الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تنطبق أبدًا إلَّا على مسألة العينة، أما بثمانين نقدًا أو بمائة نسيئة لكن بشرط ألا يتفرقا حتى يقطع الثمن، أو يقول: لك الخيار يومًا أو يومين، فإذا أخذه على هذا الشرط فلا بأس.
من فوائد الحديث: أولًا: أن الربا محرم؛ لقوله: "أوكسهما أو الربا"؛ لأنه من المعلوم أن الإنسان لن يخسر الأوكس إلا إذا كان الأكثر ممنوعًا وإلا فلا.
ثانيًا: فيه دليل على تحريم الحيل وأنها لا ترفع الأحكام، فمن تحيل على إسقاط واجب لم يسقط الواجب، ومن تحيل على فعل محرم لن يبح المحرم، مثال الأول: لو سافر الإنسان في رمضان من أجل أن يفطر فالسفر مبيح للفطر، ولكن إذا سافر من أجل أن يفطر فقد تحيل على إسقاط واجب يفعل شيء مباح فيكون هذا المباح محرمًا، ومثال الثاني: التحيل على المحرم وهو ينطبق على هذا الحديث الذي معنا.
وفيه: دليل على أن الإنسان إذا عامل معاملة ربويّة فالواجب عليه حذف الربا لقوله: "فله أوكسهما"؛ لأنه إن وقع في الربا وقع في حرام فلم يبق إلا الأوكس، وهو لا يتحقق إلا بحذف الزيادة، ويؤيد ذلك قوله تعالى:{وإن تبتم فلكم رءوس أمالكم لا تظلمون ولا تظلمون} [البقرة: 279].
ومن فوائد الحديث: إحكام الشريعة وإتقان سياجها وأنها شريعة جدٍّ لا لهوٍ ولعب، وذلك بتحريم الحيل؛ لأن الحيل نوع من اتخاذ آيات الله هزوًا، كيف يحرِّم الله عليك هذا الشيء ثم تذهب وتلوذ من جهة أخرى لتصل إليه بأدنى وسيلة، فالشريعة شريعة جدٍّ وصراحة وليست شريعة لهو وتحيل وهزوٍ.
السلف والبيع:
767 -
وعن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحلُّ سلفٌ وبيعٌ ولا شرطان في بيعٍ، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك". رواه الخمسة وصحَّحه التِّرمذيُّ، وابن خزيمة والحاكم.
- وأخرجه في علوم الحديث من رواية أبي حنيفة، عن عمرٍو المذكور بلفظ:"نهى عن بيعٍ وشرطٍ" ومن هذا الوجه أخرجه الطَّبرانيُّ في الأوسط وهو غريبٌ.
أولًا: نفي الحل يقتضي التحريم، وإن كان بعض العلماء قال: قد يقتضي الكراهة؛ لأن ضد الحل شيئان هما الكراهة أو التحريم، لكن هذا خلاف الظاهر، فإن الله تعالى يجعل الحل
كتاب البيوع
مقابل الحرام لا مقابل المكروه، قال الله تعالى:{ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} [النحل: 116]، فإذا نفى الضد ثبت ضده، فنقول: ظاهر الحديث أن نفي الحل هنا يعني التحريم.
وقوله: "سلف وبيع"، السلف: التقديم ومنه الحديث في زيارة القبور: "أنتم سلفنا ونحن في الأثر"، ومنه حديث ابن عباس:"قدم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يسلفون في الثمار" أي: يقدمون القيمة على الثمن الذي يأتي في السنة المقبلة، فالسلف: الشيء المقدم، ويحتمل أن يكون السلف اسم مصدر بمعنى: تسليف، لكن المراد به التقديم، "بيع" البيع المعروف هو تبادل الشيئين على وجه التأبيد، والواو هنا في قوله:"وبيع" للجمع لا للتفريد، لأن السلف وحده حلال، والبيع وحده حلال لقوله تعالى:{وأحل الله البيع} [البقرة: 275] لكن المراد: الجمع بين السلف والبيع.
فما هذه الصورة التي فيها السلف والبيع؟ قال بعض العلماء: السلف والبيع أن يقول: أسلفتك مائة درهم بمائة صاع من البُرّ إلى سنة على أن تبيعني بيتك، فهنا جمع بين السلف الذي هو السلم وبين البيع، وهذا عائد إلى تفسير البيعتين في بيعة، وهو أن يشترط عقد في عقد، فعلى هذا يفسر السلف والبيع بما فسر به بيعتان في بيعة، وقيل: معنى السلف هنا: القرض، يعني: لا يحل لإنسان أن يجمع بين قرض وبيع، مثل أن يقول: أبيعك داري بألف على أن تقرضني ألفًا قالوا: هذا لا يحل، لماذا؟ لأن الغالب أن هذا الشرط يكون فيه مصلحة للمقرض وكل قرض جر نفعًا فهو ربًا، فأنت إذا قلت: أبيعك هذا البيت على أن تقرضني كذا، فإن هذا المشتري سوف ينتفع في الغالب، أو يقول مثلًا: لا أشتري هذا، أو يقول: أشتري منك هذا على أن تسلفني، يأتي إنسان يعرض عليك سلعة فتقول: أشتريها منك بشرط أن تقرضني كذا وكذا، فهنا انتفع المقرض، لأن هذه السلعة التي عرضها علي ربما لا تساوي مائة وأشتريها بمائة وعشرين من أجل القرض، وحينئذ يكون قد أقرضني بفائدة، ومعلوم أن القرض إذا جر منفعة فهو ربًا، لأن الأصل في القرض أنه من باب الإرفاق والإحسان، فإذا انضم إليه شيء من العوض صار ربًا، وصار ليس قصده الإرفاق والإحسان، هذه ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن المراد بالسلف هنا السلم، يعني: أن يسلم إليه دراهم بسلعة مؤجلة ويشترط عليه بيعًا مع هذا العقد، وعلى هذا التفسير يكون كقوله:"نهى عن بيعتين في بيعة" على أحد التفاسير السابقة، لكن هذا في الحقيقة ليس بصحيح، لأن الجمع بين عقدين على وجه ليس فيه محظور شرعي لا بأس به.
الصورة الثانية: أن يقول: بعتك كذا على أن تقرضني كذا، يأتي يطلب منه أن يبيع عليك سلعته يقول: أنا أبغيك تبيع عليّ بيتك، فيقول: أبيعك بيتي بشرط أن تقرضني كذا وكذا، هذه لا تجوز، لماذا؟ لأنه جر نفعًا للمشتري حيث حصل مقصودًا من البيت بسبب إقراضه البائع، ولولا أن البائع باع عليه ما أقرضه.
الصورة الثالثة: العكس ما هو؟ أن يقول: أشتري منك كذا بشرط أن تقرضني كذا وكذا، فهذا أيضًا لا يصح، فالإقراض تارة يكون من البائع وترة من المشتري وكلاهما فيه: إخراج للقرض عن المقصود به إذا إن المقصود بالقرض الإرفاق، وفي هاتين الصورتين خرج به عن المقصود.
قال: "ولا شرطان في بيع" هذا ليس على إطلاقه، والشرط سبق لنا أنه ينقسم إلى قسمين: شرط للعقد وشرط في العقد، والفرق بينهما: أن الشرط للعقد تتوقف عليه صحته، والشرط في العقد يتوقف عليه لزومه، بمعنى: أنه إذا فات الشرط فمن له شرط الخيار بين إمضاء العقد وفسخ العقد لكن الشرط للعقد لا يصح إلا به، من شروط البيع: أن يكون الثمن معلومًا، فإذا باعه بثمن مجهول لا يصح العقد، لماذا؟ لفقد شرط من شروط، أما الشرط في العقد فإن يشترط أحد المتعاقدين شرطًا فيه مصلحة له، فهذا شرط في العقد يتوقف عليه لزوم العقد، مثال ذلك: قال: بعتك بيتي على أن أسكن فيه سنة، هذا شرط في العقد لو لم يوفِّ المشتري ويُمكنني من السكك لي الخيار، فرق ثان بينهما: شرط العقد من وضع الشرع فليس لأحد أن يخل به، والشرط في العقد من وضع المتعاقدين فلكل منهما إبطاله.
هنا يقول: " ولا شرطان في بيع" ليس المقصود بلا شك النوع الأول الذي هو شرط العقد، لأن العقد يتضمن شروطًا كثيرة.
كم شروط البيع؟ سبعة على المشهور من المذهب، فيتضمن عدة شروط، ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم هذا، إنما أراد الشرطين في العقد، وهنا في البيع.
ما معنى "شرطان في بيع" هل كل شرطين في البيع يحرمان أيضًا؟ هذا ليس على إطلاقه، فهناك شرطان في البيع يصحان بالإجماع، كما لو قال: بعتك هذه السيارة على أن تقبضني الثمن، وقال الآخر: وعلى أن تسلمني السيارة، هذان شرطان، شرط من البائع، وشرط من المشتري وهما يصحان بالإجماع، بل لو قال: بعتك هذه السيارة بشرط أن يكون الثمن حالًا وأن تقبضني إياه، هذان شرطان من طرف واحد أنه حال وأنه يقبضه هذان حلال بالإجماع، الصورة الأولى: الشرطان من المتعاقدين جميعًا، وهذه الصورة الشرطان من واحد منهما وهذا أيضًا: جائز بالإجماع، لماذا؟ لأن هذا مقتضى العقد فهو ثابت سواء شرطه المشترط أو لم يشرطه، لأن
كتاب البيوع
مقتضى العقد المطلق أن يكون الثمن حالًا، ومقتضاه أيضًا أن يقضيه إياه سواء اشترط البائع ذلك أو لم يشترط، فما دام ثابتًا فإن شرطه لا يفيد إلا التوكيد فقط، هذا لا إشكال في جوازه وأظنه لا خلاف فيه أيضًا.
بقى لنا الكلام في الشرط الذي لا يلزم إلا باتفاقهما الذي الأصل عدمه، فهذا هو محل الخلاف، مثاله: اشتريت من صاحب السيارة الحمولة التي على ظهرها ولنقل: إنه حطب واشترطت عليه أن يحمله إلى البيت، أن يدخله في البيت وأن يكسره، هذه الشروط هل هي ثابتة بمقتضى العقد أم لا؟ أبدًا غير ثابتة، مقتضى العقد إذا اشتريت منه حمولة السيارة ينزل في الحال ويقول: أنت تحمله هذان الشرطان، اشترطت عليه أن يحمله ويُدخله البيت، قال بعض أهل العلم: إن هذين هما الشرطان اللذان نهى عنهما الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: "لا يحل شرطان في بيع" قال: هذان شرطان في بيع فلا يحل، لماذا؟ قالوا: هكذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتوالى شرطان في عقد واحد، ولكن هذا فيه نظر، لأن هذين الشرطين ليس فيهما محظور شرعي، فإذا قال قائل: بل فيهما محظور شرعي؛ لأن حمل الحطب وإدخاله لو لم يكن عقد بيع لاحتاج إلى أجرة ونسبة الأجرة إلى الثمن مجهولة، أنا اشتريته بمائة وقلت: بشرط أن تحمله إلى البيت وتدخل، البيت الثمن الآن مائة بالشرطين المذكورين، قلنا عن هذين الشرطين: لو أنهما كانا بأجرة لكان نسبة الأجر إلى الثمن مجهولة، ما ندري المائة هذه كيف نوزعها على الأجرة وعلى قيمة الحطب، فيعود ذلك إلى جهالة الثمن، وهذا هو وجه النهي مع أن الرسول نهى عنه وسكت، ولكن هذا التعليل عليل منقوض؛ لأنا نقول: هل لو اشترط عليه أن يحمله إلى البيت بدون أن يدخله البيت هل يصح الشرط؟ يصح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل شرطان في بيع" حمله من مكان البيع إلى البيت يستحق الأجرة لو انفرد، ونسبة الأجرة هذه إلى الثمن مجهولة فينتقض، وحينئذ نقول: لابد أن ننزل الحديث على القواعد الشرعية، فلنبحث ما هما الشرطان اللذان إذا اجتمعا وقعنا في محظور، وإذا انفرد سلمنا من المحظور، يجب أن ننزل الحديث على أنه إذا كان هناك شرطان يوقعان الشارط في محظور شرعي فهما محرمان، وإن كانا لا يوقعانه في محظور شرعي فإن الحديث لا يشملهما، لكن هذا أيضًا لو قال قائل هذا فيه نظر؛ لأن الشرطين المشتملين على محظور شرعي محرمان سواء أضيفا إلى البيع أم لم يضافا إليه، فالجواب على هذا أن يقال: إن هذين الشرطين لا يستقلان عادة وإنما يكونان تابعين للعقد، فلهذا قال:"ولا شرطان في بيع" الشرطان في بيع إذا قلنا: إنهما ينزلان على ما إذا اجتمعا صار فيهما محظور شرعي، وإذا لم يجتمعا لو لم يكن فيهما محظور شرعي، ممكن أن ننزلهما على مسألة العينة، فأقول: بعتك هذا الشيء بمائة درهم مؤجلًا على أن تبيعينه بثمانين نقدًا، لو قلت:
بعتك إياه بمائة مؤجلة هذا شرط واحد فيجوز على أن تبيعني بثمانين نقدًا دخل الشرط الثاني أفسده، وعلى هذا حمل الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية قال: إن المراد بذلك مسألة العينة، لأنها هي التي إذا اجتمع فيها شرطان أفسد العقد وشرط واحد لم يفسد العقد؛ لأنه - كما قلنا- لا ينطبق على الشروط التي هي شروط للعقد ولا على الشروط في العقد التي تثبت بدون شرط، ويكون الشرط فيها توكيدًا، ولا على شروط فيها منفعة لكن لا تؤدي إلى شرط محرم، هذه ثلاثة أشياء.
قلنا: المعنى الأول لا يدخل بالاتفاق، لأننا نجد عقد البيع يشتمل على شروط كثيرة، والمعنى الثاني كذلك لا يدخل بالاتفاق وإن قُدر فيه خلاف فهو ضعيف جدًا وهو الذي يقتضيه العقد سواء شرط أو لم يشترط، ويكون الشرط هنا مقيدًا للتوكيد فقط، الثالث الذي فيه مصلحة ولا يُوقع في محظور فيه خلاف، فمن العلماء من منعه وهو المشهور من مذهب أحمد، ومنهم من أجازه، والصحيح الجواز، وإن شيءت فقل- بما هو أعم -: كل شرطين لو انفرد أحدهما لم يؤثر وإن اجتمعا أثرًا فهما داخلان في الحديث، ويمكن أن تأتي صورة غير العينة.
إذا كان الانتفاع من الطرفين كما لو أقرضه على أن يزرع أرضًا، فقد قال ابن القيم رحمه الله: إن هذا لا بأس به إذا كان متساويًا فكل منهما انتفع، والربا ينتفع به جانب واحد، ومن ذلك ما يفعله الناس الآن يجتمع خمسة موظفون فيقولون: سنخصم من رايتنا كل شهر ألفًا نعطيه واحدًا منا وفي الشهر الثاني وهكذا، فهذا جائز لأنه ليس فيه منفعة للمقرض، فإن قدر أنه منفعة فهو للجميع.
ثم قال: "ولا ربح ما لم يضمن" هذا الثالث، يعني: ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح الذي لم يُضمن، أي: لم يدخل في ضمان رابح، لماذا؟ لأنه إذا لم يدخل في ضمانه فربما الضامن الذي لم يسلمك الحق يمانع في تسليمه، وحينئذ يكون في ذلك ضرر، مثاله: باع الإنسان طعامًا اشتراه من زيد فباعه على عمرو قبل أن يستوفيه، فهنا لا يصح البيع؛ لأنه غير مضمون، إذ إن ما بيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع لا يضمن ولا يدخل في ضمان المشتري إلا إذا حصل ذلك، نزيدها إيضاحًا: إذا اشتريت هذا البر الذي أمامنا كل صاغ بدرهم إن كلته فهو في ضماني وقبل أن أكيله في ضمان البائع، هذا البر هل هو لي أو البائع؟ هو لي، ولكن ما دمت لم آكله فهو في ضمان البائع، لو بعته بربح قبل الكيل لكان حرامًا، كما أن بيعه من الأصل حرام ويزداد حرمة إذا ربحت فيه، لماذا؟ لأنه ربما إذا علم البائع أني ربحت يمانع في تسليمه؛ لأن النفوس
كتاب البيوع
مجبولة على الحسد وعلى الظلم، فإذا رأى أني قد ربحت يمنع، وحينئذ يكون بيع ما لم يقدر على تسليمه.
رجل في ذمته لي مائة صاغ بُرّ فبعتها على شخص آخر، هل يجوز هذا البيع؟ لا يجوز، لماذا؟ لأن هذا الدّين الذي في ذمة المدين لا يدخل في ضماني حتى أستوفيه منه.
إذا اشتريت ثمرًا على نخل فالثمر من ضمان البائع، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة فلا يحلّ لك أن تأخذ منه شيئًا بما تأخذ مال أخيك بغير حق"، فهل يجوز أن أبيعه بفائدة؟ نقول: ظاهر الحديث لا، وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد أنه لا يجوز بيع الثمرة على رءوس النخل بربح، أما بغير ربح فيجوز؛ لأن قبض الثمرة تخلية، فإذا خلى البائع بيني وبينها فهذا قبض، لكن الشارع جعلها من ضمان البائع، فإذا بعتها بربح فقد ربحت فيما لم أضمن فيكون ذلك حرامًا، وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد رحمه الله.
مثال آخر: استأجرت من شخص بيتًا لمدة سنة بألف ريال فهل يجوز أن أؤجره بربح: بألف ومائة؟ ظاهر الحديث أنه لا يجوز، لأن هذا غير مضمون؛ لأنه لو سلف في العين لانفسخت الإجازة، ولهذا كان القول الثاني في مذهب الإمام أحمد أنه لا يجوز للمستأجر أن يؤجر بأكثر مما أستأجر، لأنه إذا فعل ذلك فقد ربح فيما لم يضمن هكذا ذكر شيخ الإسلام صلى الله عليه وسلم في رسالته "وضع الجوانح" على أنه لا يجوز الربح فيما استأجرته، ولا يجوز الربح في بيع الثمرة على رءوس النخل؛ لأنها في غير ضمانه، أما المذهب في المسألتين فيجوز الربح، لأنه كان من ضمان البائع، أعني: الثمرة كانت من ضمان البائع ولم تدخل في ضمان المشتري لسبب وهو أن المشتري لا يكمل الانتفاع بها إلا بأخذها، ففي القبض شيء من النقص، وأما في مسألة الإجارة فيقولون: إن الأصل بقاء العين، والأصل أن المنفعة باقية للمستأجر، وإذا قدر أنها تلفت فإنه سوف يضمن للمستأجر بقية الأجرة، فهي داخلة في ضمانه إما باستيفاء منفعة وإما برد الأجرة، ولنفرض أنها تهدمت في نصف السنة، فهنا لا يمكنك أن تطالب المؤجر وتقول له: أبحث لي عن بيت أسكن فيه، لأنه سيقول لك المؤجر: أنا لم أؤجرك إلا هذا البيت وهذا البيت تلف جاءه المطر وهدمه، لكن له ما بقي من الأجرة، له قسط، فإذا انهدم في نصف السنة يستحق نصف الأجرة، إذن الواقع أنه وإن لم يكن في ضمانه.
من حيث استيفاء المنفعة فهو في ضمانه من حيث ردّ باقي الأجرة، ولهذا نقول: إن القول الراجح في المسألتين جواز الربح، لأنه لا ينطبق عليه الحديث فهو مضمون بكل حال، الثمرة إذا ضمنها البائع فسوف يرد لي قيمة الثمرة، فهي وإن لم تكن في ضماني بل في ضمان البائع، لكن إذا فاتتني الثمرة سيأتي ثمنها، فهي في الحقيقة داخلة في ضمانه.
على كل حال: المشهور من المذهب أنه يجوز بيع الثمرة على رءوس النخل بأكثر مما استأجرها به وإن لم تكن داخلة في ضمانه، لأن ضمانها على المؤجر.
قال: "ولا بيع ما ليس عندك" بيع ما ليس عندك أيضًا لا يجوز، والمراد إذا كان معينًا، أما إذا كان موصوفًا فلا بأس كما سنذكره، بيع ما ليس عندي يشمل أمرين: الأول: أن أبيع ملك زيد لأذهب فأشتريه فهذا لا يجوز.
مثال ذلك: جاءني رجل فقال: وجدت لفلان سيارة من أحسن ما يكون من السيارات فقلت له: أنا أبيع عليك هذه السيارة- سيارة فلان-قال: نعم، كم الثمن؟ قلت: أبيعها عليك بأربعين ألفًا، قال: قيلت، هذا لا يجوز، لماذا؟ لأن صاحب السيارة قد يبيع وقد لا يبيع، فتقع في مشكلة مع الذي اشتراها منك، فلا يجوز أن تبيع ما ليس عندك هذه صورة.
الصورة الثانية: أن يكون الشيء ملكًا لك، لكن لا تقدر عليه مثل أن يكون قد استولى عليه ظالم لا تقدر على تخليصه منه، أو يكون جملًا شاردًا أو عبدًا آبقًا فهذا لا يجوز بيعه ولا بيع ما ليس عندك.
الصورة الثالثة: أن يبيع الديون في ذمم الناس، يقول: أطلب فلانًا مائة صاغ بُرّ أبيعها عليك هذا لا يجوز، أولًا: لأنها لم تدخل في ضمانه، والثاني: أن هذا المشتري لم يشترها بمائة درهم فيشتريها مثلًا بتسعين درهمًا، وحينئذ فإن قدر على أخذها من المدين فهو غانم، لأنه أخذ ما يساوي مائة بتسعين وإن عجز فهو غارم، لأنه بذل تسعين درهمًا وقد تذهب عليه، إذن الصور الآن ثلاث: أن يبيع ملك غيره المعين، أن يبيع ما ليس عنده وهو ملكه لكن لا يقدر عليه، الثالث: أن يبيع الديون في ذمم الناس، لأن هذه ليست عنده.
فإن قال قائل: أتجيزون أن يبيع الإنسان الدَّين على من هو عليه؟
فالجواب: نعم، لكن بشرط إلا بربح، فإن ربح دخل في الجملة الأولى من الحديث، وهي:"ربح ما لم يضمن"، دليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نبيع الإبل بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير والدنانير فنأخذ عنها الدراهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم.
تتفرقا وبينكما شيء" فإذا جاء المدين وقال: أنا عندي لك مائة صاغ بُرّ والآن ما عندي شيء من البر لكن سأعوضك عنه قال: نعم عوضني عنه، قال: أعطيك مائة درهم، لأن الصاع بدرهم، فقال الدائن: لا، أعطني مائة وعشرة هذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه ربح بما لم يضمن لم يدخل في ضمانك حتى الآن، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها" إذا قال: أعطيك عنها مائة فيجوز؛ لأنه ما ربح، إذا قال: أعطيك عنها تسعين يجوز؛ لأنه إذا جاز بنفس القيمة فمن باب أولى أن يجوز بأقل كما لو قال: أعطني بدل المائة صاع تسعين صاعًا أليس يجوز؟ نعم، إذن يكون قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " لا بأس أن تأخذها بسعر يومها"، المراد: نفي الزيادة لا نفي النقص، فلو أخذها بأنقص جزاء الله خيرًا أو أخذها بالمثل فهو عدل، أو أخذها بالزيادة فهو حرام، وهل يُشترط في هذه الحال ألا يتفرقا وبينهما شيء؟ هو في ذمته مائة صاع بُرّ ولم يكن عنده شيء فاشتراها بمائة درهم، هل يُشترط ألا نتصرف حتى أستلم مائة الدرهم أو لا يُشترط؟ الذين يقولون: يشترط. سيستدلون بحديث ابن عمر: "ما لم يتفرقا وبينهما شيء"، فنقول: كأنكم تقولون: لا يصح الاستدلال بحديث ابن عمر على اشتراط القبض، لأن حديث ابن عمر إنما هو في بيع دراهم بدنانير، وبيع الدراهم بالدنانير يشترط فيه التقابض، لكن بيع دراهم ببُرّ لا يشترط فيه التقابض، وعلى هذا فلو قال بعتك مائة الصاع بمائة درهم لم يشترط القبض الذي يشترط أن يكون بسعر يومه حتى لا يربح فيما لم يضمن، وأما القبض فليس بشرط، وحينئذ نحول البُرّ إلى دراهم، لو قال: أنا ليس عندي بُرّ لكن عندي شعير، أنا رجل مزارع أعطيك بدل البُرّ شعيرًا، هنا يُشترط الشرطان اللذان في حديث ابن عمر وهما أن يكون بسعر اليوم والتقابض، فيقال مثلًا: إذا كان السعر أن صاعًا من البُرّ بصاعين من الشعير فأعطه بدل مائة صاع مائتين ولا تأخذ أكثر من مائتين ولم تتفرقا وبينكما شيء، لا يبيع البًرّ بالشعير يُشترط فيه التقابض، هذه أربعة أنواع من البيوع.
فإذا قال قائل: ما هي الحكمة في النهي عنها، لأننا نعلم أن الأصل في المعاملات الحل، فكل من ادعى تحريم معاملة طولب بالدليل، فهنا نقول: ما هي الحكمة لنعرف سمو هذه الشريعة وأنها لا تضيق على معتنقيها؟
قلنا: لأنها تشتمل على مفاسد، أما الأول: السلف والبيع، فإنها تشتمل على ربًا إما تحقيقًا وإما ظنًا، ومعلوم أن الربا محرم، وثانيًا: لأنها تخرج العقود عن مقصودها الشرعي، فالمقصود بالسلف الإرفاق والإحسان، وإذا انتقل إلى مُعارضة خرج عن موضوع الشرع، ولذلك لو بعت عليك درهمًا بدرهم إلى أجل لا تعطينيه إلى بعد يومين أو ثلاثة هل يجوز؟ لا يجوز، أما لو أقرضتك درهمًا ولم توفني إلا بعد يومين فهذا يجوز، لماذا؟ لأن المقصود الإرفاق ليس المعاوضة:
"شرطان في بيع" العلة في ذلك انه يؤدي إلى التنازع والفوضى، أو الربا إن تضمن الوقوع في الربا بواسطة الشرطين:"بيع ما لم يضمن" كذلك يؤدي إلى النزاع وعدم التمكين من التسليم، وربما يؤدي إلى الحسد والبغضاء إذا رآك البائع قد ربحت ولم يدخل في ضمانك بل هو في ضمانه، وربما يكون في قلبه حسد والحسد كالتار إذا ولعت أحرقت ما ولعت به إذا صار في قلبك حسد ولو على مسألة صغيرة فإن هذا - والعياذ بالله- ينمو، قد تحسد إنسان في بيع من البيوع يتطور هذا إلى أن تحسده في كل شيء، تحسده على عافيته، على صحته، على أولاده، على أهله، على بيته، على علمه، على ماله، فالمهم أن هذا لما كان يؤدي إلى العداوة والبغضاء وعدم التمكين من التسليم والحسد منعه الشرع.
"بيع ما ليس عندك" معناه ظاهر، لأنه يتضمن الغرر والجهالة، وكل شيء يتضمن الغرر والجهالة فإنه ميسر الذي يريد به الشيطان أن يوقع بيننا العداوة والبغضاء كما قال تعالى:{إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل انتم منتهون} [المائدة: 91]. ونأخذ من عموم العلة هذا أن الشرع يريد منا الاتزان في البيع والشراء حتى نبيع بيعًا هادئًا ليس فيه جشع ولا طمع ولا عداوة ولا بغضاء، وهذا لا شك أنه من محاسن الشريعة، الموصوف، مثل أن أبيع عليك مائة صاع بُرّ صفته كذا وكذا بمائة ريال هذا لا بأس به، وهذا لا يكون من بيع ما ليس عندي إنما هو من بيع شيء موصوف في الذمة لم تعينه، المعين أن نقول مثلًا: الجمل الفلاني، الطير الفلاني، ملكي الذي غصبه فلان هذا معين، أما الموصوف فلا، لأن الموصوف يثبت في الذمة، ودليل ذلك السلم كان الصحابة-رضي الله عنهم-يسلفون في الثمار السنة والسنتين يأتي إلى الفلاح ويقول: أريد أن تبيع علي تمرًا مائة صاع كل صاع بدرهمين، صفة الثمر كذا وكذا، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"فليُسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم"، لم يقل: فلا يسلف، فهذا هو الفرق بين العمين وبين الموصوف في الذمة، أيضًا في شيء موصوف معين، كما لو بعت عليك سيارتي التي عندي في الجراج صفتها كذا وكذا هذا معين موصوف ومعين يقول: ماذا ترى لو بعت عليك هذه السيارة تشاهدها، فالمعين موصوف ومعين مشاهد مرئي، والثالث: موصوف لا مرئي ولا معين، موصوف في الذمة فيتعلق بالذمة.
أيضًا نقول في: "نهى عن بيع وشرط" المراد به: الشرط الذي يتضمن محظورًا شرعيًا كقضية بربرة، اشترط أهلها أن يكون الولاء لهم مع أن الولاء للمعتق وليس المراد: النهي عن كل بيع يتضمن شرطًا، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من جابر جمله واشترط جابر أن يحمله إلى المدينة
فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك الشرط وجعله شرطًا صحيحًا، فهذه المطلقات كالذي سبق في النهي عن شرطين في بيع وعن بيع وشرط، هذه المطلقات يجب أن تُحمل عل الصور التي فيها مانع شرعي لا على إطلاقها.
من فوائد الحديث: جواز السلف لقوله: "لا يحل سلف وبيع"؛ لأن المنهي عنه الجمع، وما نهي عن جمعه دل على جواز إفراده، ولو لم يكن الأمر كذلك لكان النهي يرد عنه مطلقًا.
ثانيًا: جواز البيع مثل السلف.
ثالثًا: تحريم الجمع بين البيع والسلف لقوله: "لا يحل سلف وبيع"، وهذا إن كان مشروطًا فلا شك في أنه حرام، لأن الغالب أنه يتضمن ربًا، فإن الغالب أن المسلف إذا اشترط البيع أو الشراء منه لابد أن يكون هناك فائدة له، وكل شرط جر نفعًا للمقرض فهو حرام ربًا، فإن وقع عن غير شرط بأن باع عليه شيئًا ثم قال المشتري: أريد أن تسلفني-تُقرضني-هذا الثمن الذي ثبت لك علي يعني: يسلمه الثمن وانتهى البيع، ثم قال: سلفني إياه، هذا جائز، أو رجل باع على شخص آخر بيته بعشرة آلاف ريال، ثم قال: أريد أن تقرضني عشرة أخرى، لأنني محتاج إلى عشرين ألفًا، فهذا جائز إذا وقع بدون شرط لا شرط ولا اتفاق مسبق فإنه جائز لا بأس به.
ومن فوائد الحديث: تحريم كل شرطين إذا اجتمعا لزم منهما محظور، لقوله: "ولا شرطان في بيع، أما إذا لم يلزم منهما محظور فلا بأس بذلك، مثل أن يشتري الحطب على بائعه أن يحمله إلى بيته ويدخله في البيت ويكسره، هذه ثلاثة شروط لكنها كلها جائزة، لأنها لا تضمن محظورًا شرعيًا.
ومن فوائد الحديث: تحريم الربح فيما لم يدخل في ضمان رابح، والعلة في ذلك الغرر أحيانًا وإثارة الأحقاد أحيانًا، فإنني إذا بعت شيئُا لم يدخل في ضماني بقبضه وربحت فيه فإن البائع الذي باع علي سوف يكون في نفسه شيء، يقول: هذا غرني غلبني، وإذا لم يسيء الظن بالمشتري فإنه ربما يحقد عليه.
ومن فوائد الحديث أيضًا: تحريم بيع ما ليس عند الإنسان بالصور الأربعة التي ذكرناها كل شيء ليس عندك لا تبعه، لماذا؟ لأنه يؤدي إلى الخصومات والنزاعات، فإنك إذا بعت ثم عجزت أن تسلمه صار بينك وبين المشتري نزاع طويل وحصل بذلك عداوة وبغضاء وشحناء، ثم إن الغالب أن الإنسان لا يتعجل فيبيع ما ليس عنده إلا بأرباح، فيكون التقى فيه المعنيان: الربح فيما لم يضمن، والثاني: بيع ما ليس عندك.
ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى تحريم كل غرر، لأن بيع ما ليس عندك غرر قد يحصل وقد لا يحصل وهو كذلك، فإن الشريعة جاءت بتحريم كل ما فيه غرر؛ لأن هذا يؤدي إلى