الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فالجواب: أن الزكاة واجبة في المال، والمال لا فرق فيه بين أن يكون لصغير، أو الكبير، أو لعاقل، أو لمجون، ما هو الدليل على أن الزكاة في المال؟ هذه المسألة فيها خلاف، فجمهور أهل العلم على أن الزكاة واجبة في مال اليتيم لعموم الأدلة ولهذا الدليل الخاص؛ ولأن الزكاة منوطة بسبب متى وجد هذا السبب وجبت الزكاة، فهو كضمان الجنايات التي تلزم الصغير إذا جنى، وكوجوب النفقة على الصغير في ماله لمن تجب عليه نفقتهم، فلو كان أخ صغير غني وأخ فقير كبير ولا يرثه إلا هذا الأخ الصغير وجبت على الأخ الصغير النفقة مع أنه ليس بمكلف؛ لأنها واجبة في المال، فهذه هي للزكاة أيضًا، وبهذا نعرف الفرق بين الزكاة والصلاة والصوم؛ لأن هذه الأشياء عبادات دينية تتعلق ببدن المكلف، وأما الزكاة فإنها عبادة مالية تتعلق بمال المكلف.
الدعاء لمخرج الزكاة:
581 -
وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قومٌ بصدقتهم قال: اللَّهمَّ صلِّ عليهم". متفق عليه.
قوله: "قوم" أي: جماعة، والقوم تطلق على الرجال فقط، وتطلق على القبيلة فتشمل الذكر والأنثى، ففي مثل قوله تعالى:{إنا أرسلنا نوحًا إلى قومه} [نوح: 1]. يشمل الذكر والأنثى، وفي قوله تعالى:{يا أيها الذين ءامنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيرًا منهن} [الحجرات: 11]. خاص بالرجال، ومن قول الشاعر:[الوافر]
وما أدري ولست إخال أدري
…
أقوم آل حصنٍ أم نساء
فجعل النساء مقابل القوم، فيكون المراد بالقوم: الرجال، وهنا "إذا أتاه قوم" الظاهر المراد بهم: الرجال بقرينة الحال، وهي أن الذي يأتي بالصدقات النساء أو الرجال؟ الرجال، "إذا أتاه قوم بصدقة" أي: بزكاتهم، كما مر علينا أن الصدقة تطلق على الزكاة وعلى صدقة التطوع.
قال: "اللهم صلِّ عليهم""اللهم" أي: يا لله، فحذفت "ياء" النداء وعوض عنها الميم تيمُّنا بالبداءة باسم الله، وعوضت عنها الميم للدلالة على المحذوف وصارت ميمًا متأخرة للدلالة على الضم؛ لأن الميم فيها ضم الشفتين، فكأن الداعي جمع قلبه إلى الله وضمه، وقوله:"صل عليهم" الصلاة تطلق على عدة معانٍ، فإذا قلت: صل على فلان؛ أي: ادع له وإذا قلت: "اللهم صلِّ عليه" أي: اللهم أثن عليه في الملأ الأعلى، وهو تفسير أبي العالية رحمه الله وهو أصح من تفسير من فسر الصلاة بالرحمة؛ لأن تفسير الصلاة بالرحمة يبطله قوله تعالى: {أولئك عليهم
صلوات من ربهم ورحمةٌ} [البقرة: 157]؛ لأن الأصل في العطف المغايرة، فعلى هذا فالصواب: أن الصلاة هي ثناء الله على العبد في الملأ الأعلى. فإذا قلت: "اللهم صل على محمد" أي: أثن عليه في الملأ الأعلى، والملأ الأعلى هم الملائكة المقربون.
"اللهم صل عليهم" أي: على هؤلاء الذين أتوا بالصدقة، أي: أثنا عليهم في الملأ الأعلى، وإنما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا؛ لأن الله أمره به فقال:{خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم} [التوبة: 103]. فأمر الله تعالى بالصلاة عليهم وبين الحكمة من ذلك، وهي: أن نفوسهم تسكن وتطمئن؛ لأن المال حبيب إلى النفوس وبذله شاق عليها فإذا دعي لمن بذله سكن واطمأن وانشرح صدره، ولهذا تجد الفرق بين رجلين أعطيت أحدهما هدية أو صدقة فقال: جزاك الله خيرًا وأخلف عليك، والثاني أعطيته الهدية فمد يده وأخذها وسكت فلم يتكلم أيهما الذي يشرح صدرك له؟ لا شك أنه الأول، وإن كان الذي يعطي لله لا يهمه:{أنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} [الإنسان: 9] لكن الآداب والأخلاق أحسن.
فيستفاد من هذا الحديث فوائد: أولًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد مأمور ممتثل يطلب الأجر، من أين يؤخذ؟ من كونه يقول:"اللهم صل عليه" امتثالًا لأمر الله: {وصل عليهمّ} ؛ إذن فهو عبد يوجه إليه أمر فيمتثله طلبًا لأجره، وهذا كله يدل على أنه صلى الله عليه وسلم مفتقرًا إلى الله عز وجل وإلى ثوابه وأنه ليس له حق في الربوبية إطلاق، وهذا أمر معلوم عند المسلمين كلهم.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يشرع لمن أعطى زكاة أن يقول لمن أعطاه: "اللهم صل عليه"، إلا إذا خشيت أن يستنكر هذا الأمر فقل هكذا أمر الله نبيه، وتذكر الآية والحديث.
فائدة في حكم الصلاة على غير الأنبياء:
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الصلاة على غير الأنبياء لقوله: "اللهم صل عليهم"، والصلاة على غير الأنبياء تقع على ثلاثة أوجه:
الأول: أن تكون تابعة للصلاة على الأنبياء، وهذه جائزة بالنص والإجماع قال صلى الله عليه وسلم:"اللهم صل على محمد وعلى آل محمد". فصلى عليهم تبعًا.
الثاني: أن يخص بها شخص معين كلما ذكر صلي عليه فهذا لا يجوز لأنه يلحقه بالأنبياء عرفا؛ لأن الذي يصلى عليه كلما ذكر: الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أبي هريرة أن جبريل قال له: "رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك".
الثالث: أن يصلى على غير الأنبياء استقلالًا، ولا يجعل شعارا لهذا الشخص المعين، فهذا جائز لا سيما إذا كان بسبب كما في هذا الحديث.