الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحال معتبر في الأحكام الشرعية، ألم يبلغكم قصة سليمان مع المرأتين حيث عمل بالقرينة، وكذلك أيضًا الحاكم الذي حكم في قصة يوسف عليه السلام حكم بالقرآن قال:{إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصَّادقين} [يوسف: 26 - 27].
فالمهم: أن صاحب المال الذي ادعى أنه أدى زكاته نقول: إذا دلت القرينة على كذبه لم نقبل قوله، وإلَاّ فإن الناس مؤتمنون على دينهم.
وفيه: دليل على أن "نعم"حرف جواب تغني عن إعادة السؤال؛ لأن الرجل لم يقل: نعم أشهد أن لا إله إلا الله، ولهذا لو قيل للرجل أطلقت امرأتك؟ فقال: نعم، تطلق، ولو قيل له: أراجعت امرأتك؟ فقال: نعم، رجعت إليه، ولو قيل للرجل: أزوجت فلانًا؟ فقال: نعم، فقال الثاني: قبلت قبل، أو قيل للزوج أقبلت؟ فقال: نعم، فإنه يقوم مقامه لحكم النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه حين قال: نعم.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي إعلان دخول الشهر بين الناس، لقوله:"فأذَّن في الناس أن يصوموا غدًا".
ومن فوائده: أنه ينبغي أن تتخذ الوسيلة التي تكون أقرب إلى تعميم الخبرة لقوله: "أذِّن في الناس"، يعني: أعلمهم، وعلى هذا يكون إعلام الناس خبر دخول الشهر بالأصوات أو بظهور الأنوار أو ما أشبه ذلك من الأمور المشروعة.
ومن فوائده أيضًا: أنه ينبغي في الإعلانات اختيار الوسيلة التي تكون أبلغ في إيصال الخبر؛ لأن بلالًا رضي الله عنه معروف أنه قوي الصوت؛ ولهذا أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم يؤذن في الناس فيصوموا غدًا.
حكم تبييت النية في الصيام:
625 -
وعن حفصة أمِّ المؤمنين رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لم يبيِّت الصِّيام قبل الفجر فلا صيام له". رواه الخمسة، ومال التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ إلى ترجيح وقفه، وصحَّحه مرفوعًا ابن خزيمة وابن حبَّان.
- وللدَّارقطنيِّ: "لا صيام لمن لم يفرضه من اللَّيل".
قوله: "من لم يبيت الصيام" يعني: نية الصيام، وقوله:"قبل الفجر" يعني: ولو في آخر الليل؛
لأن البيتوتة في الأصل هي النوم في الليل، وقوله:"فلا صيام له"، "لا" نافية للجنس، و"صيام" اسمها، و"له" خبرها هذا النفي، هل هو نفي للكمال أو للوجود أو للصحة؟ الأصل في النفي نفي الوجود، هذا الأصل، فإذا وجد انتقلنا من نفي الوجود الحسي إلى نفي الوجود الشرعي، ونفي الوجود الشرعي معناه: عدم الصحة، فيكون نفيًا للصحة، فإن لم يمكن ذلك بأن ثبت وجوده شرعًا وصحته شرعًا انتقلنا إلى نفي الكمال، فأي إنسان يدَّعي في مثل هذه الصيغة أنه نفي للكمال فإننا لا نقبل قوله إلا بدليل، فإذا قلنا:"لا رب إلا الله" فهو نفي للوجود، أي: نفي لوجود أي رب إلا الله، ونفي الصحة لا يكون إلا في الأحكام والأخبار، ويكون فيها الصدق أو الكذب، "الرب" عند الإطلاق إنما يكون لله عز وجل إذا قلنا:"لا إيمان لمن لا يأمن جاره بوائقه" هذا نفي كمال، "لا صلاة بغير وضوء" نفي للصحة، وانتبهوا إذا كان الكلام في الخبر يرفع صدقه أو كذبه، إذا كانت الأحكام فالصحة والبطلان، سبق لنا أن البيات هو النوم، وهنا بيَّن أنه من الغروب إلى الفجر؛ لأنه قال: ومن لم يبيِّت الصيام قبل الفجر"، والمراد بالفجر هنا: الفجر الصادق؛ لأن الفجر فجران: فجر كاذب وفجر صادق، والذي تترتب عليه أحكام الصيام وأحكام الصلاة هو الفجر الصادق، وبينه وبين الفجر الكاذب حوالي ساعة أو ساعة وربع أو أقل من ساعة حسب اختلاف الفصول، أما الفروق بينه وبين الفجر الصادق فذكر العلماء أن بينهما ثلاثة فروق:
الفرق الأول: أن الفجر الصادق يكون ممتدًّا من الجنوب إلى الشمال عرضًا، والفجر الكاذب يكون طولًا من الشرق إلى الغرب.
والفرق الثاني: أن الفجر الصادق يكون فيه الضياء متصلًا بالأفق، وأما الفجر الكاذب فالضياء منقطع، أي: بينه وبين الأفق ظلمة.
والفرق الثالث: أن الفجر الكاذب يظلم بعد ذلك وينمحي، والفجر الصادق لا يظلم بل يزداد نورًا، والفجر الصادق هو الذي تترتب عليه الأحكام.
وقوله: "من لم يبيت الصيام" ظاهره العموم صيام الفرض، أي: وصيام النفل، وقوله:"فلا صيام له"، أي: لا صيام صحيح له، ووجه ذلك: أن الصوم لا بد أن يشتمل على جميع النهار، ومن لم ينو إلا بعد طلوع الفجر ولو بجزء يسير فقد مضى جزءٌ من يومه لم ينوه ولم يصمه وحينئذ لا يصح، وعليه فيكون هذا الحديث وإن كان فيه خلاف في رفعه ووقفه فإن النظر. يقتضيه؛ لأن الله يقول:{وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام} من أين؟ من الفجر {إلى الليل} [البقرة: 187]. وعلى هذا من لم ينو قبل الفجر ولو بلحظة. فإنه لم يتم صومه؛ لأنه مضى عليه جزء من النهار لم يصمه.