الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الموضوع السادس
ثمرة تَوْصِيف الأَقْضِيَة
إنَّ الثمرة العظمى من فن تَوْصِيف الأَقْضِيَة هي العلم بصفة تنزيل الأحكام الكلية على الوقائع القضائية.
وثمَّ فوائد وثمرات أخرى لتَوْصِيف الأَقْضِيَة بالنظر إلى كونه عملًا يؤديه القاضي، وهي:
1 -
أنَّ تَوْصِيف الأَقْضِيَة هو العمل الذي تتحول به الأحكام الكلية من معان مجردة في الأذهان إلى وقائع مشخصة على الوقائع والأعيان، فالأحكام الكلية من حظر وإباحة وغيرها منزلة على صفات مفترضة، وإنَّما تصير للأعيان بتنزيلها على الوقائع (1).
2 -
أَنَّ التَّوْصِيف يعين القاضي والمفتي على الاهتداء إلى الحكم على الواقعة، فيقل خطؤه ويسلم من الاضطراب في الأحكام، كالطبيب إذا عرف الداء سهل عليه معرفة الدواء، وإذا
(1) الموافقات 4/ 89 - 93، مصادر المعرفة للزنيدي 429.
جهل الداء لم يعرف الدواء فالتَّوْصِيف هو الطريق إلى الحل الصَّحِيح والحكم السليم الذي إذا أعرض عنه القاضي والمفتي أَوْ لم يهتد إليه كان حكمه حدسًا وتخمينًا.
يقول الجويني (ت: 478 هـ): "وليس في عالم الله أخزى من مُتَصَدٍّ للحكم لو أراد أَنْ يصف ما حكم به لم يستطعه"(1).
فالقاضي إذا هجم على الحكم دون تَوْصِيف للواقعة فإنَّه لا يدري إصابته من خطئه، وصار كالذي يخبط خبط عشواء في الظلام، إصابته حَدْسٌ وخطؤه عدوانٌ وظلمٌ، وهو آثم في الحالين حال موافقته للصواب أَوْ مخالفته له؛ لأَنَّه أصاب من حيث لا يدري إصابته الحق (2)، يقول ابن تَيْمِيَّة (ت: 728 هـ): "من حكم بين الناس على جهل فهو في النار وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر"(3).
3 -
أَنَّ التَّوْصِيف كالميزان يُعرف به صَحِيح الأحكام من فاسدها، فبالتَّوْصِيف يستطيع القاضي أَنْ ينقح الوقائع المدعاة،
(1) الغياثي 301.
(2)
موجبات الأحكام 70، الأشباه والنظائر لابن نجيم 108، معين الحكام لابن عبد الرفيع 2/ 638، الأشباه والنظائر لابن السبكي 1/ 207، الغياثي 301، شرح عماد الرضا 1/ 336، مغني ذوي الأفهام 233، الكشاف 6/ 327، قواعد ابن رجب 122، الإِتقان لمياره 1/ 15، فصول في الفكر الإِسلامي في المغرب 196، تخريج الفروع على الأصول لشوشان 1/ 86.
(3)
مجموع الفتاوى 13/ 371.
ويستوعب النزاع، ويسيره مساره الصَّحِيح بعيدًا عن الارتجال والعشوائية.
يقول علي حيدر (كان حيًّا عام 1327 هـ) في صفات القاضي: "ينبغي أَنْ يكون واقفًا على المسائل الفقهية، وعلى أصول المحاكمة، ومقتدرًا على فصل وحسم الدعاوى الواقعة توفيقًا لهما"(1)، ولذلك دَقَّ علم القضاء وجَلَّ؛ لأَنَّ القاضي قد يعرف الحكم الكلي ولكن لا يعرف صفة تنزيله على الواقعة (2).
4 -
قيام الحاجة إلى تَوْصِيف الأَقْضِيَة في كل واقعة تنزل بالقاضي؛ ذلك أَنَّ الوقائع العينية لا تنضبط بحصر، ولا يمكن استيفاء القول في آحادها، فلكل واقعة خاصية ليست لغيرها بحسب ما يلمُّ بها من أحوال ومقتضيات من زمان ومكان ومن علل دافعة وعوارض مانعة ونحو ذلك، ولذا فالنظر بتَوْصِيف كل قضية جزئي مستأنف لا يكتفى به لنازلة عن أخرى ولا يدخله التقليد (3).
(1) درر الحكام 4/ 529، وفي المعنى نفسه انظر: مجلة الأحكام العدلية (م/ 1793).
(2)
شرح الزرقاني 7/ 144، ويقول الزرقاني- أيضًا-:"القضاء صناعة دقيقة لا يعرفها كل أحد"[المرجع المذكور]، وانظر- أيضًا-: أحكام القرآن لابن العربي 4/ 43.
(3)
الموافقات 4/ 89 - 91، 98، شرح عماد الرضا 1/ 59، مصادر المعرفة 429.
يقول الشاطبي (ت: 790 هـ): "كل صورة من صور النازلة نازلة مستأنفة في نفسها لم يتقدم لها نظير، وإن تقدم في نفس الأمر فلم يتقدم لنا فلا بُدَّ من النظر فيها بالاجتهاد، وكذلك إن فرضنا أَنَّه تقدم لنا مثلها فلا بُدَّ من النظر في كونها مثلها أَوْ لا، وهو نظر اجتهاد أيضًا"(1).
فالموصِّف يخص الواقعة الموصَّفة بعموم الحكم الكلي الذي هو منزل في الذهن ليشمل صورًا كثيرة.
يقول الشاطبي في بيان ذلك: "فهو (2) يحمل على كل نفس من أحكام النُّصُوص ما يليق بها بناء على أَنَّ ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف، فكأَنَّه يخص عموم المكلفين والتكاليف بهذا التحقيق
…
" (3)، ولذلك كانت الأحكام القضائية جزئية لا يتعدى أثرها إلى غير المترافعين إلَّا بحكم جديد مستأنف (4).
5 -
اختصار إجراءات التقاضي، وتعجيل الفصل في القضية.
(1) الموافقات 4/ 91.
(2)
أيْ: المجتهد في تنزيل الأحكام الكلية على الوقائع من قاضٍ ومفتٍ.
(3)
الموافقات 4/ 98، وفي المعنى نفسه انظر: الإِحكام للقرافي ص 51.
(4)
البحر الرائق 6/ 282، الفواكه البدرية 66، 136، شرح الزرقاني 7/ 149، تبصرة الحكام 1/ 103، الإِعلام لابن القيم 1/ 38، مجموع الفتاوى 35/ 372.
إنَّ تَوْصِيف القضية يحمل القاضي على سبر غورها، ومعرفة طريقها؛ فيسهل عليه الفصل فيها بأقرب الطرق وأخصرها بحذف التطويل، ورفع التشتيت، وهذا مقصد للقضاء من السمو بمكانٍ.
فالقاضي عليه أَنْ يسلك أقرب الطرق التي تعينه على الفصل في القضية بأسرع وقت ممكن مع استيفاء ما يجب للفصل فيها، واستيعاب ما لدى الخصوم من أقوال وبينات، وليس له الإِطالة على الخصوم بالسير بهم في طريق لا فائدة فيها للقضية، أَوْ تركهم يخبطون بأنفسهم خبط عشواء وهو يجد لهم طريقًا شرعيًا أقرب وأسرع للفصل في قضيتهم، ومما يحقق ذلك تَوْصِيف القضية ابتداءً وانتهاءً (1).
* * *
(1) أحكام القرآن لابن العربي 4/ 43، قواعد الأحكام 2/ 43، مقاصد الشريعة 200، فتاوى ورسائل 12/ 381.