الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث قلت به"، إذن ما قال بشيء، لكن فائدته أننا إذا بحثنا عن هذا الحديث وثبت فإنه يكون قولًا له، لكن لا بد من ثبوت أمرين: ثبوت الدلالة وثبوت النسبة، هذا القول الذي قاله الشافعي رحمه الله واجب على كل مؤمن إذا ثبت الدليل أن يكون قائلًا به؛ لقول الله تعالى:{وما كان لمؤمن ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلَّ ضلالاً مبينًا} [الأحزاب: 36]. وقوله تعالى: {إنما كان قول المؤمنين} [النور: 51]. ولقوله تعالى: {يا ايها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون} [الأنفال: 24].
المهم: أن الآيات في هذا كثيرة، وأن كل مؤمن يقول بلسانه وقلبه: إذا ثبت هذا الدليل فإنني أقول به، والحديث ثابت عند الإمام أحمد وإسحاق كما سبق لنا في الشرح، وعلى هذا فيكون القول به واجبًا، ودعوى من ادعى أنه منسوخ بحديث: "إن دماءكم
…
إلخ" الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أقول: إن هذه الدعوى لا تستقيم؛ لأن من شرط النسخ ألَاّ يمكن الجمع هذا واحدٌ، ومن شرط النسخ أن يُعلم التاريخ بحيث تعلم تأخر الناسخ، وهنا لا نعلم هل الرسول حدَّث بهذا الحديث قبل حجة الوداع أو بعدها، وعلى كل حال فإن الشرط الأول وهو أنه لا يمكن الجمع غير متحقق هنا قطعًا، والشرط الثاني فيه احتمال أن يكون قبل أو بعد.
شروط الزكاة:
577 -
وعن عَليٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: "إذا كانت لك مائتا درهمٍ وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيءٍ حتَّى يكون لك عشرون دينارًا، وحال عليها الحول، ففيها نصف دينارٍ، فما زاد فبحساب ذلك، وليس في مالٍ زكاةٌ حتَّى يحول عليه الحول". رواه أبو داود، وهو حسنٌ، وقد اختلف في رفعه.
الحديث كما رأيتم في تحسين المؤلف له يقول: إنه حديث حسن، وقد اختلف في رفعه، يعني: اختلف هل هذا من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم أو من كلام علي رضي الله عنه؟ والمعروف عند أهل العلم أنه عند اختلاف الرواة في رفعه ووقفه- وكان الرافع له ثقة- يحكم بالرفع، لماذا؟ لسببين:
أولًا: أن فيه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة.
الثاني: أن الوقف لا ينافي الرفع، فإن الإنسان إذا روى الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم قد يقوله من نفسه من غير أن ينسبه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لثبوته عنده، أنا الآن ربما أقول إنما الأعمال بالنيات،
أحدث بها ولا أرفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فحينئذٍ لا يكون بين الرفع والوقف مُنافاة، فمن ثمَّ إذا تعارض الرفع والوقف وكان الرافع ثقة فإنه يجب قبوله لعدم التنافي.
وللزيادة أيضًا يقول: "إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم" اشترط النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث شرطين:
الأول: بلوغ النصاب وهو مائتا درهم، ومائتا درهم بالمثاقيل مائة وأربعون مثقالا؛ لأن الدرهم الإسلامي سبعة أعشار مثقال، سبق لنا أن المثقال أربعة جرامات وربع خمس وعشرين في المائة وضربناها فبلغت خمسمائة وخمسة وتسعين جرامًا هذا هو نصاب الفضة.
الشرط الثاني الذي اشترطه النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وحال عليه الحول" يعني: تمت لها سنة، والمراد بالحول: الحول العالمي وهو الحول الهلالي؛ لأن الهلال هو التوقيت العالمي، لكن بنو آدم تركوا هذا التوقيت العالمي ورجعوا إلى التوقيت القانوني الوهمي، قال الله تعالى:{يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس} [البقرة: 189]. عامة، وقال عز وجل:{إنَّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرمٌ} [التوبة: 36]. وهذه الأشهر بتفسير النبي صلى الله عليه وسلم لها هي الأشهر الهلالية، إذن حتى يحول عليك الحول بالأشهر العالمية الهلالية؛ لأنها هي الأشهر الحقيقية، لكن لو قلنا الحول باعتبار هذا الطريق الوهمي فمعناه: ينقص علينا عشرة أيام أو إحدى عشر على حساب الفقهاء؛ لأن كل ثلاثة وثلاثين سنة يطلع فيها سنة وحينئذ يكون فيه ضرر على أن الحول المعتبر شرعًا وكونًا هو الحول بالأشهر الهلالية. يقول: "ففيها خمسة دراهم" انسبها إلى مائتين يكون ربع العُشر؛ لأنك إذا قسمت مائتين على أربعين الناتج خمس إذن ربع العُشر.
قال: "وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون دينارًا"، "شيء" يعني: من زكاة الذهب، ليس من كل شيء؛ لأن الإنسان قد يكون عنده نصاب فضة وليس عنده نصاب ذهب، فقوله:"شيء" أي: نصاب الذهب، يقول:"حتى يكون لك عشرون دينارًا"، كم عشرون دينارا في المثاقيل؟ عشرون مثقالا؛ لأن الدينار مثقال بخلاف الدراهم فالدراهم اختلفت ففي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كانت مختلفة منها أربعة دوانق ومنها ثمانية دوانق، وفي عهد عبد الملك بن مروان رأى أن يضرب سكة للمسلمين تكون ستة دوانق زاد هذه الأربعة ونقص من الثمانية دانقين، وجعل الدوانق الإسلامية ست دوانق على أن كل عشرة منها سبعة مثاقيل. إذن الدرهم أقل من الدينار في الوزن بسبعة أعشار الدينار هذا بالوزن، لكن بالحجم يمكن أن يكون أكبر منه مرة ونصف بالحجم؛ لأن الذهب أثقل من الفضة، يقول لنا الصاغة: إن الريال العربي يساوي أثنا عشر غرامًا إلا ربع، والريال السعودي يعادل اثنا عشر مثقالا إلا ربعًا، وأما الدينار فهو ثمانية مثاقيل،
هذا يدل على أن الذهب أثقل من الفضة، إذن نصاب الذهب كم يساوي؟ عشرين مثقالا، ولهذا قال:"حتى يكون لك عشرون دينارًا".
وقوله: "وحال عليها الحول" هذه الجملة في موضع نصب على الحال، أي: وقد حال عليه الحول، ليس عليك في المذهب زكاة حتى يكون لك عشرون دينارًا وقد حال عليه الحول، واشتراط الحول كما سبق.
فإن قلت: ما هي الحكمة من اشتراط الحول؟ لماذا لا نقول: يجب على الإنسان أن يؤدي الزكاة بمجرد ما يملكها؟
فالجواب: إنما يجب ذلك رفقًا بالمالك؛ لأن الأصل أن الزكاة إنما تجب في الأموال النامية، والنمو لا يقدر زمن معين، لكن لا بد أن يكون له زمن فلو اعتبرنا الحولين لكن أضررنا بأصحاب الزكاة، ولو قلنا بالشهر لكنا أضررنا بصاحب المال، فكان المعنى المناسب أن يكون مقدرًا بالحول.
قال: "ففيها نصف دينار" إذا قسمنا عشرين على أربعين يساوي ربع العشر فما زاد فبحساب ذلك ولو قليلًا، ففي مائتي درهم ودرهم خمسة دراهم وربع عشر الدرهم، وهذا بخلاف زكاة السائمة فإن زكاة السائمة ليست كذلك.
قال: "وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول"، كلمة "في مال" هذه نكرة يراد بها الخصوص في مال أي زكوي، والأموال الزكوية سبق لنا بيانها أيضًا، يُراد من الأموال الزكوية أشياء خاصة ليست كلها؛ لأن الخارج من الأرض الذي سميناه الحبوب والثمار لا يُشترط فيه الحول:{وءاتوا حَقَّه، يوم حصاده} [الأنعام: 141]. فلو أن الإنسان بذر حنطة وبقيت ستة شهور ثم حصدها فيزكيها، الآن فحينئذ صار في المال تخصيصان:
أولًا: يخصص من عمومات المال بأن المراد به المال الزكوي.
ثانيًا: حتى المال الزكوي ليس كل مال زكوي ليس فيه زكاة حتى يحول الحول؛ لأننا نستثني الحبوب والثمار، فإن زكاتها حين جذاذها وحصادها.
578 -
وللتِّرمذيِّ؛ عن ابن عُمَرَ رضي الله عنه: "من استفاد مالًا، فلا زكاة عليه حتًّى يحول عليه الحول". والرَّاجح وقفه.
هذا الحديث يقول: "من استفاد مالًا"، "استفاد" أي: جاءه فائدة، "فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول". وقوله:"مالا" نكرة في سياق الشرط فهو للعموم لكنه عام أريد به الخاص، ما الذي أريد به؟ المال الزكوي غير الثمار والحبوب.
وقوله: "من استفاد مالًا فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول" ظاهره العموم أيضًا في المستفاد وليس كذلك، ليس هذا في عموم المستفاد، بل المستفاد نفسه منه ما يشترط له الحول ومنه ما لا يشترط على التفصيل الآتي:
أولًا: أن يكون المستفاد من غير جنس المال الذي عندك فهذا لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول مثل: رجل عنده فضة واستفاد ذهبًا ورث ذهبًا أو رجل وهبه ذهبًا، فهنا المستفاد لا يضم إلى من عنده لا في النصاب ولا في الحول، إذا كان مستفادًا من غير الجنس الذي عندك، فإنك لا تضمه إليه لا في الحول ولا في النصاب، مثال ذلك: رجل عنده مائة درهم وبعد ستة شهور استفاد عشرة دنانير مائة درهم نصف نصاب وعشرة دنانير نصف نصاب، نصف مع نصف واحد فهل يُضم؟ لا يضم لأنه من غير جنسه، تم الحول على عشرة دنانير فليس فيها زكاة والدراهم التي معه تم عليها سنة ونصف هل فيها زكاة؟ ليس فيها زكاة؛ لأن المال من غير جنسه فلا يضم لا في النصاب ولا في الحول.
ثانيًا: أن يكون المستفاد نماءً أو ربحًا للذي عنده فهل يُضم إليه؟ مثال ذلك: رجل عنده مائتا درهم وفي منتصف الحول ربح فيها مائتين إذا تم الحول الأولى عليه الزكاة يزكي الجميع؛ لأن هذا ربح المال الأول والربح تابع للأصل، عنده أربعون شاة وبعد ستة أشهر ولدت كل شاة شاتين وواحدة منهن ولدت ثلاثًا كم صار عنده؟ (121)، كم من الزكاة عليه؟ شاتان؛ لأن هذا نتاج الأصل فيزكي عن مائة وإحدى وعشرين، رجل عنده ثلاثون شاة وفي منتصف الحول ولدت عشر منها عشر شياه عليه شاة لكن من الحول الأول أو من الولادة؟ من الولادة؛ لأن الأول لم يتم النصاب الأول فيكون من الولادة، والسبب أن النصاب ما تم.
القسم الثالث: أن يكون المستفاد الذي استفاده من جنس الذي عنده فهنا يُضم إلى ما عنده في تكميل النصاب لا في الحول.
مثال: رجل عنده عشرة دنانير ليس فيها زكاة بعد مضي ستة أشهر وهب له عشرة دنانير كم صار عنده الآن؟ أصبح عنده نصاب فيضم هذا إلى هذا في تكميل النصاب لا في الحول وعليه متى تجب عليه الزكاة؟ إذا مضى على الأول سنة وستة أشهر، هذه أقسام ثلاثة للمستفاد، فصار الحديث يحتاج إلى تخصيص.
مثال آخر للقسم الثاني: يعني: أنه إذا كان عنده نصاب ومن الأول فإن الثاني لا يشترط فيه بلوغ النصاب، بل تجب فيه الزكاة على كل حال؛ لأنه عنده من جنسه لا في الحول بمعنى: أننا لا نلزمه بإخراج زكاة المستفاد إذا تم حول الأول، وإنما نلزمه بإخراج زكاته إذا تم حوله هو، مثال ذلك عندي: مائتا درهم ملكتها في الأول من المحرم عام سبعة وأربعمائة وألف في أول