المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌كيف يثبت دخول رمضان - فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية - جـ ٣

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

-

- ‌[كتاب الزكاة]

- ‌مفهوم الزكاة:

- ‌فائدة الزكاة:

- ‌متى فرضت الزكاة

- ‌حكم الزكاة:

- ‌مسألة: هل تُؤخذ الزكاة قهرًا

- ‌مسألة: هل يمنع الدَّين وجوب الزكاة

- ‌زكاة بهيمة الأنعام:

- ‌أحكام مهمة في السوم:

- ‌زكاة الفضة والمعتبر فيها:

- ‌حكم الخلطة في السائمة وغيرها:

- ‌زكاة البقر ونصابها:

- ‌مشروعية بعث السُّعاة لقبض الزكاة:

- ‌لا زكاة على المسلم في عبيده وخيله:

- ‌للإمام أن يأخذ الزكاة قهرًا ويعاقب المانع:

- ‌شروط الزكاة:

- ‌حكم زكاة البقر العوامل:

- ‌فائدة فيما لا يشترط فيه الحول:

- ‌الزكاة في مال الصبي:

- ‌الدعاء لمخرج الزكاة:

- ‌حكم لتعجيل الزكاة:

- ‌زكاة الحبوب والثمار:

- ‌مسألة: اختلاف العلماء في نصاب الفضة

- ‌أنواع الحبوب التي تجب فيها الزكاة:

- ‌خرص الثمر قبل نضوجه:

- ‌حكم زكاة الحلي:

- ‌فائدة في جواز لبس الذهب المحلق:

- ‌زكاة عروض التجارة:

- ‌كيف نؤدي زكاة عروض التجارة

- ‌زكاة الركاز:

- ‌زكاة الكنز والمعادن:

- ‌1 - باب صدقة الفطر

- ‌صدقة الفطر من تجب

- ‌فائدة: الواجبات تسقط بالعجز:

- ‌الحكمة من صدقة الفطر

- ‌مقدار صدقة الفطر ومما تكون

- ‌وقت صدقة الفطر وفائدتها:

- ‌2 - باب صدقة التَّطوُّع

- ‌مفهوم صدقة التطوع وفائدتها:

- ‌استحباب إخفاء الصدقة:

- ‌فضل صدقة التطوع:

- ‌اليد العليا خير من اليد السفلى:

- ‌أفضل الصدقة جهد المقل:

- ‌فضل الصدقة على الزوجة والأولاد:

- ‌حكم صدقة المرأة من مال زوجها:

- ‌جواز تصدق المرأة على زوجها:

- ‌كراهية سؤال الناس لغير ضرورة:

- ‌مسائل مهمة:

- ‌3 - باب قسم الصدقات

- ‌أقسام أهل الزكاة:

- ‌متى تحل الزكاة للغني

- ‌من اللذين تتجل لهم الصدقة:

- ‌فائدة في أقسام البيئات:

- ‌الصدقة لا تحل للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لآله:

- ‌مسألة مهمة:

- ‌آل النبي الذين لا تحل لهم الصدقة:

- ‌حكم أخذ موالي آل الرسول صلى الله عليه وسلم من الصدقة

- ‌جواز الأخذ لمن أعطي بغير مسألة:

-

- ‌كتاب الصيام

- ‌مفهوم الصيام وحكمه:

- ‌فوائد الصيام:

- ‌النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين:

- ‌كيف يثبت دخول رمضان

- ‌يقبل خبر الواحد في إثبات الهلال:

- ‌حكم تبييت النية في الصيام:

- ‌مسألة: ما الحكم إذا تعارض الرفع والوقف

- ‌حكم قطع الصوم

- ‌فضل تعجيل الفطر:

- ‌فضل السُّحور:

- ‌النهي عن الوصال:

- ‌حكمة مشروعية الصيام:

- ‌هل تبطل الغيبة الصيام

- ‌حكم القبلة للصائم:

- ‌حكم الحجامة للصائم

- ‌فائدة في ثبوت النسخ في الأحكام:

- ‌حكم الفصد والشرط للصائم:

- ‌حكم الاكتحال للصائم:

- ‌حكم من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائم:

- ‌حكم من استقاء وهو صائم:

- ‌حكم الصيام في السفر:

- ‌جواز فطر الكبير والمريض:

- ‌حكم من جامع في رمضان:

- ‌مسألة: هل المرأة زوجة الرجل عليها كفارة

- ‌هل على من تعمد الفطر كفارة

- ‌حكم الصائم إذا أصبح جنبًا:

- ‌حكم من مات وعليه صوم:

- ‌1 - باب صوم التَّطوُّع وما نهي عن صومه

- ‌فضل صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء:

- ‌فائدة: حكم الاحتفال بالمولد النبوي:

- ‌فضل صيام ستة أيام من شوال:

- ‌فضل الصوم في شعبان:

- ‌حكم صوم المرأة بغير إذن زوجها:

- ‌فائدة: حكم سفر المرأة بغير إذن زوجها:

- ‌النهي عن صيام يوم الفطر ويوم النحر:

- ‌النهي عن صيام أيام التشريق:

- ‌فائدة في حقيقة الذكر:

- ‌حكم صيام يوم الجمعة:

- ‌حكم صيام يوم السبت والأحد تطوعًا:

- ‌حكم الصيام إذا انتصف شعبان:

- ‌النهي عن صوم يوم عرفة للحاج:

- ‌النهي عن صوم الدهر:

- ‌2 - باب الاعتكاف وقيام رمضان

- ‌مفهوم الاعتكاف وحكمه:

- ‌فضل العشر الأواخر من رمضان:

- ‌فائدة في ذكر أقسام أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌آداب الاعتكاف وأحكامه:

- ‌مسألة مهمة:

- ‌ليلة القدر

- ‌فضل المساجد الثلاثة:

- ‌فائدة:

-

- ‌كتاب الحج

- ‌تعريف الحج لغةً واصطلاحًا:

- ‌متى فرض الحج

- ‌1 - باب فضله وبيان من فرض عليه

- ‌شروط الحج المبرور:

- ‌جهاد النساء: الحج والعمرة:

- ‌حكم العمرة:

- ‌حكم حج الصبي:

- ‌حكم الحج عن الغير:

- ‌حكم سفر المرأة بغير محرم للحج والخلوة:

- ‌حكم من حج عن غيره قبل الحج عن نفسه:

- ‌فرض الحج في العمر مرة واحدة:

- ‌2 - باب المواقيت

- ‌المواقيت: تعريفها وبيان أقسامها:

- ‌3 - باب وجوه الإحرام وصفته

- ‌4 - باب الإحرام وما يتعلق به

- ‌استحباب رفع الصوت بالتلبية:

- ‌جواز استعمال الطيب عند الإحرام:

- ‌النهي عن النكاح والخطبة للمحرم:

- ‌من محظورات الإحرام قتل الصيد:

- ‌ما يجوز للمحرم قتله:

- ‌فائدة: أقسام الدواب من حيث القتل وعدمه:

- ‌حكم الحجامة للمحرم:

- ‌تحريم مكة:

- ‌تحريم المدينة:

- ‌5 - باب صفة الحج ودخول مكة

- ‌صفة دخول مكة:

- ‌صفة الطواف:

- ‌وقت رمي جمرة العقبة والوقوف بعرفة والمزدلفة:

- ‌متى تقطع التلبية

- ‌صفة رمي الجمرات ووقته:

- ‌وقت الحلق أو التقصير:

- ‌صفة التحلل عند الحصر وبعض أحكامه:

- ‌التحلل الأصغر:

- ‌عدم جواز الحلق النساء:

- ‌مسألة حكم قص المرأة لشعر رأسها

- ‌استحباب الخطبة يوم النحر:

- ‌حكم طواف الوداع في الحج والعمرة:

- ‌فضل الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي:

- ‌6 - باب الفوات والإحصار

- ‌الاشتراط عن الإحرام وأحكامه:

- ‌أسئلة مهمة على الحج:

- ‌كتاب البيوع

- ‌1 - باب شروطه وما نهي عنه

- ‌أطيب الكسب:

- ‌تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام:

- ‌تحريم بيع الميتة مثل الدخان والدم:

- ‌تحريم بيع الأصنام وما يلحق بها من الكتب المضلة والمجلات الخليعة:

- ‌النهي عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن:

- ‌جواز اشتراط منفعة المبيع للبائع:

- ‌جواز بيع المدبَّر إذا كان على صاحبه دين:

- ‌حكم أكل وبيع السمن الذي تقع فيه فأرة:

- ‌بطلان مخالفة الشرع:

- ‌حكم أمهات الأولاد:

- ‌النهي عن بيع فضل الماء وعسب الفحل:

- ‌النهى عن بيع الولاء وهبته:

- ‌النهي عن بيع الحصاة وبيع الغرر:

- ‌مسألة: هل يجوز بيع المسك في فأرته

- ‌بيع الجهالة:

- ‌النهى عن بيعتين في بيعة:

- ‌السلف والبيع:

- ‌بيع العُربان:

- ‌حكم بيع السلع حيث تُبتاع:

- ‌مسألة بيع الدَّين:

- ‌بيع النَّجش:

- ‌النهي عن المحاقلة والمزابنة وما أشبهها:

- ‌النهى عن تلقِّي الرُّكبان:

- ‌بيع الرجل على بيع أخيه المسلم:

- ‌حكم التفريق بين ذوي الرحم في البيع:

- ‌حكم التسعيرة:

- ‌ الاحتكار

- ‌بيع الإبل والغنم المصرَّاة:

- ‌تحريم الغش في البيع:

- ‌جواز التوكيل في البيع والشراء:

- ‌بيع الغرر:

- ‌بيع المضامين:

الفصل: ‌كيف يثبت دخول رمضان

معطٍ"، ويحتمل أنه كني بذلك؛ لأن له ولدًا اسمه القاسم؛ لأن أبناء الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة وبناته أربع وكلهم ماتوا في حياته إلا واحدة من بناته وهي فاطمة رضي الله عنه.

يستفاد من هذا الحديث أولًا: تحريم صوم يوم الشك؛ لأن عمارًا جزم بأنه معصية، والأصل أن ما أطلق عليه المعصية فهو حرام، وهذا هو القول الراجح، لا سيما وأنه مؤيَّد بحديث أبي هريرة السابق وهو:"لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين"، فعليه نقول: تقدم رمضان بصوم يومين مكروه، وبصوم يوم حرام، لكن بشرط أن يكون هذا اليوم يوم شك، أما إذا كانت السماء صحوا فصوم ذلك اليوم مكروه بحديث أبي هريرة.

ومن فوائد الحديث: جواز ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: بغير وصف الرسالة لقوله: "فقد عصى أبا القاسم"؛ لأن باب الخبر أوسع من باب الطلب، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما ينادى باسمه سواء كان اسمًا أو كنية، لكن عندما يخبر عنه يجوز أن يخبر عنه باسمه، فيقال:"قال محمد"، و"قال أبو القاسم" وما أشبه ذلك، لكن أيما أولى: أن نقول هكذا، أو أن نصفه بالرسالة؟ الثاني أولى، لا سيما وأننا إذا ذكرناه فإنما نذكره على سبيل أنه مشرِّع، ومعلوم أن وصف الرسالة ألصق بالتشريع من ذكر الاسم العلم سواء كان اسما أو كنية، لكن هذا على سبيل الجواز.

ومن فوائد الحديث: جواز التعبير عن اللفظ بمعناه، أو بعبارة أخرى: جواز رواية الحديث بالمعنى، كيف ذلك لأن عمار عبر عن قول الرسول بالمعنى لم يسقه بلفظه.

فإن قلت: لماذا لم يسقه بلفظه أليس سوقه بلفظه أولى.

فالجواب: بلى، لكن قد يكون الصحابي نسي اللفظ الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن قد تيقن أنه قد نهى عن ذلك، فعبر بقوله:"عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم".

‌كيف يثبت دخول رمضان

؟

62 (1) - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمَّ عليكم فاقدروا له". متَّفقٌ عليه.

- ولمسلم: "فإن أغمى عليكم فاقدروا له ثلاثين".

- وللبخاريِّ: "فأكملوا العدَّة ثلاثين".

622 -

وله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "فأكملوا عدَّة شعبان ثلاثين".

قوله: "إذا رأيتموه" الهاء تعود على الهلال، ولم يسبق له ذكر، لكن السياق يدل عليه،

ص: 174

فعلى هذا نقول: "إذا رأيتموه"، أي: الهلال بالتحديد بدليل قوله: "فصوموا"، وإذا رأيتموه فأفطرواه، أي: هلال شوال "فافطروا".

وقوله: "غمَّ عليكم"، الغم بمعنى: التطبيق على الشيء وإخفاء الشيء، ومنه الغم الذي يصيب الإنسان؛ لأنه يحول بينه وبين صفاء الذهن والتفكير، فمعنى "غم عليكم" أي: ستر عليكم بغيم أو قترا أو جبال شاهقة لا تستطيعون صعودها أو ما أشبه ذلك.

وقوله: "فاقدروا له" اختلف العلماء في قوله: "اقدروا له" فقال بعضهم: إنه من التقدير، يعنى: قدروا وانظروا منازله فيما سبق من الليالي الماضية حتى تقيسوا هذه الليلة على ما سبق، وبناء على هذا القول يدخل علينا علم حساب الفلك، وأنه إذا غمَّ علينا الشهر رجعنا إلى الحساب الفلكي وعملنا به، هذا على القول بأنه من التقدير، وقيل: إنه من القدر بمعنى: التضيق، ومنه قوله تعالى:{ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما ءاتاه الله} [الطلاق: 7].

وحينئذٍ أي شيء نجعله ضيقًا أهو رمضان أو شعبان؟ فيه خلاف:

فقال بعضهم: نجعل الضيق شعبان فيكون تسعة وعشرين ونصوم هذا اليوم الذي هو يوم الشك، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وقد نصره الأصحاب نصرًا عظيمًا.

القول الثاني: التضييق لا يكون على شعبان بل يكون على الشهر القادم وهو رمضان، وإذا ضيقنا على رمضان معناه ما دخلناه ننتظر حتى نكمل شعبان ونجعل النقص على رمضان، وهذا القول هو الصحيح من وجهين:

الوجه الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم فسره هو بنفسه، ففي رواية مسلم:"اقدروا له ثلاثين"، وفي رواية البخاري:"فأكملوا العدة ثلاثين"، وفي حديث أبي هريرة:"فأكملوا عدة شعبان ثلاثين، ولا يشك أحد أن أعلم الناس بما يقول هو القائل، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي فسره لنا بأن قال: "أكملوا العدة ثلاثين" فهل يبقى بعد ذلك قول لأحد؟ أبدًا، ولهذا كان القول الصحيح أن المراد بالقدر: التضييق، لكن على الشهر الداخل بحيث نكمل الشهر الأول السابق ثلاثين، وأما ابن عمر رضي الله عنه راوي الحديث فكان يبعث من يرى الهلال في ليلة الثلاثين من شعبان إذا كان هناك غيم أو قتر، فإن لم ير أصبح صائما رضي الله عنه، ولكن هذا من فعله، وروايته مقدمة على رأيه، فيقال: هذا اجتهاد منه، وهو رضي الله عنه معروف بأنه يميل إلى التشديد أكثر مما يميل إلى التخفيف، ولهذا يقال: إن هارون الرشيد لما طلب من مالك أن يؤلف الموطأ قال له: تجنب رخص ابن عباس وتشديد ابن عمر، وابن عمر معروف بالتشدد حتى إنه كان يغسل في الوضوء داخل عينيه، ويقال: إنه إنما كفِّ بصره في آخر عمره من أجل هذا، فالله أعلم.

ص: 175

على كل حال: ابن عمر رضي الله عنه من أشد الناس حرصا على العبادة، وكان يلزم نفسه بأشد الأمرين عنده، فلهذا كان يصوم إذا كان هناك غيم أو قتر".

الوجه الثاني: من الترجيح أن حديث عمار بن ياسر صريح في أنه إذا كان غيم أو قتر فإن صومه حرام، وهذه المسألة فيها في مذهب الإمام أحمد سبعة أقوال وهي: الأحكام الخمسة، هذه خمسة أقوال، والقول السادس: أن الناس تبع للإمام إن صام صاموا، وإن أفطر أفطروا، والقول السابع: أن يعمل بعادة غالبة بأن الغالب أنه إذا مضى شهران كاملان فالثالث ناقص فينظر هل رجب وجمادى الثانية كاملان فيكون شعبان ناقصًا، ولكن السُّنة- والحمد لله- واضحة في ذلك.

في هذا الحديث يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته إذا رأوا الهلال أن يصوموا إذا كان هلال رمضان، وأن يفطروا إذا كان هلال شوال، ويأمرهم أيضًا إذا لم يتمكنوا من رؤيته أن يكملوا العدة ثلاثين- عدة الشهر السابق- سواء كان رمضان أو شعبان؛ لأجل أن يكونوا على بينة من الأمر حتى لا يقعوا في شك وحيرة، فالأمر-والحمد لله- واضح.

وعليه نقول: إذا رأيت فصم، وإذا غم عليك فلا تصم بل أكمل عدة الشهر ثلاثين، في شوال إذا رأيت فأفطر، إذا غم عليك فأكمل العدة ثلاثين فالأمر- والحمد لله- واضح حتى لا يقع الناس في قلق وشك وحيرة.

ثم نرجع إلى معنى قوله: "اقدروا له"، نقول: إذا غم هلال شوال يجب التكميل، وسيأتي- إن شاء الله تعالى- بيان تناقض هذا القول والصحيح المتعين.

وهذا الحديث فيه فوائد كثيرة أولًا: قوله: "إذا رأيتموه"، يستفاد منه: أنه لا يجب الصوم قبل رؤيته لقوله: "إذا رأيتموه"، ثم ما المراد بالرؤية؟ هل الرؤية قبل الغروب أو بعد الغروب؟ من المعلوم أن القمر آية ليلية، فيكون المعنى: إذا رأيناه في الليل الذي هو سلطانه كما قال تعالى: {وجعلنا اليل والنهار ءايتين فمحونا ءاية اليل وجعلنا ءاية النهار مبصرة} [الإسراء: 12]. فإذا رؤي بعد الغروب ثبت الحكم، أما إذا رؤي قبل الغروب فقال بعض العلماء: إنه يكون لليلة الماضية، وبعضهم يقول: يكون لليلة المقبلة، ولا شك أن هذا فيه نظر؛ لأنه إذا رؤي قبل الغروب متقدمًا على الشمس فإنه لا يمكن أن يكون لليلة الماضية، وإذا رؤي متأخرًا عن الشمس فإن كان التأخر بعيدًا فإنه يكون لليلة المقبلة، ومع ذلك لا نحكم به، قد يكون عند الغروب هناك غيم أو قتر فلا نراه فنكمل العدة ثلاثين، لكنه في الغالب لا يخفى، المهم: أن الرؤية إذن تكون بعد الغروب؛ لأنه- أي: الليل- هو سلطان القمر.

ص: 176

وقوله: "إذا رأيتموه" يستفاد منه: أنه لا بد من تحقق الرؤية، أما لو شككنا في ذلك فإنه لا يجب الصوم، بل من صام فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، ويدل على أن المراد بالرؤية اليقين هنا الرؤية العينية المتيقنة قوله تعالى في البقرة:{فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185].

ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا رآه ولم يره غيره ثبت الحكم في حقه، فإن كان في رمضان، يعني: رأى هلال رمضان وغيره لم يره والحاكم رد شهادته لجهله بحاله مثلًا فانه يصوم، وإن كان في شوال فقيل: إنه لا يفطر؛ لأن الشهر شرعا- أي: شهر شوال شرعًا- لا يدخل إلا بشهادة رجلين، وقيل: بل يفطر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيتموه فأفطروا"، وهذا قد رآه، لكن يفطر سرًّا لئلا يجاهر بمخالفة الجماعة، فصار لدينا قولان إذا رأى وحده هلال شوال:

القول الأول: أنه لا يفطر؛ لأن شوال لا يثبت دخوله إلا بشهادة رجلين، واستذلوا أيضًا بحديث:"الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس".

والقول الثاني: أنه يفطر؛ لأنه رآه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا"، ولكنه يفطر سرًّا لثلا يجاهر بمخالفة الجماعة، وهذا القول أقرب من حيث اللفظ:"إذا رأيتموه"، فإن هذا رآه، أما إذا كان الإنسان منفردًا في مكان وليس حوله أحد يخالفه فإنه يفطر؛ لأنه حينئذٍ لا يتيقن مخالفة الجماعة مثل لو كان بدويًّا في محل في البرّ ليس حوله مدن ولا قرى ورأى هلال شوال فإنه لا يمكن أن نقول له: صم: لأنه ثبت دخول الشهر في حقه، وهو إذا أفطر لا يكون مخالفًا، هكذا قال أهل العلم، ومعلوم أن هذا في وقتهم أمر واقع وكثير، لكن في وقتنا الآن- حيث انتشرت وسائل الإعلام- قد يقال: إنه لا يفطر حتى ينظر من إفطار الناس على القول بأنه لا يفطر إذا أنفرد برؤيته، أما إذا قلنا: إنه يفطر فالأمر واضح.

ظاهر الحديث: "إذا رأيتموه"، يشمل ما إذا رأيناه بالعين المجردة أو بواسطة الآلات، فهو عام، فمثلًا رأيناه سواء بالعين المجردة أو بالمنظار المكبر فإنه تثبت رؤيته، وقد كان الناس قديمًا نعهدهم أنهم يصعدون على المنابر ومعهم الدرابيل، أو على الأصح مكبر النظر أو مقرب النظر، المهم: أنهم كانوا يستعملونه، وإذا رأوه بواسطة هذه المكبرات فإنه يحكم برؤيته، والحديث عام ليس فيه وإذا "رأيتموه بالعين"، ومعلوم أنه حتى ولو كان فيه ذلك لا يمنع أن يكون رآه بواسطة أو مباشرة.

الحديث: "إذا رأيتموه"، فهل المراد: إذا رآه كل واحد؟ لو كان كذلك لكان الذي نظره قاصر لا يجب عليه الصوم ولو رآه الناس؛ لأنه يقول: ما رأيته أنا، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد هذا، ولكن إذا رأيتموه الرؤيا التي يثبت بها دخوله شرعًا وهي أن يكون الرائي رجلين فأكثر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "وإن شهد شاهدان فصوموا وأفطرواه، ويأتي- إن شاء الله- الخلاف فيما إذا رآه واحد.

ص: 177

ويستفاد من قوله: "إذا رأيتموه": أنه إذا رؤي في بلد واحد لزم الناس كلهم الصوم؛ لأننا ما دمنا نقول: إنه لا يشترط أن يراه كل واحد فإنه يستفاد منه، وهذه متفرعة على ما ذكرنا قبل من أنه إذا رآه وأحد أو إذا ثبتت رؤيته في مكان لزم الصوم جميع الناس، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وهو قول كثير من أهل العلم، ولكن عارضهم شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة، وقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيتموه"، والجماعة البعيدون عن مطلع الهلال في هذا المكان لم يروه لا حقيقة ولا حكمًا، وقول الرسول:"إذا رأيتموه" كقوله: "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم"، فهل أنتم تقولون: إذا غربت- الشمس عند قوم جاز للآخرين أن يفطروا ولو كانت الشمس لم تغب؟

الجواب: لا، ولم يقل بذلك أحد، إذن إذا رأيناه في مكان ولم ير في مكان آخر- بعد التحري والبحث- فإنه لا يلزم من لم يره؛ لأن هذا- "إذا أقبل الليل من هاهنا"- توقيت يومي، و"إذا رأيتموه" توقيت شهري، ولا فرق بينهما، فالشهر عند من لم يروه لم يدخل، والله عز وجل يقول: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه}. [البقرة: 185]. وهؤلاء الذين يخالفون من رأوه في المطالع ما شهدوه، وعلى هذا فلا يلزمهم الصوم، ودلالة هذا الحديث على قولهم، ودلالة الآية أيضًا واضحة، واستدلوا أيضًا بحديث رواه مسلم عن كريب أن أم الفضل أرسلته في حاجة إلى معاوية، ومعاوية في الشام، فرأوا الهلال في الشام فصاموا، وكان ممن رآه كريب رآه ليلة الجمعة، ثم إن كريبًا قضى حاجته من الشام ورجع إلى المدينة والتقى بابن عباس رضي الله عنه، فسأله ابن عباس متى صام معاوية؟ قال: صام يوم الجمعة، قال: هل رأى الهلال؟ قال: نعم، وأنا رأيته أيضًا، فقال: إنا لم نصم إلا يوم السبت، فقال له: أتكتفي برؤية معاوية؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا نص صريح من ابن عباس رضي الله عنهما تفقها واستنباطًا من قوله: "إذا رأيتموه"، وهذا دليل واضح في الموضوع، والقياس على التوقيت اليومي أيضًا دليل واضح، والخطاب في {فمن شهد منكم الشَّهر} ، و"إذا رأيتموه"، واضح، ولهذا كان الصواب ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أنه إن اتفقت المطالع لزم الصوم أو الفطر وإلا فلا.

* وهذا أحد الأقوال في المسألة، وفيها خمسة أقوال على النحو التالي:

القول الأول: إذا ثبتت رؤيته في مكان ثبت ذلك في حق جميع الناس في أي مكان كانوا.

ص: 178

القول الثاني: إذا ثبتت رؤيته في مكان لزمهم حكم تلك الرؤية من فطر أو صوم، ولزم من يشاركهم في مطالع الهلال دون من لم يشاركهم، وهذا أقرب إلى الصواب إن لم يكن هو المتعين.

القول الثالث: أنه إذا كانت المسافة بين البلدين مسافة قصر فإنه لا يلزم للبلد الآخر، قالوا: لأن ما دون المسافة في حكم الحاضر وما وراءها في حكم المسافر، فإذا كان بين البلدين أقل من المسافة لزم البلد الثاني الصوم إذا رآه البلد الآخر، وإن كان بينهما مسافة قصر فلا.

والقول الرابع: أن الصوم والفطر تبع للعمل، أي: عمل ولي الأمر، فإذا كانت هذه المنطقة تبعًا لأمير معين فلها حكم واحد، وعللوا ذلك بألا يحصل الاختلاف بين من كانوا تحت إمرة واحدة؛ لأنه إذا حصل اختلاف بين من كانوا تحت إمرة واحدة حصل النزاع والتفرق.

والقول الخامس: أنه إذا كان بينهما قطر أو أقطار- يعني: إذا كانت منطقة كبيرة وليست بلد أي: تبع الأقطار والمناطق الكبيرة- فإنهم إذا كانوا في قطر واحد لزمهم الصوم، وإن لم يكونوا في قطر واحد فلكل قطر حكمه.

على كل حال: كل ما سوى القولين الأولين فهي أقوال ليست بتلك القوة، إلا أن يقال: إنه إذا كانوا تحت إمرة واحدة فإنه يلزم الصوم أو الفطر الحديث: "الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والفطر يوم يفطر الناس".

* فتكون الأقوال الرئيسية التي يمكن أن نعتبرها ثلاثة أقوال:

الأول: لزوم الصوم على جميع الناس.

والثاني: لزوم الصوم على من وافقهم في المطالع.

والثالث: لزوم الصوم إذا كانوا تحت إمرة واحدة الحديث: "الصوم يوم يصوم الناس".

ما هو عمل الناس اليوم؟ الغالب عمل الناس اليوم على الأخير، ولهذا تجد قريتين على الحدود بينهما أمتار قليلة قرية صامت وقرية لم تصم، وقرية أفطرت في العيد وقرية لم تفطر؛ لأن هذه تحت ولاية وهذه تحت ولاية بل نجد أنه أحيانا إذا حسنت العلاقات بين الدولتين اتفقتا، وإذا ساءت لم تتفقا، فيجعلون الحكم تبعًا للسياسة، وهذا شيء مشاهد علمنا به مباشرة بدون نقل.

على كل حال: القول الصحيح عندي هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه مؤيد بظاهر القرآن والسُّنة وبما روي عن الصحابة-رضي الله عنهم.

من فوائد الحديث: أن هذه الشريعة- والحمد لله- لم تدع مجالًا للقلق والاضطراب، لقوله:"فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، فإن هذا مما يريح الإنسان، يعني: لا تكن قلقًا، تقول: ربما هلَّ ولكنه تحت السحاب، وربما هلَّ ولكنه وراء الجبل، وربما هلَّ ولكنه حجبه

ص: 179