا كان أحد القولين مبنيًا على الاستحسان والآخر على القياس قُدِّم ما بنى على الاستحسان إلَّا في مسائل مستثناة.
5 -
يرجح من الأقوال ما كان أوفق بأهل الزمان، كما في الأخذ بتزكية الشهود للصاحبين - أبي يوسف ومحمد بن الحسن- على ظاهر العدالة لأبي حنيفة (ت: 150 هـ)، وذلك لفُشُوِّ الكذب
في الناس، وهكذا جميع ما كان الاختلاف فيه اختلاف عصر وزمان مما كان مبنيًا على أعراف طارئة، أَوْ مصالح مؤقتة.
6 -
يقدم قول أبي حنيفة، ثم قول أبي يوسف (ت: 183 هـ)، ثم قول محمد، ثم قول زفر (ت: 158 هـ)، والحسن بن زياد (ت: 204 هـ)، وذلك في الجملة، ويقدم قول أبي يوسف على قول أبي حنيفة في مسائل القضاء والشهادة؛ لأَنَّه قد اشتغل بالقضاء، وحصل له بذلك زيادة تجربة.
كما يقدم القول المصرح بترجيحه عند المتأخرين من غير مراعاة لذلك الترتيب.
7 -
يقدم ما في المتون على ما في الشروح والفتاوى، وما في الشروح على ما في الفتاوى؛ لأَنَّ المتون وضعت لنقل الصَّحِيح من المذهب.
والمراد بالمتون: ما كان معتدًّا به، كالبداية، والمختار، والنقاية، والوقاية، والكنز، والملتقى، بخلاف متن الغرر لمنلا خسرو (ت: 855 هـ)، ومتن التنوير للتمرتاشي الغزي (كان حيًّا عام 1006 هـ)، فإن فيها كثيرًا من مسائل الفتوى.
8 -
التَّصْحِيح الصريح مقدم على التَّصْحِيح الالتزامي.
والمراد بالصريح: ما صرح فيه بالصِّحَّة فقيه معتد به.
والمراد بالالتزامي: ما التزم به الفقيه المعتد به عند كتابة مؤلفه في الفقه.
9 -
إذا صحح قولًا عالمان قُدِّم تَصْحِيح الأعلم، فإن كانوا أكثر من ذلك فيقدم ما قال به جل وأكثر المشايخ العظام.
10 -
لا يحكم القاضي الحنفي إلَّا بالقول الصَّحِيح والمفتى به في مذهبه، ولا يحكم بالقول الضعيف وغير المفتى به، وإذا فعل ذلك فلا يمضي حكمه ولا ينفذ، بل ينقض، لكن إذا كان ثَمَّ ضرورة جاز العدول عن القول الراجح إلى المرجوح، قال ابن عابدين (ت: 1252 هـ): "إنَّه إذا اتفق أبو حنيفة وصاحباه على جواب لم يجز العدول عنه إلَّا لضرورة"(1).
ألفاظ وعبارات الترجيح عند الحنفية:
يطلق المرجحون في المذهب عبارات تَدُلُّ على ذلك، منها: عليه الفتوى، وهو الصَّحِيح، وهو الأَصحُّ، وهو الأظهر، وهو المختار في زماننا، وفتوى مشائخنا، وهو الأشبه، وهو الأوجه،
(1) رسم المفتي 26، وانظر في الأخذ بالقول المرجوح في القضاء والفتيا: المطلب الأول من المبحث الرابع من الفصل الرابع من الباب الأول.
فائدة: وفي المصطلحات الخَاصَّة بألفاظ أبي حنيفة مثل: الكراهة، والتحريم، ولا خلاف فيه، ولا يطيب لي الربح، ولا بأس به، ومستحب، وسنة لا يجوز تركها، والفرض، والواجب، وغيرها راجع:[مناهج التشريع الإِسلامي في القرن الثاني الهجري 1/ 387 - 390].