الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحق أن يطالب به فورًا؟ فإن سكت وترك فلا بأس، فلو اشتريت مني شيئًا بعشرة وسكتّ ولم أطالبك إلا بعد شهر أو شهرين أو سنة فهذا لا بأس؛ لأن الحق للبائع فإن طلبه فور انعقاد البيع فله الحق، أما إذا كان مؤجلًا فإلى أجله.
وفي الحديث من الفوائد: انعقاد العقود بما دلّ عليها؛ لأننا لم نجد في هذا الحديث لما قال: "خذ جملك ودراهمك فهو لك" لم نجد أن فيه تصريحًا بلفظ الهبة ولا تصريحًا بلفظ القبول، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما قال: وهبتك، وجابر لم يقل: قبلت، وهذا القول هو الراجح على أن العقود تنعقد بما دلّ عليها حتى النكاح؛ لأن اللفظ تعبير عما في النفس، فإذا دل اللفظ على ما في النفس بأي لغة كان، وبأي لفظ كان، وبأي أسلوب كان فإنه يكون صالحًا أن ينعقد به عقد، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في صفية أنه أعتقها وجعل عتقها صداقها، فلو قال الرجل لأمته: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك، صح العتق، وصح النكاح، مع أنه ليس فيه إيجاب ولا قبول، يعني: ليس فيه لفظ أنكحتك أو أنكحت نفسي أمتي، فدل هذا على أن العقود تنعقد بما دلّ عليها عرفًا؛ لأن هذا الخطاب يتعارف الناس مدلوله بينهم، فإن اختلف العرف فإنه يرجع في تعيين المراد إلى المتكلم، وهذا يقع كثيرًا خصوصًا في اللهجات، وأما إذا كان مطردًا فعلى ما تعارف الناس عليه، وفيه أن الملك ينقل إلى المشتري بمجرد العقد وهذا هو الأصل، ويتفرع على ذلك: أنه لو تلف فعلى المشتري ولو زاد فللمشتري.
جواز بيع المدبَّر إذا كان على صاحبه دين:
753 -
وعنه رضي الله عنه قال: "أعتق رجلٌ منَّا عبدًا له عن دبرٍ لم يكن له مالٌ غيره، فدعا به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فباعه". متَّفقٌ عليه.
قوله: "أعتق"، ما هو العتق؟ العتق في الأصل: يطلق على عدة معانٍ، يطلق على القدم، ومنه قوله تعالى:{ثم محلُّها إلى البيت العتيق (33)} [الحج: 33]. أي: القديم؛ لأنه أول بيت وضع للناس، ويطلق على الجيد: كعتاق الإبل؛ أي: أجاويدها، ويطلق على تحرير الرقبة، وهو المراد هنا: تحرير الرقبة، يعني: تخليصها من الرق يكون الإنسان رقيقًا، فإذا حرره سيده قيل: أعتقه، العتق من أفضل الأعمال؛ فإن من أعتق عبدًا له أعتق الله به بكل عضو عضوًا من النار حتى الفرج
بالفرج، ولهذا جعله الله سبحانه وتعالى كفارة للذنوب العظيمة، -كالقتل والظهار والجماع في رمضان والحدث في اليمين، وله أسباب كثيرة منها أن يقول له: أنت حر بالصيغة القولية.
ومنها: أن يعتق شريكه نصيبه فيدخل العتق على نصيب الآخر، ومنها أيضًا: إذا مثل بعبده، يعني مثلًا: قطع أصبعًا منه أو أنملة فإنه يعتق عليه جبرًا. ومنها إذا فعل به الفاحشة -والعياذ بالله- فإنه يعتق عليه، فجعل الشارع العتق له أسباب متعددة كل هذا حرصًا على إعتاق الرقاب وتخليصها من الرق.
هذا يقول: "أعتق رجل منا"، أي: من الأنصار، "عبدًا له عن دبر"، الدبر: يطلق على آخر الشيء، ويطلق على ما بعد الشيء، وهنا يقول:"عن دبر" يعني: على ما بعده؛ أي: ما بعد الحياة؛ يعني: علق عتق عبده بموته، فقال له: إذا مت فأنت حر فهذا هو التدبير بأن يعلق عتق العبد بموته؛ أي: موت السيد، يقول: إذا مت فأنت حر، هذا العبد ما دام سيده حيًّا لا يعتق إلا إن نجز عتقه لو نجز عتقه وقال: أنت حر قبل أن يموت، أما إذا لم ينجزه فإنه يبقى رقيقًا حتى يموت السيد ويجوز بيعه، وإذا باعه فإن عاد إلى ملكه مرة ثانية ومات وهو على ملكه عتق وإلا لم يعتق، وهذا العبد أعتقه سيده عن دبر ولم يكن له مال غيره، "فدعا به النبي صلى الله عليه وسلم فباعه".
الحديث هذا مختصر اللفظ، ولكن ذكر في رواية أخرى أنه كان عليه، دين هذا السيد الذي أعتق عبده عند دبر فباعه النبي صلى الله عليه وسلم في دينه وقضاه.
يستفاد من هذا الحديث: ثبوت الرق في الإسلام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقره، ولا يقر على شيء باطل، ولأن نصوص الكتاب والسُّنة ضافية بذكر الرق وأحكامه وفضيلة العتق، ومن العجب أن أعداء المسلمين الذي أضلهم الله ينتقدون على الإسلام ثبوت الرق ويقولون: كيف تسترقون إنسانًا مثلكم، ولم يتفطنوا لما يعملون في عباد الله أكثر من استرقاق عباد الله، الرقيق عند المسلم مكرم معزز، حتى إن الرسول أمر أن نطعمهم مما نطعم ونكسوهم مما نكتسي، هم يسترقون العباد لكن من طريق أخرى أشد وأنكى، ولهذا لو نظرنا إلى مسألة السود والبيض في أمريكا لرأينا العجب العجاب من امتهانهم وعدم القيام بحقوقهم؛ أشد بكثير من الرق الثابت في الإسلام، ثم نقول أيضًا: ثبوت الرق في الإسلام جعل الشارع له أسبابًا كثيرة للفك منه، ولو لم يكن إلا فضيلة العتق لكان ذلك كافيًا، أما أنتم فلم ترحموا ما استرققتموه ولم تبالوا به، تمصوا خيراتهم وثرواتهم وتدخلون عليهم الشر وتحبسون حرياتهم.
ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: جواز التدبير وهو الإعتاق بعد الموت؛ لأن الرجل فعله في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه.
ومنها أيضًا: أنه إذا كان عليه دين -أي: على السيد- فإنه لا ينفذ التدبير؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم باع العبد وقضى دينه.
ومنها: أهمية الدَّين، وأنه يقدم على العتق، فلو أن رجلًا كان عنده عبد وعليه دين بمقدار ثمنه وقال: أيهما أفضل لي أن أعتق العبد أو أقضي الدين؟ قلنا: قضاء الدين أفضل، وبهذا فضّل النبي صلى الله عليه وسلم العتق من أجل قضاء الدين.
ومنها: أنه قد يكون فيه دليل لما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أن تصرف المفلس ليس بنافذ وإن لم يفلّس؛ يعني: أن الذي عليه دين يستغرق ماله لا يصح أن يتصرف في ماله أو يتبرع كصدقة وعتق وغيره سواء حجر عليه أم لم يحجر، وهذا لا شك أنه قول قوي؛ لأن ماله قد تعلق به حق الغير، ولأنه ليس من الحكمة أن تذهب لتفعل الشيء المستحب وتدع الشيء الواجب، ولهذا تجد بعض الناس الآن مساكين عليهم ديون ويتصدقون ويعزمون الناس، ويدعون وتجده كما يقول العامة:"تجد السُّفرة ما تطوى" هذا خطأ ليس من الحكمة ولا من الشرع، الحكمة: أنك تبدأ بالواجب، أحيانًا يقول: أنا أتصدق بعشرة ريالات والذي عليّ مليون، ماذا نقول؟ نقول: أنت إذا أوفيت من دينك عشرة ريالات صار عليك مليون إلا عشرة، فمليون إلا عشرة أحسن من مليون، ولهذا لم يوجب حتى الحج وهو ركن من أركان الإسلام لم يوجبه الله سبحانه وتعالى مع الدّين، وهذه المسألة أنا أود منكم أن تبثوها في العامة؛ لأنه يوجد الآن من العامة من هو مدين، وإذا رأى التبرعات لأعمال خيرية ذهب يتبرع يتعرض للناس في مسألة الدعوات يسموه هذا عشاء وهذا غذاء وهذا طهي وما أشبه ذلك فإذا نبه الناس على هذا الأمر وبيِّن لهم خطر الدين لعلهم يهتدون.
ومن فوائد الحديث: أن للإمام أن يبيع مال صاحب الدين ليقضي دينه، وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم باعه -أي: المدبر- ولم يرجع إلى الورثة، باعه وقضى الدَّين.
وعلى هذا فيجوز للحاكم الشرعي أن يبيع مال المدين ويوفي دينه، فإن كان الدين من جنس المال فإنه لا يحتاج إلى بيع المال؛ لأنه ربما يبيعه فينكر، وإن كان الدين من جنسه فيقضيه منه، لماذا جعل المؤلف رحمه الله هذا الحديث في هذا البيت؟ لنستفيد منه جواز بيع المدبر إذا كان على صاحبه دين.
* * *