الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الأول الحاجة إلى معرفة أسباب النزول عند تفسير نُصُوص الأحكام الكلية
المراد بسبب النزول: هو ما نزلت الآية أَوْ الآيات من القرآن الكريم متحدثة عنه أَوْ مبينة لحكمه أيام وقوعه (1).
فإذا وقعت حادثة زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أَوْ جاءه سؤال فنزل القرآن بآية أَوْ آيات مبينًا حكم تلك الحادثة، أَوْ جواب هذا السؤال، فتكون هذه الآية أَوْ الآيات نزلت لذلك السبب (2).
ومعرفة سبب النزول تعين على تفسير النَّصّ وبيانه، وتُعَرِّف وتَدُلُّ على حكمة التشريع، مما يعين على استنباط الحكم وتقريره، وفهم معناه وتفسيره (3).
يقول ابن تَيْمِيَّةَ (ت: 728 هـ): "ومعرفة سبب النزول يعين
(1) مناهل العرفان 2/ 99.
(2)
المرجع السابق.
(3)
البرهان في علوم القرآن 1/ 22، أسباب النزول للواحدي 4، الموافقات 3/ 347، الإِتقان للسيوطي 1/ 38.
على فهم الآية، فإنَّ العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، ولهذا كان أَصَحُّ قولي الفقهاء أَنَّه إذا لم يعرف ما نواه الحالف رجع إلى سبب يمينه وما هيجها وأثارها" (1).
مثال ذلك: قوله- تعالى-: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188)} [آل عمران: 188].
فقد أشكل على مروان بن الحكم ابن أبي العاص (ت: 65 هـ) معنى هذه الآية حتى بَيَّن له ابن عباس معناها مقرونًا بسبب نزولها.
فعن ابن أبي مليكة أَنَّ علقمة ابن أبي وقاص أخبره أَنَّ مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أَنْ يحمد بما لم يعمل معذبًا لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه؟ إنَّما دعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم يهودَ، فسألهم عن شيء، فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم، ثم قرأ ابن عباس:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} كذلك حتى قوله: {يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} [آل عمران: 188، 187](2).
(1) مقدمة في أصول التفسير 47.
(2)
متفق عليه، فقد رواه البخاري (الفتح 8/ 233)، وهو برقم 4568، ومسلم 4/ 2143، وهو برقم 8/ 2778.
وهكذا سبب ورود الحديث كسبب النزول مما يعين على فهم الحديث، وتفسيره، واستنباط الحكم وتقريره (1)؛ قال السيوطي (ت: 911 هـ): "فبذكر السبب يتبين الفقه في المسألة"(2).
مثال ذلك: عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي"(3).
وهذا النهي عن التكني بكنية النبي صلى الله عليه وسلم ليس على عمومه، بل هو خَاصّ بحياته صلى الله عليه وسلم، فبعد وفاته لا يكره التكني بكنيته (4)؛ لأَنَّ التكنية بكنيته في حياته مما يجعله ملتبسًا بغيره عند مناداته، فَمُنع ذلك في حياته، وجاز بعدها؛ يبين ذلك سبب ورود الحديث: فعن أنس بن مالك- رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم في السوق، فقال رجل: يا أبا القاسم، فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنّما دعوت هذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي"(5).
(1) أسباب ورود الحديث 65، ومقدمة المحقق عليه 11 - 17، البيان والتعريف 1/ 32، الموافقات 3/ 352.
(2)
تدريب الراوي 2/ 395.
(3)
متفق عليه، فقد رواه البخاري (الفتح 6/ 560) وهو برقم 3538، ومسلم 3/ 1682، وهو برقم 2133/ 3 - 6.
(4)
تصحيح الفروع 3/ 565، الكشاف 3/ 27، حاشية ابن قاسم على الروض المربع 4/ 247، فتح الباري 10/ 572، شرح النووي لمسلم 14/ 112.
(5)
متفق عليه، فقد رواه البخاري (الفتح 4/ 339)، وهو برقم 2120، ورقم 2121، ومسلم 3/ 1682، وهو برقم 2131.