الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أحصر بمرض فإنه لا يتحلل، بل يبقى على إحرامه حتى يشفى ثم ينهي نسكه، فلو أن أحدًا مرض وقد أحرم بالعمرة فإننا نقول: لا تتحلل، بل عليك أن تبقى محرمًا حتى يشفيك الله عز وجل، ثم تكمل العمرة، وكذلك لو كسر الإنسان، فمثلًا إنسان أحرم بالعمرة ثم صار عليه حادث وانكسر ويعرف أنه لن يتمكن من قضاء أو من إتمام العمرة إلا بعد شهرين أو ثلاثة، فإنه يبقى على هذا القول - قول من يخصون الحصر بالعدو -بمعنى أنه يبقى محرمًا إلى أن يبرأ.
والقول في الثاني في المسألة: أن الحصر عام، وأن كل إنسان حصر عن إتمام نسكه فإنه يحل منه إن شاء لإطلاق الآية:{فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى} ، وأما تفريع حكم يختص ببعض أفراد هذا المطلق فإنه لا يدل على التخصيص وكذلك السبب لا يدل على التخصيص؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ثم على فرض أن الحصر بغير العدو لا تتناوله الآية بلفظها، فإنها تتناوله بمعناها، بجامع أن في حصر العدو منعًا من إتمام النسك، وكذلك في حصر المرض والكسر وما أشبه ذلك، فيلحق به من باب القياس على فرض أن اللفظ لا يشمله، وهذا القول هو الراجح؛ أي: أن الحصر عام، فإذا حصر الإنسان قلنا له: انحر هديًا واحلق رأسك.
وفي هذا: دليل على وجوب حلق الرأس ووجوب الهدي، أما الهدي فإنه بنص القرآن {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} وأما الحلق فإنه بالسنة:"أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلقوا"، وقد يقول قائل: إن في القرآن إشارة إليه وهو قوله: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محلَّه} [البقرة: 196]. فإن هذا يدل على أن الحلق مشروع لكن الوجوب يثبت بالسنة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بذلك، وعلى هذا فيكون الهدي واجبًا وكذلك الحلق، فإن قصر أجزأه، فإن خالف الترتيب فالظاهر أن هذا ليس بجائز لقوله:{ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محلَّه} ، ولم يرد ترخيص في التنكيس إلا في أنساك يوم العيد.
التحلل الأصغر:
733 -
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رميتم وحلقتم؛ فقد حلَّ لكم الطيب وكل شيءٍ إلا النساء". رواه أحمد، وأبو داود، وفي إسناده ضعف.
هذا الحديث وإن كان في إسناده ضعف يؤيده الحديث الثابت في الصحيحين كما سنذكر إن شاء الله.
يقول: "إذا رميتم" يعني: رمي جمرة العقبة يوم العيد، "وحلقتم"، وكذلك لو قصر الإنسان فهو بدل عن الحلق.
"فقد حل لكم الطيب وكل شيء إلا النساء"، الطيَّب يعني: ما يتطيب به الإنسان من دهن أو بخور أو غيره، "وكل شيء"؛ يعني: من محظورات الإحرام ليس كل شيء من الموجود؛ لأن الحل لا يحل كل المحرمات وإنما يحل المحظورات، فقوله:"وكل شيء" يعني: من محظورات الإحرام، ومحظورات الإحرام معروفة، مثل: الطيب، والنساء، والصيد، وحلق شعر الرأس، ولبس السراويل والبرانس والعمائم والخفاف، وللمرأة لبس القفازين، تغطية الرأس، النقاب للمرأة، عقد النكاح، الخطبة، هذه كلها تحل "إلا النساء" يعني بذلك: كل ما يتعلق بالنساء من الجماع والمباشرة والنكاح والخطبة، لكن متى يحل؟ إذا طاف ويسعى فيحل الحل كله وإن لم يرم.
ففي هذا الحديث دليل على أن الإنسان إذا رمى وحلق حلّ من كل شيء إلا النساء، هذا منطوق الحديث، ومفهومه إذا حلق فقط أو رمى فقط فإنه لا يحلّ، أما إذا حلق فقط فإنه لا يحلّ قولًا واحدًا؛ وأما إذا رمى فقط فظاهر الحديث أنه لا يحل وهو الصحيح، وقال بعض العلماء: إنه يحلّ، واستدل بأن الحديث روي على وجه آخر بسند أصح، وهو قوله:"إذا رميتم جمرة العقبة فقد حللتم من كل شيء إلا النساء". واستدلوا أيضًا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قطع التلبية عند رمي جمرة العقبة وهذا يدل على أنه شرع في التحلل وانتهى نسكه لأن التلبية تقال حتى ينتهي النُّسك ولكن القول الراجح ما دلّ عليه هذا الحديث وإن كان ضعيفًا لكنه يعضد بحديث عائشة الثابت في الصحيحين: "كنت أطيَّب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرمه ولحله قبل أن يطوف بالبيت"، فجعلت الطواف مباشرًا للحلّ، وهذا يدل على أن الحلق كان سابقًا للحلّ؛ لأنها جعلت الذي يلي الحلّ هو الطواف، إذن فالحلق سابق على الحلّ، وهذا يدل على أنه لا حلّ إلا بعد الحلق، وهذا أصح لهذا الحديث وللحديث الذي أشرنا إليه في الصحيحين والذهاب إليه أولى؛ لأنه أحوط، وكلما كان أحوط مع اشتباه الأدلة كان سلوكه أولى إن لم نقل أوجب لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".