الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنها أيضًا: كسر النفس عن الأشر والبطر؛ لأن الإنسان إذا فقد الأكل والشرب وذاق ألم الجوع والعطش فإن نفسه التي تعلو في غلوائها تحبط وتعرف أنها في ضرورة إلى ربها عز وجل فتنكسر حدة النفس.
ومنها أيضًا: أنه يضيق مجاري الشيطان، وهي مجاري الدم، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فإذا ضاقت المجاري عليه قل سلوكه لها.
ومنها أيضًا: أنه يذيب الفضلات التي في الجسم، فإن الجسم مع كثرة الأكل والشرب قد يكون فيه فضلات كثيرة متحجرة ورواسب، فإذا صام فإن الجسم يضمر حتى تخرج هذه الفضلات والرواسب.
ومنها أيضًا: أنه يحمل المرء على التقوى والعبادة، ولهذا نرى الناس في رمضان يكثرون من العبادة أكثر منها في غير رمضان.
ومنها: أنه يساعد الشاب على تحمل الصبر عن النكاح؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم".
ومنها: إتمام أنواع العبادة؛ لأن التكليف الذي كلف الله به عباده إما بذل محبوب أو كف عن محبوب أو تعب البدن، بذل المحبوب كالمال في الزكاة، والكف عن المحبوب كالصيام، وإجهاد النفس بالعمل كالصلاة والحج والجهاد وما أشبه ذلك.
حكم القبلة للصائم:
633 -
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّل وهو صائمٌ، ويباشر وهو صائمٌ، ولكنه أملككم لإربه". متَّفقٌ عليه، واللَّفظ لمسلمٍ.
- وزاد في روايةٍ: "في رمضان".
قولها: "يقبِّل" يعني: يقبل أهله وزوجته وهو صائم، والتقبيل معروف، وجملة "وهو صائم" في موضع نصب على الحال، وهو عام لصيام الفرض والنفل.
"ويباشر وهو صائم" المباشرة أخص من التقبيل، وعرفها بعضهم: بأنها الجماع بما دون الفرج، وقولها:"وهو صائم" أيضًا الجملة في موضع نصب على الحال.
قالت: "ولكنه أملككم لإربه" يقال: إربه وأربه، الأرب: الحاجة، والإرب: العضو، يعني عضو النكاح، والمعنى واحد، يعني: أربه وإربه كلاهما يؤدي إلى شيء واحد، وهو أنه يملك حاجته وهي الجماع في هذا الموضع، فهو- عليه الصلاة والسلام يملك حاجته.
قال: وزاد في رواية: "في رمضان"، وعلى هذا يكون قولها:"وهو صائم" الذي ذكرنا قبل قليل أنه يعم الفرض والنفل، يكون هذا الحديث في الفرض لكن إذا جاز في الفرض ففي غيره من باب أولى.
ففي هذا الحديث تخبر عائشة رضي الله عنها عن أمر خفي لا يطلع عليه إلا أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا من جملة الفوائد التي أشرنا إليها فيما سبق في تعدد أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينقلن للناس ما لا يطلع عليه إلا هن، فهي هنا أخبرت أنه يقبِّل وهو صائم، والتقبيل كما نعرف لا بد أنه يحرك الشهوة، اللهم إلا من رجل ميت الشهوة ضعيف فيها جدًّا فهذا لا تتحرك شهوته، أما رجل فيه شيء للنساء فإنه لا بد أن تحرك القبلة شهوته إذا قبَّل زوجته، وكذلك أيضًا إذا أخذ يباشر وهو أعظم من التقبيل، لأن المباشرة هنا الجماع فيما دون الفرج وهو أشد من التقبيل إثارة للشهوة.
قالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض". فهذا الحديث يفسر الحديث الذي نحن بصدده، ولكن هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينزل؟ قولها:"ولكنه كان أملككم لإربه" يدل على أنه لا ينزل، وأنه يملك نفسه بحيث لا يخرج منه شيء بهذا التقبيل وهذه المباشرة، وهذه الجملة أرادت رضي الله عنها ألا يتصرف الناس كتصرف النبي صلى الله عليه وسلم إذا كانوا لا يملكون أنفسهم؛ لأن الجملة التعليلية لا بد أن يكون لها أثرها، فإذا كان الإنسان لا يملك إربه ويخشى على نفسه أن يجامع أو أن ينزل فإنه يجب عليه أن يتوقف ولا يجوز له أن يفعل ذلك؛ لأنه يعرض صيامه للخطر إلا إذا كان الصيام نفلًا، فإن صيام النفل يجوز للإنسان أن يقطعه تعمدًا، أو إذا كان الصيام فرضًا في حال لا يلزمه الصيام فيها، فإذا كان فرضًا في حال لا يلزمه الصيام فيها فله أن يفعل، كما لو كان في سفر، فإن المسافر له أن يفطر في نهار رمضان، فله أن يباشر وأن يقبِّل وأن يجامع وأن يأكل ويشرب ولا حرج عليه؛ لأنه أبيح له أن يفعل.
استفدنا من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: جواز الحديث عما يستحيا منه في إظهار الحق لفعل عائشة رضي الله عنها حيث تكلمت بأمر يستحيا منه، فإن المرأة تستحيي من هذا، لا سيما إذا كانت تريد نفسها كما تدل عليه الرواية الأخرى أنه يقبِّلها هي رضي الله عنها، لكن في بيان الحق لا ينبغي أن يستحيي الإنسان من أي شيء، ولهذا قالت أم سليم لما سألت الرسول صلى الله عليه وسلم عن المرأة تحتلم قالت مقدمة لسؤالها: إن الله لا يستحيي من الحق .. إلخ، والاستحياء من الحق لا
يمدح بل يذم؛ لأنه خور وجبن من الإنسان المستحيي، وأنت أيضًا إذا استحييت من الحق فمعناه: أنك فوَّت القول بالحق أو فوَّت فعل الحق.
ومن فوائد الحديث: جواز التقبيل للصائم، كيف ذلك؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم.
فإن قلت: الرسول صلى الله عليه وسلم عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
فالجواب: أن هذا أورد على النبي صلى الله عليه وسلم أورده عليه عمر بن أبي سلمة حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن القبلة للصائم، فقال:"سل هذه"، فأخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، فقال: يا رسول الله إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أعلم الناس بالله وأتقاهم لله وأخشاهم له.
إذن هذا الإيراد أجاب عنه الرسول صلى الله عليه وسلم نقول: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر} [الأحزاب: 21]. وهل يستحب أن يقبل وهو صائم أو يباشر وهو صائم؟ لا، لكن بعض العلماء كابن حزم رحمه الله قال: إنه يستحب للإنسان أن يقبل وهو صائم؛ لأنه يؤجر على ذلك، وأن يباشر وهو صائم ويؤجر على ذلك، ولكن هذا قول ضعيف جدًا؛ لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم لهذا على سبيل التقرب والتعبد، لكنه بمقتضى الجبلة والطبيعة، وما كان كذلك فإنه لا يقال: إنه مستحب، لكن فعله في الصيام يدل على الجواز، نعم لو فرض أن الإنسان فعله ليبين جوازه فهذا قد يقال: إنه يؤجر لا من أجل التقبيل أو المباشرة، ولكن من أجل بيان السنة وتثبيتها؛ لأن الناس قد يقبلون السُّنة بالفعل أكثر مما يقبلونها بالقول، فإذا كان مثلًا رجل عنده ابنه وهو شاب، والأب شيخ كبير قبل زوجته وأبوه يشهده فأخذ الخشبة ليضر به بها، وقال: هذا حرام كيف تقبل امرأتك؟ فعاد مرة أخرى ليبين له الجواز يؤجر بهذا؛ لأنه يريد إظهار السُّنة، ولاشك أن إظهار السُّنة لا سيما في مثل الأمر الذي يستعظمه العامة- وهو ليس بعظيم- لا شك، ولا نقول: يطلب للصائم أن يقبل زوجته كما يطلب له أن يدعو الله ويذكر الله ويقرأ القرآن وما أشبه ذلك.
وفيه دليل أيضًا على أنه لا فرق بين الشاب والشيخ، والدليل: أننا نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مما حبَّب إليه النساء، وكان أعطي قوة ثلاثين رجلًا، ولاشك أنه يشتهي النساء، ومع
ذلك يقبل وهو صائم، فلا فرق بين الشاب والشيخ، وأما ما رواه أبو داود في التفريق بينهما فضعيف لا تقوم به حجة.
ويستفاد من الحديث: أن من لا يملك نفسه فلا يفعل هذا الفعل لقولها: "وكان أملككم لإربه"، فمن لا يملك نفسه بمعنى: أنه يخشى إن باشر ألَاّ يملك نفسه فيجامع، فإنا نقول: لا تفعل من باب سد الذرائع، والناس يختلفون في قوة الإيمان، وفي قوة ملك النفس، فإن بعض الناس قد يمنعه إيمانه من تجاوز الحلال إلى الحرام، وبعض الناس يمنعه أيضًا ملكه نفسه- وإن كان ليس قوي الإيمان- لكن الممنوع أن يأتي ذلك رجل لا يستطيع أن يملك نفسه عن فعل الشيء المحرم، على كل حال الناس يختلفون.
ويستفاد من هذا الحديث كما أستفاده بعضهم: أنه لو أنزل لم يفسد صومه، وجه الدلالة: قال: لأن المباشر عند أكثر الناس سبب للإنزال، واحتج وقال: إنكم تقولون: إذا قبَّل فقط أو باشر فقط بدون إنزال لم يفسد صومه، وإذا أنزل بدون التقبيل ولا مباشرة لم يفسد صومه، يعني: كما لو فكر وأنزل فإنه لا يفسد صومه، فما الذي جعلهما مجتمعين يفسدان الصوم؟ يعني: إذا حصل تقبيل وإنزال أو مباشرة وإنزال فسد هذا تقرير مذهبه، فماذا تقولون؟ نقول: يرتفع الحكم بالإنزال بلا مباشرة بأنه حديث نفس، وقد عفا الله عن حديث النفس، ويرتفع الحكم بالنسبة للمباشرة المجردة بهذا الحديث، ونحن نقول: إذا أنزل بفعله فإن صومه يفسد؛ لأن قول عائشة رضي الله عنها: "كان أملككم لإربه" يشير إلى هذا.
ثانيًا: لاشك أن الإنزال شهوة، وفي الحديث الصحيح في ثواب الصيام:"يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي"، والمني شهوة بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: نعم، أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر"، والذي يوضع هو المني، فهذا أيضًا يدل على أن الإنزال بالمباشرة أو التقبيل مفطر، ونحن قد نلتزم بأنه بالتفكير يفطر الإنزال، لكن عندنا حديث:"إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم"؛ لأنه لولا هذا الحديث لقلنا: إذا أنزل بالتفكير أفطر.