الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أساسات الجدران، الحصى المدفون في الأرض، أو ما يسمى عندنا بالقواعد، هذه يغتفر فيها الجهالة لأن الناس لا يعدون ذلك غررًا، ولأن إلزام الإنسان بأن يحفر ذلك فيه مفسدة أكثر، لو أن واحدًا باع عليك فلَّة نقول: البيع هذا غرر، لماذا؟ قال: لم أر القواعد، ماذا تريد؟ قال: أحفر حتى أرى القواعد، هذا معناه: تكسر البناء، إذن هذا مما لا يعده الناس غررًا ولا يلتفتون إليه، نعم لو فرض أن هذه العمارة حول أرض قد تنهار فهذا ربما يطابق، يعني: حولها مثلًا مياه جارية ويخشى أن تنهار، فقد يقال: إنه لا بد من الاطلاع على المدفون، وأما العادي فهو عادي.
بيع الفجل والبصل وشبهه هل يجوز؟ قال بعض العلماء: لا يجوز؛ لأن المقصود منه مستتر في الأرض، والمستتر مجهول، وهذا هو المشهور من المذهب، وإذا كان مجهولًا فهو غرر فلا يصح بيعه، بيع أوراقه الظاهرة يجوز، لكن الكلام على بيع الثمرة، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله جواز بيعه وقال: إن هذا مما يعرفه أهل الخبرة يعرفون المندفن بما ظهر؛ أي: بأوراقه وقوتها، وما زال الناس يتبايعون هذا من غير نكير، وعليه فإذا كان في حياض من البصل وجاء صاحبها ليبيعها المذهب لا تباع حتى تنبش وترى، والقول الثاني: تباع وإن لم تنبش لأن هذا معلوم عند أهل الخبرة وليس فيه غرر.
مسألة: هل يجوز بيع المسك في فأرته
؟
الفأرة: وعاء المسك، نقول: إن هذا ليس فيه غرر عند الناس؛ لأن الناس يعرفون ذلك لكنه لا يباع إلا على صاحب خبرة يعرف ذلك، فالمهم أن هذه المسائل منها ما هو متفق على جوازه كأساسات الحيطان، ومنها ما هو مختلف فيه كالبصل والفجل وشبهه، ومنها ما هو متفق على منعه كالأمثلة التي سبقت لنا.
بيع الجهالة:
765 -
وعنه رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اشترى طعامًا فلا يبعه حتَّى يكتاله". رواه مسلمٌ.
الجملة هنا شرطية، أداة الشرط فيها "من"، وجواب الشرط "فلا يبعه"، واقترن الجواب بالفاء؛ لأن الجملة طلبية، وإذا كانت الجملة طلبية وجب اقترانها بالفاء كما قال الناظم:
اسميَّةٌ طلبيَّةٌ وبجامد
…
وبما وقد وبلن وبالتَّنفيس
وقوله: "حتى يكتاله" هذا إذا بيع كيلًا، أما إذا بيع جزاقًا فيباع وإن لم يكتل لأنه لا حاجة لاكتياله.
الطعام ما هو؟ الطعام: كل ما يؤكل، ولكن قوله:"حتى يكتاله" يدل على أن المراد به: الطعام الذي يجري فيه الكيل البرّ والشعير والتمر والزبيب والأقط والرز والذُّرة وما أشبه ذلك، المهم الذي يؤكل ويكال إذا اشتريته فلا تبعه حتى تكتاله، مثال ذلك اشتريت من صاحب المزرعة هذه الكومة من الحبّ كل صاع بدرهم فجاءني شخص وقال: بع عليّ هذا البرّ الذي اشتريته من فلان، هل يجوز؟ لا، حتى أكتاله أولًا ثم أبيعه بعته عليه، فإذا قال: بعه عليّ وأكتاله أنا بالوكالة عنك؛ نقول: لا يصح، ولا يمكن أن أبيعه، أوكِّلك في قبضه لا بأس، اذهب واكتله نيابة عني، ثم إذا اكتلته وتمّ اكتياله [سلمه لي] وأبيع عليك، ما الحكمة من عدم البيع؟ للجهالة، لأنه لا يتحقق الغابن إلا بالاكتيال قد ينقص وقد يزيد، والعادة أن هذه الحبوب كلما مضى عليها وقت تنقص إلا إذا كان الجوّ فيه ندى هذه ربما تزيد وإلا فالأصل أنها كلما مضى عليها وقت يبست، وحينئذٍ إن زادت صار الغبن على المشتري وإن نقصت صار الغبن على البائع، فأنا أكيلها أولًا ثم بعد ذلك أبيعها إن نقصت بعد الكيل كان عليّ وليس على البائع، فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها، وهنا نسأل هل يقاس عليه غيره، مثل: أن يبيع شيئًا يوزن فنقول: لا تبعه حتى تزنه؟ الجواب: نعم، نقول: إذا باع الإنسان شيئًا يوزن فلا يبعه حتى يزنه؛ لأن العلة واحدة وهي احتمال الزيادة والنقص، ولأن متعلقات البيع الأول لم تتم بعد فيبيعه وقد تعلق به شيء من تمام العقد الأول وهو الكيل أو الوزن، هل يقاس على ذلك ما يباع بالعدد؟ مثل أن أقول: بعتك هذا التفاح كل واحدة بكذا وكذا، أو هذا البيض كل واحدة بكذا وكذا وأنا قد اشتريتها من فلان عددًا؟ الجواب: نعم؛ لأن العلة واحدة.
وهل يقاس على ذلك ما بيع بالذرع مثل أن أبيعك هذه الطَّيَّة من الحبال كل متر بكذا وكذا؟ الجواب: نعم؛ لأنه يحتاج إلى ذرع، فإذا قال قائل: ما هي العلة؟ نقول: اختلف في هذا أهل العلم، فابن عباس رضي الله عنهما ذكر أن العلة أنه قد يتخذ حيلة، أو أنه يشبه بيع دراهم بدراهم إذا اشتريته منك أيها البائع وهو عندك لم أكله أو لم أزنه أو لم أعده اشتريته بمائة ثم بعته قبل أن أقبضه على زيد بمائة وعشرين، السلعة ليست بيدي الآن ولا تحت قبضتي وإنما السلعة تحت قبضة البائع، يقول: فكأنه باع دراهم بدراهم، الدراهم التي أعطاها البائع أو التي هي ثابتة في ذمته لم يسلمها بعد وأخذ من المشتري الثاني الجديد دراهم كأنه باع الدراهم التي سلمها للبائع أو التي في ذمته الآن بالدراهم التي أخذها من المشتري الجديد، ولهذا قال: تلك دراهم بدراهم فهي تشبه بيع الدراهم بالدراهم؛ لأن المشتري الأول لم يقبض السلعة ولم يكتلها هذا
واحد، وبعضهم علل بأن البيع الأول لم يتم بعد؛ لأن فيه شيئًا من متعلقاته وهو الكيل أو الوزن أو العدد أو الذّرع، فهو إلى الآن لم يتخلص من متعلقات البيع الأول، فإذا باعها أدخل بيعًا على بيع، ومن العلماء من علل بأن المشتري ربما يبيعها بأكثر مما اشتراها، فما هو الغالب خصوصًا الذي يشتري السلع الغالب أنه لا يبيع إلا بربح، فإذا علم البائع الأول ربح المشتري فإنه يماطل في التسليم، وربما يتحيل على إبطال البيع بأي سبب لأجل أن يحرم المشتري هذا الربح الذي هو إلى الآن في قبضة البائع، وهذا الأخير علل به شيخ الإسلام ابن تيمية، ولهذا قال: إنه لو باعه بدون ربح فلا بأس، أو باعه على البائع الذي باع عليه فلا بأس، لكن لا شك أن هذه العلة التي ذكرها شيخ الإسلام تستلزم تخصيص العموم؛ لأن الحديث عام:"من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه أو حتى يكتاله".
فنقول: الحديث عام، وتخصيص العموم بعلة مستنبطة لم ينص عليه الشرع فيه نظر، لماذا يكون فيه نظر؟ لأنه من الجائز ألا تكون هذه هي العلة، وهذا واقع، ولهذا لم يعلل ابن عباس بهذا الشيء، إنما علل بأن دراهم بدراهم.
وعلى هذا فنقول: إن ظاهر الحديث يدل على أنه لا يجوز بيعه لا على البائع ولا على غيره بدون ربح، بل الحديث يدل على منع البيع على البائع وعلى غيره بربح وبغير ربح، نحن قسنا على الطعام المكيل كل شيء بيع بالوزن أو بيع بالعدّ أو بيع بالذّرع، قلنا: العلة هي عدم الاستيفاء في كل منها، ولكن روى البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه"، أو قال:"حتى يقبضه"؛ قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله، فكأنه يرى رضي الله عنه أن الحديث عام في القياس.
فعلى هذا نقول: كل شيء يباع قبل قبضه فبيعه منهي عنه، سواء بيع بالكيل أو الوزن أو العدّ أو الذرع أو بيع بغير ذلك، ويؤيد هذا العموم ما رواه ابن عمر وزيد بن ثابت من أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تباع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، والمراد: حتى يحوزوها على مكان لا يختص بالبائع، فهذا الحديث عام، حتى قال ابن عمر: كانوا يضربون على بيعها قبل أن يحوزوها إلى رحالهم، وهذا يدل على أن كل شيء لا يباع حتى يقبض، وهذا القول هو أرجح الأقوال، وأن جميع الأشياء المبيعة لا تباع حتى تقبض؛ لأن ذلك أبعد عن التنازع فيما إذا حصل ربح وعن التنازع فيما إذا أراد البائع أن ينكد على المشتري ويفسد سمعته بين الناس، فكونه لا يبيع إلا إذا قبض لا شك أنه أولى وأحوط لأنه عام.