الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من عند نفسه في مسائل الاجتهاد، وأما مسائل التشريع قلا، والصحيح: أنه يحكم من عند نفسه في المسائل الاجتهادية كتدبير الحروب وغيرها وفي المسائل الشرعية، لكن إقرار الله له تشريع، ولهذا يعتبر وحيًا.
ومن فوائد الحديث: أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة لقوله: "الحج مرة".
ومن فوائده: استحباب الزيادة على المرة لقوله: "وما زاد فهو تطوع".
* * *
2 - باب المواقيت
المواقيت: تعريفها وبيان أقسامها:
"المواقيت" جمع ميقات، وأصله من الوقت، ولكن قلبت الواو ياء؛ لأنه كبير ما قبلها فأصل الميقات مؤقات، لكن لأنها وقعت ساكنة بعد كسر وجب أن تقلب ياء، فيقال: ميقات، والميقات يطلق على الزمن ويطلق على الحل، فيقال: "قت كذا؛ أي: حدد.
المواقيت تنقسم إلى قسمين: مواقيت مكانية، ومواقيت زمنية، أما المواقيت المكانية فإنها تكون للحج والعمرة، وأما الزمنية فهي للحج فقط، أما العمرة فلا زمن لها في أي وقت شئت من العام تعتمر، لكن الحج له مواقيت زمنية لقوله تعالى:{الحج أشهر معلومت} [البقرة: 197].
وهي شوال، وذو القعدة، وذو الحجة هذا القول الراجح وإن كان المشهور من المذهب أنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، لكن الصواب أن شهر ذي الحجة كله من زمن الحج؛ لأن الأصل في الجمع أن يكون عامًا وشاملًا لكل ما يدل عليه.
المواقيت المكانية خمسة تستمع إليها في حديث ابن عباس الآتي:
687 -
عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وقَّت لأهل المدينة: ذا الخليفة، الشام: الجحفة، ولأهل نجدٍ: قرن المنازل، ولأهل اليمن: يلملم، هنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنَّ من غيرهنَّ ممَّن أراد الحجَّ والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيت أنشأ، حتَّى أهل مكة من مكة"(). متَّفقٌ عليه.
قوله: "وقَّت" أي: حدد وجعله مكانًا لوقت إحرامهم، "ذا الحليفة"، أي: صاحب الحليفة، والحليفة تصغير حلفة، والحلفة هي شجرة معروفة ف ميت به لكثرته فيها، وهي مكان يبعد عن
مكة نحو عشرة أميال، وعن المدينة نحو ستة أو تسعة أميال، "ولأهل الشام الجحفة"، أهل الشام: كل من كانوا بين المشرق والمغرب من البلاد الشامية المعروفة، الجحفة () قرية اجتحفها السيل ودمرها وهلك أهلها أيضًا بالوباء الذي نزل فيهم حين دعا النبي صلى الله عليه وسلم الله أن ينقل حمى المدينة إلى الجحفة () لما خربت صار الناس يحرمون بدلها من "رابغ"()، و"رابغ" أبعد منها عن مكة، وبينها وبين مكة نحو ثلاث مراحل.
قال: "ولأهل نجد قرن المنازل" يعني: وقَّت لهم "قرن المنازل" وهو ما يسمى الآن بالسيل الكبير، وهو معروف لا يزال الناس يحرمون منه إلى الآن، "ووقت لأهل اليمن يلملم" وهو اسم جبل، وقيل: اسم مكان، وهو يسمى الآن السعدية معروف عند أهل اليمن، قرن المنازل ويلملم بين كل واحد منهما وبين مكة نحو مرحلتين.
ال: "هنّ لهنّ ولمن أتى عليهن من غيرهن"، "هنّ" الضمير يعود على المواقيت، "لهن" للبلدان، و"لمن أتى عليهن" أي: على المواقيت، "من غيرهن" أي: من غير هذه الأماكن، فجعل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المواقيت مواقيت لأهل هذه البلدان ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، فمن أتى من أهل نجد من طريق المدينة يحرم من "ذي الحليفة"، ولا نلزمه أن يذهب إلى قرن المنازل، ومن أتى من أهل المدينة من طريق أهل نجد أحرم من قرن المنازل، ولا نلزمه أن يذهب إلى ذي الحليفة، وهذا من تيسير الله عز وجل.
قال: "ممن أراد الحج أو العمرة" يعني: هن لهؤلاء، "ممن" يعني: من الذين يريدون الحج أو العمرة، و"أو" هنا مانعة فلا يمتنع أن يقصد الحج والعمرة جميعًا؛ لأن الناس الذين يمرون بالمواقيت منهم من يريد الحج فقط، ومنهم من يريد العمرة فقط، ومنهم من يريد الحج والعمرة.
قال: "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ"، "من كان دون ذلك" أي: دون هذه المواقيت، "فمن حيث أنشأ" أي: من حيث أنشأ القصد والإرادة، "حتى أهل مكة من مكة" يعني: يحرمون من مكة.
688 -
وعن عائشة رضي الله عنها: "أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وقَّت لأهل العراق ذات عرقٍ"(). رواه أبو داود، والنِّسائي.
689 -
وأصله عند مسلم من حديث جابر إلا أن راوية شك في رفعه.
"ذات عرق" هي مكان يحاذي قرن المنازل أو يزيد عنه قليلًا، ويسمى عند الناس: الضريبة.
690 -
وفي صحيح البخاري: "أن عمر رضي الله عنه هو الذي وقت ذات عرق"
وعلى هذا فتكون السنة ثابتة إما عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإما عن عمر، وسنة عمر سنة متبعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي".
691 -
وعند أحمد، وأبي داود، والترمذي: عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق: العقيق"
"العقيق" هذا مكان يتصل بذات عرق، فإن هذا الوادي الكبير الذي يسمى وادي العقيق يمر بهذا وبهذا، فالصحيح أنه لا ينافي الحديث الذي ثبت في البخاري وفي مسلم وفي أبو داود من أن ميقات أهل العراق ذات عرق؛ لأن العقيق يمتد ويسمى العقيق ولو كان ممتدًا من ذات عرق إلى مصبه، هذه المواقيت الخمس إنما وقتها النبي صلى الله عليه وسلم رحمة بالخلق؛ لأنه لو وحد الناس على ميقات واحد لكان في ذلك مشقة كبيرة، فمن نعمة الله أن وقتت هذه الأماكن لكل هذه البلدان.
فنستفيد من هذا الحديث فوائد: أولًا: ثبوت المواقيت المكانية.
ثانيًا: أنها خمس.
ثالثًا: اختلافها في البعد والقرب من مكة، قد يقال: إن هذا من الأمور التعبدية التي لا تعلم حكمتها، وقد يقال: إن هناك حكمة في ذلك وهي أما ذي الحليفة فلأنها قريبة من المدينة فكان من المناسب أن يحرم الإنسان من حين أن يخرج من المدينة لتكون أحكام الحرمين أو أحكام المسجدين متقاربة من حن أن يخرج من المدينة وحرمها يدخل فيما يختص بحرم مكة وهو الإحرام هذه المناسبة، الجحفة أبعد من اليمن ويلملم؛ لأنها مهل أهل الشام، والشام فيه أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها فإن كانت هذه الحكمة فالأمر واضح وإن كانت الحكمة وراء ذلك فالله أعلم.
ومن فوائد الحديث: ثبوت آية من آيات النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه وقت هذه المواقيت قبل أن تفتح هذه البلدان، وهذا إشارة إلى أنها سوف تفتح وسوف يحج أهلها وهذه مواقيتها.
ومن فوائد الحديث: أن من مر بهذه المواقيت من غير أهلها وجب عليه الإحرام منها ولا يجوز أن يتعداها إلى ميقاته الأصلي، فلو أن الشامي مر بالمدينة وقال: أنا سوف أوجل الإحرام إلى ميقاتي الأصلي وهو الجحفة. قلنا له: لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: "ولمن أتى عليهن من غير أهلهن"، فأنت الآن مررت بميقات سابق فيجب عليك أن تحرم منه وهذا هو رأي الجمهور، وذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أنه يجوز للشامي أن يؤخر الميقات إذا مر بذي الحليفة ويحرم من الجحفة وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن الصواب مع الجمهور في هذه المسألة، وأن الإنسان إذا مر بالميقات يريد الحج والعمرة وجب عليه أن يحرم ولا يتجاوزه.
أما عن تجاوز هذه المواقيت لا يريد حجًا ولا عمرة ثم بدا له بعد تجاوزها أن يحج أو يعتمر فإنه لا يلزمه الرجوع، وإنما يحرم من حيث أنشأ النية، أما ميقات أهل مكة بل من كان في مكة فميقاته من مكة لقوله:"حتى أهل مكة من مكة"، وهذا في الحج ظاهر وواضح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلزم أهل مكة حين أراد الإحرام بالحج أن يخرجوا إلى الحل ولم يلزم الصحابة الذين حلوا أن يخرجوا إلى الحل، بل أحرموا من مكانهم.
فإن قلت: هل يشمل هذا العمرة؟
قلنا: قد قيل به، وإن من أراد العمرة من أهل مكة، يحرم من مكة ولكن هذا قول ضعيف؛ لأن هذا العموم خصص بحديث عائشة وبالمعنى أيضًا، أما تخصيصه بحديث عائشة فلأن عائشة لما أرادت أن تحرم وهي في مكة أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تخرج من الحرم فتهل بعمرة، وهذا يدل على أن مكة ليست ميقاتًا للإهلال بالعمرة؛ إذ لو كان كذلك لم يكلفها النبي صلى الله عليه وسلم أن تخرج في الليل من مكة إلى التنعيم لتحرم منه؛ لأننا نعلم أن دين الله تعالى يسر، وأن اليسر في هذه الحال أن تحرم من مكة، فلما لم يكن ذلك علم أن مكة ليست ميقاتًا للعمرة.
فإن قال قائل: عائشة ليست من أهل مكة
فالجواب: أن من لم يكن من أهل مكة إذا أراد النسك فحكمه حكم أهل مكة، بدليل أن الصحابة الذين أحرموا بالحج بعد أن حلوا من العمرة أحرموا من مكة كأهل مكة ولم يحرموا من الحل، وحينئذ لا فق فيمن كان بمكة بين أن يكون من أهلها الأصليين أو من الآفاقيين، أما من حديث المعنى: فإن العمرة معناها الزيارة، والزيارة لا تكون من المكان إلى المكان بل تكون من مكان إلى مكان آخر، وهذا لا يتحقق إلا إذا جاء الإنسان بالعمرة من خارج الحرم،