الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هل يؤجر الإنسان إذا أطعم ذرة أو نملة؟ نعم، إن كانت لا تؤذي، وقد حكيت عليكم قصة ذكرها ابن القيم عن رجل رأى ذرة تمشي فوضع لها طعامًا لكنها تعجز عن حمله فلما رأت الطعام وعجزت عن حمله ذهبت إلى صاحباتها ودعتهن فجئن فلما أقبلت الذر رفع الطعام، فجاءت الذر الطعام، وهذه التي ذهبت تستصرخهن جعلت تبحث ما وجدت شيئًا فرجعت الذر، ثم وضعه مرة ثانية فرأته هذه الذرة وتيقنت فرجعت إلى صاحباتها فلما أقبلن رفعه فجعلن يطلبنه ما وجدنه فانصرفن، ثم وضعه في المرة الثالثة فرأته الذرة فذهبت ودعت صاحباتها فجئن إليه فرفعه فلم يجدنه، يقول: اجتمعن عليها فقتلنها، الذرة هذه حكاية ابن القيم التبعة عليه رحمة الله، يقول: فحكيت ذلك لشيخي، فقال رحمه الله شيخ الإسلام-: نعم يعني: كل ما له إرادة فإنه يكره الكذب ويجازى على الظلم، ما تقولون في هذا الرجل: هل عليه دية هذه الذرة؟ هو عليه إثم؛ لأنه تسبب في قتلها، إذن نقول: كل شيء يستفيد من الطعام فلك فيه أجر.
ويستفاد من هذا الحديث: أن هذا الجزاء مشروط بكون المنعم عليه به محتاجًا إليه لقوله: "على عري"، و"على جوع"، و"على ظمأ"؛ فإن لم يكن كذلك مثل أن يكسو إنسانا عنده كسوة لكن كساه نافلة فهل يصلح له هذا الأجر؟ الظاهر لا؛ لأن القياس هنا قياس مع الفارق؛ لأنه ليس دفعًا للحاجة كتحصيل الكمال النافلة.
اليد العليا خير من اليد السفلى:
603 -
وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفَّه الله، ومن يستغن يغنه الله". متفقٌ عليه، واللفظ للبخاري.
قوله: "اليد العليا خير من اليد السفلى" هذه مبتدأ وخبر يد عليا ويد سفلى، فاليد العليا خير من اليد السفلى؛ لأن العليا عالية والسفلى نازلة، فما هي اليد العليا؟ فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر بأن اليد العليا: يد المعطي، واليد السفلى: يد الآخذ المعطى؛ وهذا ظاهر؛ لأن المعطي أعلى رتبة من المعطى، على كل تقدير فتكون يده هي اليد العليا، وقيل: إن اليد العليا هي يد المعطى بلا سؤال واليد السفلى يد المعطى بسؤال، ولكن ما دام الأمر قد فسر من جهة المتكلم به فإن تفسير غيره إن كان لا ينافيه أخذ به، وإن كان ينافيه فإنه لا يؤخذ به؛ لأن المتكلم بالكلام أعلم به من غيره، إذن يد المعطي هي اليد العليا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بذلك، واليد السفلى هي يد الآخذ وإنما كانت خيرًا؛ لأنها معطية باذلة، ولأن لها منه، وأما الأخرى فهي معطاة محتاجة ومتشوفة للغير.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وابدأ بمن تعول"، يعني: إذا أعطيت فابدأ بمن تعول، أي: بمن تنفق عليهم وهم عائلتك الذين في بيتك، ومنهم نفسك؛ فإنك تعول نفسك إذ إنك مأمور بإحيائها وإبقائها، ومنهي عن إتلافها والإضرار بها.
قال: "وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى"، "خير الصدقة" هل يشمل الزكاة، أو المراد: صدقة التطوع؟ الظاهر: أنه يعم "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى"، والزكاة لا بد أن تكون عن ظهر غنى؛ لأنها لا تجب إلا في مال يبلغ النصاب، وتجب جزءًا قليلًا وهو ربع العشر في الذهب والفضة والعروض، ونصف العشر في الزروع التي تسقى بمؤنة، والعشر كاملًا في الزروع التي تسقى بلا مؤنة، وأما الماشية فليس لها حد محدود ولكنها معينة من قبل الشارع.
أما الصدقة- صدقة التطوع- فقد تكون عن ظهر غنى، وقد لا تكون عن ظهر غنى، إذا تصدق الإنسان بما زاد عن كفايته وكفاية عياله حتى وإن كان فقيرًا، لو كان هو يعد من الفقراء لكنه عنده فاضلًا عن قوته وقوت عياله فتصدق به فهذا صدقته عن ظهر غنى.
مثال ذلك: رجل يدخل عليه في كل يوم خمسة ريالات، ونفقته وعائلته أربعة ريالات، فتصدق بريال، صدقته هذه عن ظهر غنى، وهو يعد في هذا الدخل- في وقتنا هذا- من الفقراء. عرفا لماذا؟ لأن راتبه في الشهر (150) ريالًا، عندنا ليست شيئًا، لكن مع ذلك نقول إن هذا الرجال تصدق بصدقة عن ظهر غنى.
مفهومه: أن الصدقة لا عن ظهر غنى ليست خير الصدقة؛ يعني: أن الإنسان لو تصدَّق بما ينقص كفايته وكفاية عائلته فليست الصدقة هذه خيرًا، ويؤيد هذا قوله:"ابدأ بمن تعول"، فإذا صرفت المال لغير من تعول فقد خالفت أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
فلو قال قائل: أنا أتصدق بما يأتيني من راتب وأبقى أنا وأهلي في حاجة.
قلنا: هذا ليس بصواب، وليس هذا خير الصدقة، بل خير الصدقة أن تصدق عن ظهر غنى في الفاضل عن كفايتك وكفاية عائلتك.
فإن قلت: ما تقول في قوله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} [الحشر: 9]. وهذا في مقام مدح الأنصار- رضي الله عنهم؟
فالجواب: أن الإيثار ليس أمرًا دائمًا إنما هو يعرض لحاجة، فيبقى هذا الإنسان جائعًا ويعطي غيره لكنه يجوع ثم يجد الكفاية.
فإن قلت: ما تقول في قصة أبي بكر رضي الله عنه، وعمر رضي الله عنه حين حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فقال عمر: الآن أسبق أبا بكر، ثم جاء بنصف ماله، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم:"ما تركت لأهلك؟ " قال:
الشطر، ثم جاء أبو بكر بكل ماله فقال:"ماذا تركت لأهلك؟ " قال: تركت لهم الله ورسوله. فقال عمر: لا أسابق أبا بكر بعد هذا أبدا. فأبو بكر رضي الله عنه أتى بكل ماله ليتصدق به.
فالجواب- كما قال أهل العلم-: إن الإنسان له أن يتصدق بكل ماله بشرط أن يعلم من نفسه الصبر، ويعلم من أهله الصبر، أما إذا كان لا يعلم الصبر على التقشف لا هو ولا أهله، فإنه لا يتصدق بكل ماله، بل يجب عليه أن يبقي كفايته.
قال: "ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله"، "يستعفف" "يستغن" الفرق بينهما أن الاستعفاف: فيما يتعلق بالشهوة الجنسية، والاستغناء: فيما يتعلق بالمال؛ يعنى: من يستعفف عن المحرم سواء كان ذلك نظرًا أو لمسًا، أو قولًا، أو فعلًا، يريد به الزنا الأكبر فمن استعف أعفه الله عز وجل، قال الله تعالى:{وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا حتى يغنيهم الله من فضلة} [النور: 33]. {والقواعد من النساء التي لا يرجون نكاحًا فليس عليهم جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن} [النور: 60]. فمن يستعفف يعفه الله أي: يعينه حتى يكون عفيفًا بدون تكلف العفة؛ لأن تكلف العفة مأخوذ من قوله: "من يستعفف"، أما العفة التي تكون طبيعية فهي قوله:"يعفه الله"، ويحتمل أن يراد بقوله:"يعفه الله" أي: يهيئ له ما يعفه من زوجة أو مملوكة يمين، "ومن يستغن يغنه الله" يعني: من يستغني عما في أيدي الناس من المال فإن الله تعالى يغنيه، وهل المعنى يغنيه الله أي: يرزقه كالًا يستغني به عن غيره أو المعنى: أن الله يجعل الغنى في قلبه، فليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس أيهما؟ شامل للأمرين، كم من إنسان خزائنه مملوءة عامرة لكن قلبه معدم- والعياذ بالله- كالأرض الرملية لا تروى من الماء فهو لا يروى من المال أبدًا، وكم من إنسان ليس عنده إلا شيء يسير جدًا فهو كالزجاجة صافية، ولا تشرب ماء، المعني: أنه لا يهتم بشيء قد استغنى قلبه بما في يده من قليل أو كثير، وهذا أمر واضح.
إذن فقوله: "يغنيه الله" يشمل أمرين: الغنى الذي هو كثرة المال، والغنى الذي هو غنى القلب واستغناؤه بما في يده عن طلب غيره.
من فوائد هذا الحديث: أولًا: تفاضل الناس في الدرجات لقوله: "اليد العليا خير من اليد السفلى"، وهل يؤخذ منه التفاضل في الإيمان؟ ننظر من فوائد الحديث أن المعطى خير من الأخذ وهو واضح.
ومن فوائده: أن الإنفاق على الأهل أفضل من الإنفاق على غير الأهل.
فلو قال قائل: أنا عندي درهم هل أتصدّق به على فقير أو أعطيه أهلي؟ قلنا: أعطه الأهل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "وابدأ بمن تعول".
ومن فوائد الحديث أيضًا: أن على الإنسان عائلة، ويتفرع على هذا: وجوب الإنفاق على العائلة لقوله: "ابدأ بمن تعول".
ومن فوائد الحديث: تفاضل الأعمال لقوله: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى"، يلزم من تفاضل الأعمال تفاضل الإيمان، لماذا يلزم؟ لأن الأعمال من الإيمان فتفاضلها تفاضل له، وهل عندنا دليل على أن الأعمال من الإيمان؟ لقوله:"الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، وهذا عمل جعله الرسول صلى الله عليه وسلم إيمانًا، يؤخذ منها: الرد على ثلاث طوائف مبتدعة: المرجئة والوعيدية من المعتزلة والخوارج الوعيدية طائفتان معتزلة وخوارج، إذن المرجئة والوعيدية؛ لأنهما كل منهما يقول: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأن المرجئة يقولون: إن الإيمان هو إقرار القلب ولا يتفاضل، وأولئك يقولون: إن الإيمان هو إقرار القلب، وجميع الأعمال، وهو إما أن يوجد كله، وإما أن يعدم كله.
ويستفاد من الحديث: "أن خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" وهو كالفرع لقوله: "أبدأ بمن تعول"؛ لأنك إذا بدأت بمن تعول فما زاد فهو عن ظهر غنى فيكون خير الصدقة.
ومن فوائد الحديث: أن من طلب العفة أعفه الله لقوله: "ومن يستعفف يعفه الله".
ومن فوائده: أن من لم يطلب العفة لم يوفق لها، من أرسل نظره وشهوته فيما حرم الله بقي قلبه- والعياذ بالله- منفتحًا لا ينسد متبعًا لكل رذيلة، تؤخذ من باب المفهوم لأن الكلام له منطوق وله مفهوم. منطوقه:"ومن يستعفف يعفه الله" ومفهومه: "ومن لا يستعفف لا يعفه الله".
ومن فوائده: أن الجزاء من جنس العمل: "من يستعفف يعفه الله".
ومن فوائده: أن من استغنى عما في أيدي الناس أغناه الله عنهم لقوله: "من يستغن يغنه الله".
ومن فوائده: أن من لم يستغن عما في أيدي الناس لم يغنه الله عنهم يبقى دائمًا متلهفًا إلى ما في أيدي الناس، حتى إنه إذا ما وجد مع أحد شيئًا وأعجبه قال: زين، هذا الذي معك من أين اشتريته؟ دلني عليه، ما الذي يفعله مثل هذا؟ يمكن أن يخجل، ويقول: خذه. هل نقول: هذا الرجل مستغن عمّا في أيدي الناس؟ لا، ما هو الشاهد من هذا الحديث للباب؟ قوله:"اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله"، هذا هو الذي قد يكون خارجا عن الموضوع، "ومن يستغن يغنه الله" وهذا يخاطب به من يأخذ الصدقة، وأنه كلما استغنى عما في أيدي الناس أغناه الله.