الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني الإِفادة من التراث الفقهي
والمراد بالتراث الفقهي: ما قرره الفقهاء من أحكام اجتهادية مستفادة من الأدلة الشرعية.
ولا يدخل في ذلك الإِجماع والنُّصُوص الشرعية الصريحة، فهي حجة بذاتها، ومعصومة من الخطأ (1).
ولقد قرر فقهاؤنا وحرروا أحكامًا فقهية كثيرة تناقلتها الأجيال في مدونات مشتهرة، وتعاقبوها بالمراجعة والتمحيص، وكانت هذه المدونات ذخيرة فقهية ضخمة لا يستغني عن مطالعتها طالب العلم مهما علا قدره في الفقه واشتد ساعده فيه، والإِعراضُ عنها ربما أدى بالفقيه إلى خرق الإِجماع، وفي مراجعتها والاستعانة بها في تقرير الأحكام اختصار لطريق طويل ربما سلكه الفقيه للاجتهاد في المسألة وهي مقررة محررة بأدلتها واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.
كما أَنَّ الفقيه إذا نظر في آراء من تقدمه المقرونة بأدلتها ربما
(1) فقه التدين 1/ 66 - 68.
انفتح له أفقٌ من الاستنباط والتأصيل والتقعيد ممن سبقه لم يخطر له على بال لو أعرض عن هذا التراث وأهمله (1).
ولقد كان الإِمام أحمد (ت: 241 هـ) يقول لبعض أَصْحَابه: "إياك أَنْ تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام"(2)، وكان يقول -أيضًا-:"إذا جاءت المسألة ليس فيها أثر فأَفْتِ فيها بقول الشافعي"(3)، وكان يقول -أيضًا -كما في رواية المروذي (ت: 275 هـ): "إذا سئلتُ عن مسألة لم أعرف فيها خبرًا قلتُ فيها بقول الشافعي؛ لأَنَّه إمام عالم من قريش"(4).
وقال الشافعي (ت: 204 هـ) في مسألة في الحج: "قلته تقليدًا لعطاء"(5)، فتواصل الفقهاء مستمر دائم، يستفيد لاحقهم من سابقهم ولو كان إمامًا مجتهدًا؛ لأَنَه يجدهم قد كَفَوْهُ مؤونة التصوير، والتأصيل، والتفصيل، فينظر في أقاويلهم فيسبرها ويخبرها وينتقدها، فيختار أرجحها وأصحها، فيكون هو متفرغًا للاختيار، والتنقيح، والتكميل (6).
(1) الغياثي 401، الاجتهاد للأفغانستاني 516 - 521، فقه التدين 1/ 68.
(2)
صفة الفتوى 30، 105، تهذيب الأجوبة 17.
(3)
تهذيب الأسماء واللغات 1/ 60، الكشاف 6/ 302.
(4)
الكشاف 6/ 302.
(5)
إعلام الموقعين 4/ 212.
(6)
صفة الفتوى 74، المجموع 1/ 96، الغياثي 266.
وقد كان العلماء المحققون يهدون إلى هذه الطريقة، ويؤكدون على أَنَّ من أراد الكتابة والتأليف فعليه الإِفادة ممن سبقه، يقول القاضي الخُوَيِّي الشافعي (ت: 693 هـ): "واعلم أَنَّ بعض الناس يفتخر ويقول: كتبت هذا وما طالعت شيئًا من الكتب، ويظن أَنّه فخر، ولا يعلم أَنَّ ذلك غاية النقص؛ فإنَّه لا يعلم مزية ما قاله على ما قيل، ولا مزية ما قيل على ما قاله، فبماذا يفتخر؟ ! ومع هذا ما كتبت شيئًا إلَّا خائفًا من الله، مستعينًا به، معتمدًا عليه، فما كان حَسَنًا فمن الله وفضله بوسيلة مطالعة كلام عباد الله الصالحين، وما كان ضعيفًا فمن النفس الأَمَّارَة بالسوء"(1).
لكن لا بُدَّ من معرفة الدليل والمأخذ حتى يكون على يقين فيما يأخذ ويدع، وما يخرِّج وما يلحق، يقول ابن السبكي (ت: 771 هـ): "فإنَّ المرء إذا لم يعرف علم الخلاف والمأخذ لا يكون فقيهًا إلى أَنْ يلج الجمل في سَمِّ الخِياط، وإنَّما يكون ناقلًا مخبطًا، حامل فقه إلى غيره، لا قدرة له على تخريج حادثٍ بموجود، ولا قياس مستقبلٍ بحاضر، ولا إلحاق غائبٍ بشاهد، وما أسرع الخطأ إليه! وأكثر تزاحم الغلط عليه! وأبعد الفقه لديه! "(2).
ولذا فإنَّ القاضي والمفتي حين يقرر الحكم الفقهي للتَّوْصيف يستفيد من غيره، وإذا وقف على المسألة مقررة بدليلها وكان الدليل
(1) البرهان في علوم القرآن 1/ 16.
(2)
طبقات الشافعية الكبرى 1/ 319.
ظاهرًا اتبع صاحبه وأخذ بقوله، وقد ذكر العلماء أَنَّ من أدب الحكام أَنْ يكون الحاكم مستحضرًا أحكامًا كثيرة، وعنده القدرة على الرجوع إلى الكتب الفقهية والإِفادة منها (1)، يقول ابن عاشور (ت: 1393 هـ): "ومن الواجب أَنْ يكون القاضي مستحضرًا للأحكام الشرعية في المسائل الكثيرة النزول، ومقتدرًا على الاطلاع على أحكام ونوادر النوازل عند دعاء الحاجة إليها بسهولة؛ لكونه دارسًا لكتب الفقه، متضلعًا بطرق الاستفادة منها"(2).
وأوجب بعض الفقهاء على الحاكم والمفتي النظر والترجيح بين الأقوال والأوجه عند الحكم والقضاء (3)، وكل ذلك يؤكد أهمية الاتباع والاعتناء به، ولا يعني ذلك وجوب الالتزام بكل ما كتبه الفقهاء، بل الاستعانة به، والأخذ بما وافق الدليل (4) من غير دعوى للاجتهاد.
* * *
(1) أدب المفتي والمستفتي لابن الصلاح 88، المجموع 1/ 77.
(2)
مقاصد الشريعة 196، وفي المعنى نفسه انظر: صفة الفتوى 23.
(3)
الكشاف 6/ 296.
(4)
تيسير العزيز الحميد 486.