الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 - باب صدقة التَّطوُّع
هذا من باب إضافة الشيء إلى سببه أو إلى نوعه؟
إن قلت: إلى سببه فالمعنى: الصدقة التي حمله عليها التطوع لله.
وإن قلت: إنها من باب إضافة الشيء إلى نوعه، فمعناه: أن الصدقة تكون تطوعا، وتكون واجبة وهو كذلك، فهي إذن من باب إضافة الشيء إلى نوعه.
الصدقة الواجبة. مثل زكاة المال وزكاة الفطر.
مفهوم صدقة التطوع وفائدتها:
وصدقة التطوع: هي ما يتقرب به الإنسان إلى الله تعالى ببذل المال من غير أن يجب عليه، صدقة التطوع من رحمة الله- سبحانه وتعالى بعباده؛ لأن الفريضة قد يؤديها ناقصة، والنوافل تكمل بها الفرائض، كما جاء ذلك في حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن فوائد صدقة التطوع: أن فيها زيادة إيمان، فإن الإنسان يزداد إيمانا بصدقته؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، ومن حكمة الله عز وجل بعباده أنه ما جعل عليهم فريضة إلا جعل لهم نافلة من نوعها، كل الفرائض لها نافلة من نوعها، نبدأ بالصلاة لها نافلة من نوعها مثل: الرواتب، والوتر، وصلاة الليل، وصلاة الضحى، الصدقة: لها الزكاة واجبة، وما عداها تطوع، الصوم: كذلك فيه واجب وفيه تطوع، الحج: فيه واجب وفيه تطوع، حتى يكمل الواجب بالتطوع.
استحباب إخفاء الصدقة:
600 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "سبعةٌ يظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظل إلَاّ ظلُّه
…
". فذكر الحديث وفيه: "ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتَّى لا نعلم شماله ما تنفق يمينه". متَّفقٌ عليه.
قوله: "سبعة" هل تعيينهم هنا بالشخص أو بالوصف؟ بالوصف، يعني: ليسوا سبعة أشخاص فقط. المراد: سبعة، هذا وصفهم يبلغون كثيرًا، كل من اتصف بواحد من هذه الأوصاف فهو داخل في الحديث.
وقوله: "يظلُّهم الله في ظله" ليس المراد: ظل ذاته؛ لأن الله عز وجل نور وحجابه النور، والمراد: ظل يخلقه إمَّا ظل العرش أو غيره، المهم أن هذا ظل مخلوق، وليس هو ظل الله عز وجل.
وقوله: "يوم لا ظلَّ إلَاّ ظلُّه" أي: يوم القيامة، فإن الظلال تتضاءل وتضمحل، وتذهب في ذلك اليوم؛ لأن الله- سبحانه وتعالى يقول: {ويسألونك عن الجبال فقال ينسفها ربي نسفًا * فيذرها
قاعًا صفصفًا * لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا} [طه: 107]. وكل ما على الدنيا سيزول: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملًا * وإنا لجاعلون ما عليها صعيدًا جرزًا} [الكهف: 7، 8]. صعيدًا خاليًا فيه نبات، ولا أشجار، ولا بيوت، ولا شيء.
إذن هل على الأرض شيء يستظل به؟ لا، والشمس تدنو من الخلائق في ذلك اليوم قدر ميل قريبًا من رءوسهم، وستكون حارة، لكن من وقاه الله- سبحانه وتعالى وقاه، فهؤلاء السبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فذكر الحديث ولم يسقه المؤلف رحمة الله لأنه إنما يريد الشاهد فقط، ولكن لا حرج أن نستعرضه:
الأول: "إمام عادل" فهذا يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وإنما نال هذا الأجر وغيره من أهل العدل لا ينالونه؛ لأن عدل الإمام دال على أن عدله أمر ذاتي وخلقة وليس تخلقًا؛ لماذا؟ لأن الإمام ليس أحد فوقه لو جار لا يعارض، فعدله دليل على حسن طويته وكمال نيته، وما نوع العدل في الإمام؟ نوع العدل في الإمام يكون في نوع الحكم، ويكون في المحكوم له، ويكون في المحكوم عليه، أمّا نوع الحكم فالعدل فيه أن يكون مبنيًا على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى:{وتمت كلمت ربك صدقًا وعدلًا} [الأنعام: 115]. وأمًا في المحكوم له فألا يراعى في الإلزام بالحق قرابة، ولا شريفًا، ولا صديقًا، ولا قويًا، ولا عزيزًا، بل يكون حاكمًا بينه وبين الناس بالعدل لا يمنح القريب شيئا من أموال الدولة دون البعيد، لا يمنح الوزير، أو غيره من الأعيان شيئًا دون الآخرين، بل يجعل الناس على حد سواء، كذلك في المحكوم عليه لا يحمله بغض هذا الشخص على أن يحكم عليه؛ لأن بعض الناس إذا أبغض شخصًا- والعياذ بالله- ثم مثل بين يديه في حكومة يحكم عليه، ولهذا قال الله- سبحانه وتعالى:{* يأيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} [النساء: 135].
وقال عز وجل: {يأيها الذين أمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجر منكم شنئان قوم على ألا تعدلوا} "شنئان" بمعنى: بغض. {على ألا تعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة: 8].
وقال تعالى: {ولا يجر منكم شنئان قوم على ألا تعدلوا} [المائدة: 8]. يعنى لا يحملنكم صدكم عن المسجد الحرام على العدوان بل الزموا العدل.
"وشاب نشأ في طاعة الله" يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وإنما كان له هذا الأجر العظيم؛ لأن الشباب عادة يكونون غير مستقيمين إلا من هداه الله، فإذا نشأ في طاعة الله وألفها وأحبها وأقامها، نال هذا الأجر العظيم، الشاب من البنوة إلى الثلاثين، وقيل: إلى الأربعين، ولكن يوجد بعض الناس يصل إلى الثلاثين وهو شاب، وإذا جاوز الثلاثين انحرف ويوجد من ليس كذلك، المهم أن الشاب وهو صغير السن هو الذي نشأ في طاعة الله.
"ورجل قلبه معلق بالمساجد" هل المراد بالمساجد: أمكنة السجود، أو أزمنتها، أو نفس السجود، أو الجميع؟ الظاهر أن المراد: الجميع، بمعنى: أنه دائمًا يذكر سجوده لله عز وجل ويذكر أوقات السجود، وكلما مضى وقت للصلاة تجده ينتظر الوقت الآخر بلهف وتشوق، وأمكنة السجود وهي المساجد، كذلك إذا خرج من المسجد فقلبه باق في المسجد يألفه ويرجع إليه فيحن إليه:{إنما يعمر مساجد الله من امن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة واتى الزكاة ولم يخشى إلا الله} [التوبة: 18]. فإذن نقول: هذا الرجل المعلق بالمساجد وبالسجود، وأوقات السجود، وأمكنة السجود، وإذا كان قلبه معلقا بالمساجد فإنه من باب أولى أن يكون معلقًا بالمسجود له وهو الله عز وجل، فيكون دائمًا يذكر الله- سبحانه وتعالى بقلبه، ولسانه وجوارحه:{يذكرون الله فيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم} [آل عمران: 191]. ولا أشرح للصدر ولا أسر للقلب من تعلقه بالله- سبحانه وتعالى وكونه دائمًا يذكره بآياته الشرعية، وآياته الكونية؛ لأن ما من شيء أمامه إلا وهو دال على الله.
وفي كلّ شيء له آية
…
تدل على أنه واحد
فكون الإنسان دائمًا مع الله- سبحانه وتعالى يذكره بقلبه ولسانه وجوارحه هذه هي الحياة الطيبة، وهو أسرُّ ما يكون للقلب ومع ذلك ففيه هذا الأجر العظيم.
"ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه""تحابا في الله" لا لقرابة، ولا لأمر دنيوي، ولا لأمر شخصي، ولكن لله عز وجل، "تحابا في الله" ما أحبه إلا لأنه مطيع لله عز وجل، مجتنب لمعاصيه، والحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، بل لا يمّكن أن يذوق الإنسان حلاوة الإيمان حتى يوالي في الله ويعادي في الله، فإن هذا هو العروة الوثقى.
هذان الرجلان تحابا في الله اجتمعا عليه في الدنيا ما داما حيين، وتفرقا عليه- يعني: بالموت- ماتا وهما على ذلك على أنهما متحابان في الله، هل يحب الإنسان غيره بعد موته؟ نعم ليس فيه إشكال، نحن نحب الرسول صلى الله عليه وسلم، ونحب أبا بكر وعمر وعثمان وعليا، وسائر من سبقونا بالإيمان، ومع ذلك فإننا لم نعش معهم، ونحب أيضًا من عشنا معه، ومات قبلنا من المؤمنين، هذا معنى:"فتفرقا عليه"، فالتفرق لا يلزم منه التفرق في المحبة.
"ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله"، "دعته امرأة" لنفسها لينال شهوته منها، وهي ذات منصب، يعني: ليست امرأة دنيئة من أسافل الناس حتى تعافها نفسه من أجل ذلك، وهي ذات جمال أيضًا ليست قبيحة ينفر منها من رآها، بل هي جميلة وذات حسب، ولم يقل: ذات دين، لماذا؟ لأنه لو كان لها دين قوي ما دعته لكنها لها حسب.
والمرأة قد تغلبها شهوتها حتى تدنس حسب قومها- والعياذ بالله-، كما أن الرجل قد يكون
كذلك، وهي "جميلة" فقال:"إني أخاف الله" إذن المكان خال ما عندهما أحد، والرجل قوي عنده شهوة، ما الدليل؟ الدليل: أنه لم يذكر مانعًا سوى خوفه من الله، لم يقل: والله ما عندي شهوة، ولم يقل: عندنا ناس، ولم يقل: أخشى أن يرانا أحد، أو أن يسمع بنا أحد أبدا. ما خاف إلا من الله عز وجل، هذا يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله لكمال عفته، فالأسباب للفتنة موجودة وهو الحسب والجمال، والموانع مفقودة لا توجد موانع من الخلق تمنعه، ولكن يمنعه خوف الله، فقال:"إني أخاف الله" وتركها، وهذا له أسوة بيوسف- عليه الصلاة والسلام، فإن يوسف دعته أمرأة العزيز:{وغلق الأبواب وقالت هيت لك} [يوسف: 22]. ولكنه امتنع من ذلك خوفا من الله وإلا فإن الرجل ليس مفقود الشهوة بل عنده قدرة، {ولقد همت به وهم بها} [يوسف: 24]. ولكنه- عليه الصلاة والسلام بعد أن هم رأى برهان الله عز وجل وهو ما جعل الله في قلبه من نور الإيمان فتركها، فصرف الله عنه السوء والفحشاء لأنه كان من عباد الله المخلصين.
أما السادس: فهو "رجل تصدّق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"، تصدق بصدقة، الصدقة هنا أعم من أن تكون نفلًا، فهي شاملة للواجب والمستحب، "تصدق بها. فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تفق يمينه"، قال: إن المراد بالشمال من على شماله يعني: من الناس بحيث يمدها هكذا من اليمين ولا يطلع عليها أحد. وقيل: لا تعلم شماله؛ أي: يده الشمال ما تنفق يميته، وهذا أقرب، ولكن من المعلوم أنه كناية عن شدة الإخفاء، حتى إنه لو أمكن أنه لو تعلم اليد اليسرى ما أنفقت اليمنى لحصل. لا يقال: إن هذا مجاز، نقول: لأن كل أحد يعرف بأن اليد اليسرى ليس عندها علم، لكن المعنى: أنه لشدة إخفائها لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، وهذا لكمال إخلاصه لله عز وجل وكمال رحمته بأخيه الذي تصدّق عليه حتى لا يخجله أمام الناس لأن كثيرًا من الناس يكره أن يطلع الناس أنه فقير يتصدق عليه، فهذا الرجل لشدة إخلاصه وأنه لا يريد أن يمدحه أحد لنفقاته أو صدقاته، ولشدة رحمته بأخيه حتى لا يرين أحد من الناس أنه من عليه بالصدقة أخفى هذه الصدقة.
أما السابع: "فرجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه" شوقًا إلى ربه عز وجل، ومحبة للقائه وأنه ذكره خاليا عن حضور الناس أو خالي القلب عما سوى الله، أو الأمران؟ الظاهر الأمران خاليا عن حضور الناس؛ فهو لم يبك رياء وملمعة خاليا قلبه عما سوى الله لأن القلب إذا صفا وخلا من غير الله صار عنده من الخشوع والشوق إلى الله عز وجل والخوف من عقابه ما لا يكون إذا كان متعلقا بغير الله- سبحانه وتعالى، فهذا الرجل ذكر الله خاليًا سواء كان يقرأ، أو يصلي، أو يتأمل، أو يقرأ في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أو ما أشبه ذلك، المهم: أنه خال ففاضت عيناه شوقًا إلى ربّه، والإنسان أحيانًا يشتاق إلى الله- سبحانه وتعالى حتى يود أنه ملاقيه الآن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أسألك الشوق
إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة". والشوق إلى الله عز وجل دليل على كمال الإيمان والمحبة، فهذا الرجل كان في قلبه من محبة الله عز وجل ما أوجب له أن يشتاق إلى الله فذكر الله خاليا ففاضت عيناء من البكاء، هذا يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
واعلم أن هذه الأوصاف الحميدة قد يكون في الإنسان صفة واحدة أو صفتان أو أكثر، بل قد تجتمع كل الصفات فيه يكون إمامًا عادلًا، ويكون متصفا بالصفات الأخرى، وفضل الله تعالى يؤتيه من يشاء.
نأخذ الآن من فوائد الحديث: ما أثبته المؤلف وهو قوله: "رجل تصدق بصدقة"، كلمة "رجل" ليس لها مفهوم، لماذا؟ إما لأن التعبير بالذكور أشرف من الإناث، وهذا أمر معروف، وأكثر ما عبر الله في القرآن بصيغة الذكور، لأنه أشرف، أو يقال: إن هذا مفهوم لقب، يعني: ليس أمرًا مشتقًا حتى يؤخذ منه أن ما لم يوجد فيه هذه الصفة فإنه مخالف للحكم، ومفهوم اللقب عند الأصوليين ليس له عبرة، المهم أن الرجل والمرأة في هذا سواء.
وقوله: "تصدق بصدقة" يشمل الواجب والمستحب. وقوله: "أخفاها" أي: كتمها فلم يبينها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ذكرناها.
فيستفاد من هذا الحديث: فضيلة إخفاء الصدقة، وأنه كلما أخفاها الإنسان كان ثوابه أكثر.
فإن قلت: أليس الله- سبحانه وتعالى يثني على العباد الذين أنفقوا مما رزقهم الله سرًا وعلانية فما هو الجمع بين الحديث وبين الآية، وكذلك ما الجمع بين قوله تعالى:{إن تبدوا الصدقات فنعما هي وان تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} [البقرة: 271].
قلنا: الأصل في الصدقة من حيث هي أن إخفاءها أفضل؛ لأنه أبعد عن الرياء، وأبعد عن إظهار المنة على من تصدق عليه، وأبعد أيضًا عن كسر خاطره أمام الناس، هذا من حيث هي صدقة، فإن اقترن بها ما يجعل إعلانها خيرًا من إسرارها صار إعلانها خيرا، لأنه قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل، كيف يكون الإعلان خيرا من الإسرار؟ إذا كان المقصود الاقتداء، يعني: هذا الرجل تصدّق ليراه الناس فيقتدوا به هذا واحد.
ثانيًا: ربما يكون هذا الرجل الذي تصدق عليه محتاجا ولا تكفيه صدقته فيتصل ق إظهارًا لحاجة الرجل لأجل أن يعطيه الناس، فإذن قد يكون في إظهارها خير إما للمتصدقين، أو للمتصدق