المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بقى لنا في المثال الأول الذي قال: أنا جامعتها؛ لأن - فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية - جـ ٣

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

-

- ‌[كتاب الزكاة]

- ‌مفهوم الزكاة:

- ‌فائدة الزكاة:

- ‌متى فرضت الزكاة

- ‌حكم الزكاة:

- ‌مسألة: هل تُؤخذ الزكاة قهرًا

- ‌مسألة: هل يمنع الدَّين وجوب الزكاة

- ‌زكاة بهيمة الأنعام:

- ‌أحكام مهمة في السوم:

- ‌زكاة الفضة والمعتبر فيها:

- ‌حكم الخلطة في السائمة وغيرها:

- ‌زكاة البقر ونصابها:

- ‌مشروعية بعث السُّعاة لقبض الزكاة:

- ‌لا زكاة على المسلم في عبيده وخيله:

- ‌للإمام أن يأخذ الزكاة قهرًا ويعاقب المانع:

- ‌شروط الزكاة:

- ‌حكم زكاة البقر العوامل:

- ‌فائدة فيما لا يشترط فيه الحول:

- ‌الزكاة في مال الصبي:

- ‌الدعاء لمخرج الزكاة:

- ‌حكم لتعجيل الزكاة:

- ‌زكاة الحبوب والثمار:

- ‌مسألة: اختلاف العلماء في نصاب الفضة

- ‌أنواع الحبوب التي تجب فيها الزكاة:

- ‌خرص الثمر قبل نضوجه:

- ‌حكم زكاة الحلي:

- ‌فائدة في جواز لبس الذهب المحلق:

- ‌زكاة عروض التجارة:

- ‌كيف نؤدي زكاة عروض التجارة

- ‌زكاة الركاز:

- ‌زكاة الكنز والمعادن:

- ‌1 - باب صدقة الفطر

- ‌صدقة الفطر من تجب

- ‌فائدة: الواجبات تسقط بالعجز:

- ‌الحكمة من صدقة الفطر

- ‌مقدار صدقة الفطر ومما تكون

- ‌وقت صدقة الفطر وفائدتها:

- ‌2 - باب صدقة التَّطوُّع

- ‌مفهوم صدقة التطوع وفائدتها:

- ‌استحباب إخفاء الصدقة:

- ‌فضل صدقة التطوع:

- ‌اليد العليا خير من اليد السفلى:

- ‌أفضل الصدقة جهد المقل:

- ‌فضل الصدقة على الزوجة والأولاد:

- ‌حكم صدقة المرأة من مال زوجها:

- ‌جواز تصدق المرأة على زوجها:

- ‌كراهية سؤال الناس لغير ضرورة:

- ‌مسائل مهمة:

- ‌3 - باب قسم الصدقات

- ‌أقسام أهل الزكاة:

- ‌متى تحل الزكاة للغني

- ‌من اللذين تتجل لهم الصدقة:

- ‌فائدة في أقسام البيئات:

- ‌الصدقة لا تحل للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لآله:

- ‌مسألة مهمة:

- ‌آل النبي الذين لا تحل لهم الصدقة:

- ‌حكم أخذ موالي آل الرسول صلى الله عليه وسلم من الصدقة

- ‌جواز الأخذ لمن أعطي بغير مسألة:

-

- ‌كتاب الصيام

- ‌مفهوم الصيام وحكمه:

- ‌فوائد الصيام:

- ‌النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين:

- ‌كيف يثبت دخول رمضان

- ‌يقبل خبر الواحد في إثبات الهلال:

- ‌حكم تبييت النية في الصيام:

- ‌مسألة: ما الحكم إذا تعارض الرفع والوقف

- ‌حكم قطع الصوم

- ‌فضل تعجيل الفطر:

- ‌فضل السُّحور:

- ‌النهي عن الوصال:

- ‌حكمة مشروعية الصيام:

- ‌هل تبطل الغيبة الصيام

- ‌حكم القبلة للصائم:

- ‌حكم الحجامة للصائم

- ‌فائدة في ثبوت النسخ في الأحكام:

- ‌حكم الفصد والشرط للصائم:

- ‌حكم الاكتحال للصائم:

- ‌حكم من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائم:

- ‌حكم من استقاء وهو صائم:

- ‌حكم الصيام في السفر:

- ‌جواز فطر الكبير والمريض:

- ‌حكم من جامع في رمضان:

- ‌مسألة: هل المرأة زوجة الرجل عليها كفارة

- ‌هل على من تعمد الفطر كفارة

- ‌حكم الصائم إذا أصبح جنبًا:

- ‌حكم من مات وعليه صوم:

- ‌1 - باب صوم التَّطوُّع وما نهي عن صومه

- ‌فضل صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء:

- ‌فائدة: حكم الاحتفال بالمولد النبوي:

- ‌فضل صيام ستة أيام من شوال:

- ‌فضل الصوم في شعبان:

- ‌حكم صوم المرأة بغير إذن زوجها:

- ‌فائدة: حكم سفر المرأة بغير إذن زوجها:

- ‌النهي عن صيام يوم الفطر ويوم النحر:

- ‌النهي عن صيام أيام التشريق:

- ‌فائدة في حقيقة الذكر:

- ‌حكم صيام يوم الجمعة:

- ‌حكم صيام يوم السبت والأحد تطوعًا:

- ‌حكم الصيام إذا انتصف شعبان:

- ‌النهي عن صوم يوم عرفة للحاج:

- ‌النهي عن صوم الدهر:

- ‌2 - باب الاعتكاف وقيام رمضان

- ‌مفهوم الاعتكاف وحكمه:

- ‌فضل العشر الأواخر من رمضان:

- ‌فائدة في ذكر أقسام أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌آداب الاعتكاف وأحكامه:

- ‌مسألة مهمة:

- ‌ليلة القدر

- ‌فضل المساجد الثلاثة:

- ‌فائدة:

-

- ‌كتاب الحج

- ‌تعريف الحج لغةً واصطلاحًا:

- ‌متى فرض الحج

- ‌1 - باب فضله وبيان من فرض عليه

- ‌شروط الحج المبرور:

- ‌جهاد النساء: الحج والعمرة:

- ‌حكم العمرة:

- ‌حكم حج الصبي:

- ‌حكم الحج عن الغير:

- ‌حكم سفر المرأة بغير محرم للحج والخلوة:

- ‌حكم من حج عن غيره قبل الحج عن نفسه:

- ‌فرض الحج في العمر مرة واحدة:

- ‌2 - باب المواقيت

- ‌المواقيت: تعريفها وبيان أقسامها:

- ‌3 - باب وجوه الإحرام وصفته

- ‌4 - باب الإحرام وما يتعلق به

- ‌استحباب رفع الصوت بالتلبية:

- ‌جواز استعمال الطيب عند الإحرام:

- ‌النهي عن النكاح والخطبة للمحرم:

- ‌من محظورات الإحرام قتل الصيد:

- ‌ما يجوز للمحرم قتله:

- ‌فائدة: أقسام الدواب من حيث القتل وعدمه:

- ‌حكم الحجامة للمحرم:

- ‌تحريم مكة:

- ‌تحريم المدينة:

- ‌5 - باب صفة الحج ودخول مكة

- ‌صفة دخول مكة:

- ‌صفة الطواف:

- ‌وقت رمي جمرة العقبة والوقوف بعرفة والمزدلفة:

- ‌متى تقطع التلبية

- ‌صفة رمي الجمرات ووقته:

- ‌وقت الحلق أو التقصير:

- ‌صفة التحلل عند الحصر وبعض أحكامه:

- ‌التحلل الأصغر:

- ‌عدم جواز الحلق النساء:

- ‌مسألة حكم قص المرأة لشعر رأسها

- ‌استحباب الخطبة يوم النحر:

- ‌حكم طواف الوداع في الحج والعمرة:

- ‌فضل الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي:

- ‌6 - باب الفوات والإحصار

- ‌الاشتراط عن الإحرام وأحكامه:

- ‌أسئلة مهمة على الحج:

- ‌كتاب البيوع

- ‌1 - باب شروطه وما نهي عنه

- ‌أطيب الكسب:

- ‌تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام:

- ‌تحريم بيع الميتة مثل الدخان والدم:

- ‌تحريم بيع الأصنام وما يلحق بها من الكتب المضلة والمجلات الخليعة:

- ‌النهي عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن:

- ‌جواز اشتراط منفعة المبيع للبائع:

- ‌جواز بيع المدبَّر إذا كان على صاحبه دين:

- ‌حكم أكل وبيع السمن الذي تقع فيه فأرة:

- ‌بطلان مخالفة الشرع:

- ‌حكم أمهات الأولاد:

- ‌النهي عن بيع فضل الماء وعسب الفحل:

- ‌النهى عن بيع الولاء وهبته:

- ‌النهي عن بيع الحصاة وبيع الغرر:

- ‌مسألة: هل يجوز بيع المسك في فأرته

- ‌بيع الجهالة:

- ‌النهى عن بيعتين في بيعة:

- ‌السلف والبيع:

- ‌بيع العُربان:

- ‌حكم بيع السلع حيث تُبتاع:

- ‌مسألة بيع الدَّين:

- ‌بيع النَّجش:

- ‌النهي عن المحاقلة والمزابنة وما أشبهها:

- ‌النهى عن تلقِّي الرُّكبان:

- ‌بيع الرجل على بيع أخيه المسلم:

- ‌حكم التفريق بين ذوي الرحم في البيع:

- ‌حكم التسعيرة:

- ‌ الاحتكار

- ‌بيع الإبل والغنم المصرَّاة:

- ‌تحريم الغش في البيع:

- ‌جواز التوكيل في البيع والشراء:

- ‌بيع الغرر:

- ‌بيع المضامين:

الفصل: بقى لنا في المثال الأول الذي قال: أنا جامعتها؛ لأن

بقى لنا في المثال الأول الذي قال: أنا جامعتها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "الحج عرفة"، هل يقبل تأويله وهو ليس من أهل الاجتهاد؟ هو سيقول: أنا أصلًا ما علمت أن هذا يحرم، وعلى كل حال: إذا كان جاهلًا فلا شيء عليه.

القسم الثالث: أن يفعل هذه المحظورات عالمًا ذاكرًا مختارًا لكن لعذر كأن يكن مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، والحمد لله أن الله رفع عنه الإثم وعليه الفدية؛ أي: فدية ذلك المحظور، لكن هل يدخل في هذا مسألة الجماع؟ يمكن أن يكون الإنسان مريضًا بسبق ولا يزول إلا بالجماع لا يزول بالاستمناء مثلًا ولا بالمباشرة، الشبق: هو أن بعض الناس إذا تحركت شهوته نزل الماء في الأنثيين وألمتاه تأليمًا عظيمًا، بل ربما يتورمان حتى ينزل، وبعض الناس -نسأل الله العافية- لا يذهب هذا إلا إذا جامع، والعلماء رحمهم الله كانوا يذكرون هذا ونستبعد أن يكون هذا الأمر، حتى ورد علي سؤال فيه من هذا العام في رمضان رجل مصاب بهذا الشيء ويقول عن نفسه: إنه لا ينفع فيه إلا الجماع، فلو فض أن الإنسان أصيب في الحج بهذا ولم يفده إلا الجماع فهذا ضرورة فهو من جنس كعب بن عجرة؛ لأنه لو لم يفعل لكان خطرًا على حياته، والحمد لله هذه القاعدة مستمرة فيما إذا فعل شيئًا من المحظورات عالمًا ذاكرًا مختارًا لكن لعذر اقتضى ذلك فإنه لا إثم عليه، ولكن عليه فدية ذلك المحظور، والله أعلم.

‌تحريم مكة:

704 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما فتح الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها، ولا يختلي شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، فقال العباس: إلا الاذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال: إلا الإذخر". متفق عليه.

فتح الله عليه مكة وذلك في رمضان من السنة الثامنة من الهجرة، وأسباب الفتح معلومة وهو أن قريشًا لما عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية نقضوا الصلح والعهد الذي كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يبق لهم عهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم وقاتلهم، ففتحها الله عليه عنوة بالسيف ولكنها لم تقسم؛ لأنها محل شعائر الإسلام ومشاعر الحج، فلا يمكن قسمتها.

ص: 387

قال: "إن الله حبس عن مكة الفيل"، "حبس" أي: منع، والفيل هو الفيل الذي أتى به أبرهة من أجل أن يهدم الكعبة، والقصة مشهورة معلومة في التاريخ ومعلومة في التفسير، وذلك أن الله تعالى أرسل عليهم طيرًا أبابيل؛ أي: جماعات متفرقة، ترميهم بحجارة من سجيل: حجارة صلبة، فجعلهم كعصف مأكول، وأبادهم عن آخرهم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم سلطة الله عليها والمؤمنين؛ أي: جعل لهم السلطة عليها في دخولها.

فإن قلت: ما الرابطة بين حبس الفيل وتسليط الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟

فالجواب: أن الفيل لو دخل مكة لحصل بنيهم وبين أهل مكة قتال، وانتهكت فيه حرمة الحرم، أما النبي صلى الله عليه وسلم فحصل بينه وبين أهل مكة قتال، وسيأتي بيان أن هذا خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم.

فإن قلت: لماذا منع الله الفيل وسلط رسوله والمؤمنين عليها؟

فالجواب: أن أصحاب الفيل جاءوا لإهانة الكعبة؛ وأما النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم فجاءوا لتعظيم الكعبة؛ ولهذا لما قال سعد بن عبادة رضي الله عنه: "اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة" قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كذبت، بل هذا يوم تعظم فيه الكعبة"، إذن فالفرق بينهما ظاهر، والحكمة في تسليط الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه دون أصحاب الفيل ظاهرة جدًا.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وسلط عليها رسوله والمؤمنين وإنها لم تحل لأحد كان قبلي"، يعني: ما أحد من الأنبياء وأممهم أحل الله له أن يدخل مكة بقتال أبدًا؛ لأن مكة معظمة الأشجار وهي جمادات نامية محترمة فيها كما سيأتي.

قال: "وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من النهار"، وهي ما بين طلوع الشمس إلى صلاة العصر، الوقت الذي لابد فيه من القتال حتى يدخلها النبي صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار، أحلت للرسول صلى الله عليه وسلم فهي لم تحل لأحد قلبه ولم تحل له حلًا مطلقًا وإنما أحلت له ساعة من نهار بقدر الضرورة.

ثم قال: "وإنها لن تحل لأحد بعدي"، فصارت مكة حرامًا قبل الرسول صلى الله عليه وسلم وحرامًا بعده في أول البعثة وآخرها ولم تحل للرسول صلى الله عليه وسلم إلا ساعة من نهار في كل عهد رسالته صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على عظمة هذا البيت عند الله سبحانه وتعالى قال:"فلا ينفر صيدها"، وفي حديث آخر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"إن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم".

قال: "فلا ينفر صيدها" معنى: "ينفر" أي: يطرد ولا يزجر ولا يشوش عليه فلو أتيت إلى الصيد وهو

ص: 388

مستظل في شجرة فإنه لا يجوز لك أن تنفره ولا يجوز لك قتله من باب أولى، أما لو نفر بدون تنفير مثل: أن يطير عندما أحس بالماشي حوله، فإنه لا إثم عليك في ذلك؛ لأنك لم تنفره.

قال: "ولا يختلي شوكها"، وفيها لفظ "ولا يعضد" أي: يقطع شوكها، "ول يختلي خلاها"، الخلي: الحشيش؛ أي: لا يحش، والعضد: القطع، "والشوك" يعني: الشجر ذات الشوك؛ أي: أن حشيشها لا يحش، وشجرها لا يقطع ولو كان ذا شوك احترامًا للمكان، ولو فرض أن أحدًا أراد أن يفتح خطًا ووجد فيه شجرة، فإنه لا يقطعها اللهم إلا إن دعت الضرورة القصوى إلى ذلك فنعم. قال:"ولا يعضد شوكها".

"ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد""ساقطتها" يعني: اللقطة، "لا تحل إلا لمنشد" يعني: إلا لمن أراد أن ينشدها مدى الدهر، فمن أخذها لا للإنشاد فهو حرام، ومن أخذها للتملك بعد الإنشاد فهو حرام، ومن أخذها للإنشاد دائمًا فهو حلال فالأحوال ثلاثة، يحل منها الأخير، أما لقطة غيرها فيحل منه الثاني، وأما الأول فلا يحل في أي لقطة كانت، ومن أخذ اللقطة للتملك من الآن فهذا لا يجوز لا في مكة ولا في غيرها، ومن أخذها للتملك بعد الإنشاد الشرعي فهو جائز في غير مكة، ومن أخذها للإنشاد دائمًا فهو جائز في مكة وغيرها، لكن في غير مكة ليس بواجب، وفي مكة يجب الإنشاد دائمًا.

قال: "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين"، لما بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن القتال محرم في مكة كان إيرادًا ورد فقال: والقتل؟ قال: القتل إذا كان قصاصًا فلا بأس به، "من قتل له قتيل في مكة فهو بخير النظرين" ما هما؟ إما أن يقتل القاتل، وإما أن يأخذ الدية، فإذا قتل لإنسان شخص في مكة عمدًا يثبت فيه القصاص فإننا نقول لأولياته: أنتم الآن بالخيار إن شئتم اقتلوا القاتل وإن شئتم خذوا الدية، وقوله:"بخير النظرين" باعتبار المصلحة، أو باعتبار ما يريده الأولياء؟ الظاهر الثاني، لأن هذا الخيار خيار تشه لا خيار مصلحة.

وقد مر علينا منذ زمن بأن التخيير إن كان للمصلحة فيجب فيه إتباع المصلحة وإن كان تخيير تشه وإرادة، فالإنسان فيه مخير، ففي كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة هذا اختيار تشه، فأي شيء كفرت به فهو جائز، وفي تخيير الإمام في الأسرى من الكفار بين القتل والفداء بمال أو أسير والمن، هذا تخيير مصلحة فإذا كان التصرف للغير فتخيير مصلحة، للنفس فتخيير تشه وهنا التصرف للنفس فيكون التخيير تشهيًا إن اشتهيت فاقتل وإن اشتهيت فخذ دية.

فقال العباس: "إلا الإذخر يا رسول الله، فقال: إلا الإذخر" الإذخر: نبت معروف في مكة وبين العباس رضي الله عنه السبب في ذلك قال: "يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا". فقال: "إلا

ص: 389

الإذخر". الإذخر: نبت معروف في الحجاز له سيقان مثل أعواد الكبريت يجعل في القبور وفي البيوت، في القبور يجعل فيما بين اللبنات حتى لا ينهال التراب، وفي البيوت يجعل فيما بين الجريدة في السقف ويوضع الطين فوق السقف، فأول ما نجعل خشب ثم الجريد ثم الإذخر ثم الطين، والآذخر هذا يمنع تساقط الطين من بين الجريدة فالناس في حاجة إليه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إلا الإذخر".

في هذا الحديث فوائد: أولًا: انتهاز النبي صلى الله عليه وسلم الفرصة في الخطب حين دعت الحاجة إليها؛ لأنه خطب في وقت يحتاج فيه الناس إلى بيان الأحكام فخطب الرسول فبين الأحكام.

ثانيًا: أن الخطب تبتدأ بالحمد لله والثناء عليه.

ثالثًا: أنه ليس بلازم أن تثني بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

رابعًا: بيان أن الله سبحانه وتعالى خالق أفعال العباد بهيمها وناطقها لقوله: "إن الله حبس عن مكة الفيل"؛ لأن الفيل كانوا إذا وجوه إلى مكة حرن وأبى أن يتقدم، وإذا وجهوه إلى اليمن مشي، والذي حبسه هو الله، إذن فعل الفيل في مشيئة الله، ففيه دليل على عموم مشيئته الله في أفعال المخلوقين بهيمها وناطقها.

ومن فوائده أيضًا: أن الله سبحانه له الحكم فيما أراد من خلقه الكوني والشرعي، ولهذا منع كونًا الفيل وأذن شرعًا للرسول صلى الله عليه وسلم فسلطه على مكة ومن معه من المؤمنين.

ومن فوائد الحديث: بيان عظمة الكعبة؛ لأنها لم تحل لأحد من الناس قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم تحل للرسول صلى الله عليه وسلم إلا بقدر الضرورة لقوله:"وإنما أحلت لي ساعة من نهار".

ومن فوائده: أن الضرورات تقدر بقدرها لا يزيد الإنسان فيها على قدر الضرورة؛ أي: أن ما أبيح للضرورة لا يجوز أن يتعدى به موضع الضرورة، وهذه قاعدة نافعة في كل الأحكام، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أبيحت له ساعة من نهار؛ إذ لا يتمكن أن يزيل هذا الكفر والشرك حتى تكون مكة بلاد إسلام إلا بهذا القتال ولولا ذلك ما تمكن ولبقيت محترمة بمن فيها من الكفار ولم يستطع أحد الوصول إليها.

ومن فوائد الحديث: تحريم القتال بمكة لقوله: "وإنها لن تحل لأحد بعدي"، ولكن إذا قوتل الإنسان فيها فله أن يقاتل لقوله تعالى:{ولا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [البقرة: 191]. ولهذا أجاز النبي صلى الله عليه وسلم القتل في القصاص؛ لأنه قتل بحق، وهذا القتل أخص من القتال؛ لأنه قد يجوز القتال ولا يجوز القتل، مثال ذلك: لو ترك أهل بلد الأذان والإقامة وجب قتالهم، ولكن لا يجوز قتلهم فإذا استسلموا لا نقتلهم ولا نجهر على جريحهم.

ص: 390

ومن فوائد الحديث: جواز النسخ في الأحكام الشرعية؛ لأن تحريم مكة نسخ.

ومنها: جواز توقيت النسخ؛ حيث نسخ التحريم إلى الحل: "ساعة من نهار".

ومنها: إثبات الحكمة لله عز وجل بأن هذا النسخ المؤقت لحكمة.

ومنها: تعليل الأحكام الشرعية وأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.

ومن فوائده: تحريم الصيد في مكة لقوله: "لا ينفر صيدها"، وتحريم القتل من باب أولى.

ومن فوائد الحديث: تحريم قطع الشجر صغيره وكبيره مؤذية لقوله: "ولا يتخلى شوكها" وهذا إذا كان الشجر نبت بفعل الله عز وجل، أما ما نبت بزرع الآدمي فإنه ملكه له أن يتصرف فيه بما شاء، فلو غرس الإنسان نخلة في مكة فله أن يجتثها، ولو غرس شجرة فله أن يجتثها، ولو زرع زرعا فله أن يحصده، أما ما نبت بدون فعل الآدمي، فإنه محترم لا يجوز قطعه.

ومنها: أن لقطة الحرم لا تملك بالتعريف لقوله: "ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد"، وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة، ومنهم من قال: إن لقطة الحرم كغيرها تملك بالتعريف، وإنما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا تحل ساقطتها إلا لمنشد" من باب التأكيد على الإنشاد، ولكن الصحيح الأول.

فإذا قال قائل: إذا علم الإنسان أنه لابد أن ينشدها مدى الدهر إلى أن يجد صاحبها فإنه لن يأخذ فماذا نقول؟

نقول: لا يأخذها، والشارع ما أراد إلا هذا ألا تأخذها، وإذا جاء ثان لا يأخذها، وثالث لا يأخذها حتى تبقى في مكانها، وصاحبها إذا فقدها رجع من حيث جاء ووجدها حتى يبقى كل شيء آمنًا، لكن في عصرنا الآن نرى أنه لو تركها لجاء من بعده وأخذها وجاء من لا يسأل، يعني: يأخذها للتملك، فنقول حينئذ: إذا كان يخاف أن تؤخذ على وجه التملك ولا يبحث عن صاحبها فالأولى أن يأخذها ويسلمها إلى الجهات المسئولة إلى ولي الأمر مثلًا، وبذلك تبرأ ذمته وهذا إن لم يكن يعلم صاحبها، فإن علم صاحبها بكتابة أو رسم فإنه يأخذها ويسلمها له.

ومن فوائد اللحديث: أن أولياء المقتول لهم الخيار بين القتل والدية لقوله: "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين"، وأنه لا فرق بين أن يكون ذلك في مكة أو في غيرها.

ومن فوائد الحديث: جواز القتل في مكة بحق لقوله: "فهو بخير النظرين"، فإذا زنى الإنسان في مكة وهو محصن فإننا نرجمه ولا نقول: هذا في مكان آمن نقول: لأنه من حيث المعنى والعلة، لأنه لما انتهك حرمته صار هو لا حرمة له، وكذلك لو وجب على شخص قتل للفساد في الأرض فإننا نقلته، لو

ص: 391

أن أحدًا ارتد في مكة وصار لا يصلي وأبي إن يتوب فإننا نقتله؛ لأن هذا إذا قدر أننا لن نقتله أو صار الحاكم ضعيفًا لا يجرؤ على قتله فإنه يجب إخراجه، لأنه كافر، والكافر لا يجوز بقاؤه في مكة.

ومن فوائد الحديث: أن من الناس من يكون فيه بركة في تشريع الأحكام الشرعية كما أن من الناس من يكون فيه شؤم، فالأقرع بن حابس لما قال فيما سبق: أفي كل عام؟ هذا سؤال لا ينبغي فلو قال الرسول: نعم، لو جبت ولما استطعنا، أما إذا كان الإنسان الذي يسأل يسأل في تخفيف على المسلمين فهذا يحمد عليه ويكون من بركاته، كما ذكر أسيد بن حضير في قصة عقد عائشة حين فقد ولم يكن عند الناس ماء ونزلت آية التيمم قال:"ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر"، إذن من بركات العباس: استثناء الإذخر الذي يحتاجه الناس في مكة للبيوت والقبور.

ومن فوائد الحديث: أنه لا يشترط في الاستثناء نيته قبل تمام المستثنى منه ولا اتصاله به أيضًا، وجهه: أن الرسول قال: "إلا الإذخر" ولم يكن نواه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لو نواه لقال: ولا يختلى شوكها إلا الإذخر، وأيضًا حصل فصل بين المستثنى والمستثنى منه وهو:"لا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين"، وكلام العباس ثم قال:"إلا الإذخر" فهنا استثناء مع الفضل ومع عدم النية لكن الكلام واحد، فإذا اتصل المستثنى بالمستثنى منه في كلام واحد ولم يل المستثنى منه أو لم ينوه المستثنى فهو صحيح، ومن العلماء من يقول: إنه تشترط نية الاستثناء قبل تمام المستثنى منه، ويشترط أيضًا الاتصال، فكيف يجيبون عن هذا الحديث؟ يقولون: إن قوله: "إلا الإذخر" هذا نسخ وليس بتخصيص، فيقال لهم: سبحان الله! هل يمكن أن نجعل إلا الإذخر حديثًا مستقلاُ؟ الجواب: لا يمكن؛ لأن فيه أداة الاستثاء، لكن هذا أمر يسلكه بعض الناس إذا اعتقد شيئًا حاول إن يحوّل النصوص إلى اعتقاده، وهذه طريقة ليست بسليمة، فالواجب على الإنسان أن ينظر ما تدل عليه النصوص ويتبعها لا أن يرى رأيا فيتبع النصوص ذلك الرأي.

الشاهد من هذا الحديث: ما يتعلق بالصيد، ولكنه في الواقع لا مناسبة فيه للباب؛ لأن الباب:"الإحرام وما يتعلق به" والذي ذكر في هذا الحديث ما يتعلق بالحرم لا بالإحرام، الشجر تحريمه يتعلق بالحرم فقط، ولهذا يحرك قطع الشجر في الحرم على المحلّ والمحرم، ويحل قطع الشجر في الحل للمحرم وغير المحرم فلا علاقة له بالإحرام، الصيد له علاقة بالحرم والإحرام، ولهذا يحرم الصيد في الحرم على المحلّ والمحرم، ويحرم الصيد على المحرم في الحل والحرم، وإذا كان المحرم في الحرم حرم عليه الصيد من وجهين: كونه في الحرم وكونه محرمًا، وهل يلزمه جزاءان لوجود السببين، أو جزاء واحد؟ قال بعض العلماء:

ص: 392