الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
استدراك:
ومن فوائل حديث علي: جواز تعجيل الصدقة، دليله: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لعمه العباس أن يؤجلها.
ومن فوائده أيضًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المرجع في الأحكام؛ لأن الصحابة كانوا يرجعون إليه فيسألونه كما سأله العباس.
ومنها: أن الأصل أن الزكاة لا تدفع إلا وقت حلولها، ولولا ذلك ما احتاج العباس أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم. قد يقول قائل: إذا جاز التعجيل جاز التأخير. نقول: لا؛ لأن التعجيل فيه فائدة للمستحقين للزكاة أمّا التأخير فهو ضرر على الدافع والمدفوع إليه، فإن المال قد يتلف ويتعلق الشيء بذمة من وجب عليه.
ومنها: جواز التعبير بالرخصة فيما لم يرد فيه المنع لقوله: "فرخص له" لكنه يتوهم المنع؛ لأن الأصل أن الزكاة لا تدفع إلى عند حلولها.
أما حديث جابر فمن فوائده: حكمة الشارع في إيجاب الزكاة، حيث لم يوجب الزكاة في كل قليل وكثير، لأنها لو وجبت في كل قليل وكثير لأرهقت الأغنياء، ولو لم تجب إلا في الأموال الكثيرة الطائلة لضاع حق المستحقين لها، فمن حكمة الشارع أنه قدر أنصبة مناسبة للمال كما ستشاهدون.
مسألة: اختلاف العلماء في نصاب الفضة
ومنها: أن نصاب الفضة مقدر بالوزن لقوله: "ليس فيما دون خمس أواق"، وحينئذ نحتاج إلى الجمع بين هذا الحديث وحديث أنس السابق الذي قدر فيه النصاب بالعدد، فهل نعتبر العدد ولو زاد في الوزن أو نقص، أو نعتبر الوزن ولو زاد العدد أو نقص؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، فمنهم من اعتبر الوزن احتجاجًا بهذا الحديث؛ لأن الحديث في النهي:"ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة"، فما دون الخمس ولو بلغ مئات الدراهم ليس فيه صدقة، وهذا هو المشهور من ملهب الإمام أحمد، بل هذا الذي عليه جماهير أهل العلم بل حكي فيه الإجماع، على أن المعتبر الوزن في هذا الحديث؛ لأن هذا فيه نفي:"ليس فيما دون خمس أواق صدقة"، ولكن حديث أنس أيضًا نفي فإن فيه:"فإن لم يكن إلا تسعون ومائة. فليس فيها صدفة إلا أن يشاء ربها".
فعلى هذا نقول: إن هذا الحديث مقدم على الحديث الآخر الذي اعتبر فيه العدد، وقال آخرون- وهم قلة، ولكن منهم شيخ الإسلام ابن تيمية-: إن المعتبر العدد وأن مائتي درهم فيها
ربع العشر قال ما فيها من الفضة أم كثر حتى لو بلغت عشر أواق فإن هذه إذا نقصت عن المائتين فليس فيها زكاة، وهذا مبني على ما سبق من حديث أنس وهو متفق عليه، وهذا أيضًا متفق عليه.
ويمكن أن يجاب بأن يقال: في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كانت الدراهم المائتان كانت خمس أواق، وعلى هذا فلا خلاف بين الحديثين، أما نحن فإذا اختلف الوزن والعدد فإننا نقدم القاعدة بأن نقدم الأحب للفقراء، فإن كان الأحب العدد أخذنا به، وإن كان الأحب الوزن أخذنا به.
والحديث الثاني حديث أبي سعيد: "ليس فيما دون خسة أوسق من تمر ولا حب صدقة"، "دون" بمعنى: أقل، و"خمسة أوسق"؛ أي: خمسة أحمال: لأن الوسق الحمل، سمي بذلك: لأنه يوسق على الناقة ويربط، وكل حمل عند العرب معروف ستون صاعا، فتكون الخمسة ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، وصاع النبي صلى الله عليه وسلم يبلغ كيلوين وأربعين غرامًا، فاضرب ثلاثمائة في كيلوين وأربعين غرامًا حتى يتبين لك مقدار النصاب بالغرامات وهو حوالي ستمائة واثني عشر غرامًا، هذا هو نصاب التمر، والحبوب أيضًا.
وقوله: "ومن تمر ولا حب" الحب معروف، لكن هل هو الحب الذي يكون مطعومًا ومقتاتًا، أو كل حب؟ في هذا خلاف، والأقرب أن المراد به: الحب الذي يقتات ويدخر، فكل مكيل من تمر أو حب ففيه الزكاة ولا زكاة فيه حتى يبلغ خمسة أوسق، أي: ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم.
نستفيد من هذا الحديث: حكمة الشارع في عدم وجوب الزكاة في القليل، لأنه لو أوجب الزكاة في القليل لكان في ذلك إجحاف على الملاّك، ولو جعل الأمر لا حد له لكان في ذلك إهدار بحق أهل الزكاة، ولو جعل الأمر موكولًا على الناس لاختلف الناس في البذل والمنع؛ لأنا نعرف أن من الناس من هو كريم يبذل من القليل الكثير، ومن الناس من هو بخيل يمنع القليل من الكثير فلما كان الناس يختلفون في ذلك في تقدير المال حدده الشرع قطعًا للنزاع وضبطًا للواجب، إذن النصاب لا يرجع للعرف، وإنما يرجع إلى الشرع، فلو قدر أننا في زمن تكون ثلاثمائة صاع شيئًا قليلًا لا يؤبه له ولا يعد مقتنيها غنيًا فتجب الزكاة ولو كنا في وقت مائة الصاع تعتبر مالًا كثيرا، ويعد مالكها من الأغنياء، فإن الزكاة لا تجب فيها، فمن ثم حدد الشارع النصاب حتى لا يختلف الناس في وجوه الزكاة، وهناك أشياء أيضًا محددة من جنس هذا التحديد كصدقة الفطر وكصاع المصراة من الإبل أو الغنم إذا وجدها المشتري مصراة؛ أي: محبوسًا لبنها حتى يراها المشتري كثيرة اللبن فإن له الخيار بعد أن يحلبها ثلاثة أيام إن شاء أبقاها وإن شاء ردها ورد معها صاعا من التمر، الصاع من التمر ليس عوضًا على ما أخذه من اللبن في هذه المدة لكنه عوض عن اللبن الموجود في الضرع حين العقد؛ لأنه هو الذي وقع
عليه العقد، أما ما بعد العقد فإنه نماء للمشتري كما سيأتي في كتاب البيوع، وإنما قدره الشارع بصاع قطعًا للنزاع وصار من التمر؛ لأن التمر أقرب ما يكون شبهًا باللبن لحلاوته والتغذي به، المهم: أن النصاب من الحبوب والثمار ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، ما دون ذلك فليس فيه صدقة، وهل نقول:"إلا أن يشاء ربه"؟ الجواب: نعم نقول: إلا أن يشاء ربه، يعني: على أن يتصدق منه لا على أنها زكاة فلا يمنع.
والحديث الثالث: عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًّا" العشر". هذه جملة خبرية سبق فيها الخبر على المبتدأ، الخبر هو قوله: "فيما سقت السماء"، والمبتدأ قوله: "العشر". "وفيما سقي بالنضح نصف العشر"، "بالنضح"؛ أي: بالسواني، وشبهها نصف العشر، يعني: واحد من عشرين، والأول العشر واحد من عشرة.
ولأبي داود: "إذا كان بعلًا العشر، وفيما سقي بالسواني أو النضح نصف العشر". ففي هذا الحديث بيان مقدار الواجب لا مقدار ما فيه الواجب؛ لأن مقدار ما فيه الواجب سبق في حديث أبي سعيد وجابر، لكن هنا بيان مقدار الواجب، فما هو الواجب في الحبوب والثمار إذا بلغت النصاب؟ الواجب يختلف "إذا كان بعلًا" يشرب بعروقه أو كان يشرب بالمطر أو كان يشرب بالعيون الجارية وكذلك بالأنهار فهذا فيه العشر كاملًا؛ لأن المؤنة فيه قليلة ليس على مالكه إلا أن يصرف الماء إذا كان يسقى بالعيون أو يسقى بالأنهار، وأما ما كان يسقى بمؤنة بمعنى: أنه يحتاج في استخراج الماء إلى مؤنة عند السقي هذا فيه نصف العشر، يعني: واحدًا من عشرين لكثرة المؤنة والتعب عليها.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء"، "ما" هذه عامة في النوع والقدر "فيما سقت"، فيقتضي وجوب الزكاة في كل ما سقته السماء، أو الذي سقي بالعيون، أو كان بعلًا يشرب بعروقه كل شيء التمر، والحبوب، والبطيخ، وكل شيء لأنه شامل، "فيما" عام في قدره، "فيما سقت السماء" يقتضي لو أن الإنسان ملك من البعل مائة صاع من البر لوجب عليه الزكاة، لأنه يصدق عليه أنه كان بعلًا فشرب بعروقه، فهل هذا الحديث على عمومه من الوجهين أي: النوع والقدر؟ الجواب لا، كيف؟ يخصصه حديثي جابر وأبي سعيد في النوع وفي القدر، إذ إن حديثي جابر وأبي سعيد يدلان على أنه ليس فيه زكاة إذا كان دون خمسة أوسق، ويدلان أيضًا على أن الزكاة إنما تجب فيما يوسق ويحمل وهو الحبوب والتمر، وأما ما لا يحمل ولا يوسق كالبطيخ والفاكهة وما أشبه ذلك فليس فيه زكاة، وعلى هذا فالحديث مخصوص بوجهين وهما النوع والقدر.
فيستفاد من هذا الحديث عدة فوائد أولًا: وقوع التخصيص في النصوص وأن بعضها يخصص بعضا، فإن قلت: كيف يخصص بعضها بعضا مع الانفصال، ولو كان المخصص متصلًا مثل:"قام القوم إلا زيدا" لكان الأمر واضحًا، لكن هنا منفصل ذاك حديث، وهذا حديث فكيف يصح التخصيص مع الانفصال؟
الجواب: لأن المتكلم بهما واحد، والشرع لا يختلف ولا يتناقض، ولو أننا قلنا بعدم التخصيص لتناقض في الصورة التي لا يجتمعان فيها: فإذا قلنا بتخصيص العام اتفق في الصورة المعينة التي وقع فيها التخصيص، لكن لو أني تكلمت بكلام عام ثم جاء واحد آخر يتكلم بكلام خاص فهو لا يستطيع أن يخصص كلامي؛ لأن المتكلم مختلف، أما والمتكلم واحد والشرع لا يتناقض فإن القول التخصصي واجب وهو واقع.
ويستفاد من هذا الحديث: حكمة الشرع حيث فرق بين ما يسقى بمؤنة وما يسقى بلا مؤنة، فجعل الذي يسقى بمؤنة فيه على النصف مما يسقين بلا مؤنة.
ويستفاد: حكمة الشرع أيضًا من وجه آخر، فإنه لما كانت الزروع أقل كلفة من الاتجار بالدراهم والدنانير جعل الشرع فيها نصف العشر أو العشر بخلاف الدراهم والدنانير وأموال التجارة ففيها ربع العشر؛ لأن تنمية تلك أصعب وأشق، فالدراهم والدنانير إن لم تحركها لا تنمو ولا تستفيد منها فلو أوجبنا نصف العشر لكانت تتلف عليه بسرعة، وأما عروض التجارة فتنمو لكنها تنمو نموًا بطيئا خفيفا، ونمو الثمار والحبوب أسرع، إذ إنه ربما يكسب الإنسان في خلال ستة أشهر تكون المائة سبعمائة أو أكثر:{كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة} [البقرة: 261].
كم تكون الواحدة؟ سبعمائة، فالنمو فيها ظاهر جدًا لذلك أوجب الشرع فيها العشر إذا كان لا يحتاج إلى مؤنة في سقيه، ونصف العشر إن كان يحتاج إلى مؤنة في سقيه، إن كان يسقى أحيانًا بمؤنة، وأحيانًا بلا مؤنة اعتبرنا الأكثر، فإذا كان مثلًا يسقى بمؤنة ثمانية أشهر، وبلا مؤنة أربعة أشهر اعتبرنا الأكثر، إلا إذا كانت هذه الأربعة في انتفاء الزرع أكثر من ثمانية فإننا حينئذ نرجع إلى الأنفع، فصار إذا كان يسقى بهذا وبهذا تعتبر الأكثر قدرًا؛ لأن الأكثر قدرًا منضبط ثمانية أشهر، أربعة، تسعة أشهر وثلاثة، وذلك إذا كان الزرع يبقى سنة، فإن كان ستة أشهر فعلى النصف أربعة أشهر وشهرين