الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وصح هذا عن سلمة بن الأكوع، قال: رخص رسول صلى الله عليه وسلم عام أوطاس في المتعة ثلاثًا ثم نهى عنها (1). ولكن حمل هذا على أنه كالثاني عام الفتح؛ لأنهما كان في زمن واحد (سنة واحدة) لأن غزوة أوطاس متصلة بفتح مكة (2).
خامسًا: من قال حرمت في الفتح، وحجة الوداع
ومنشأ الخلاف فيه حديث سبرة بن معبد الجهني فقد جاء عنه في بعض الطرق أن التحريم كان عام الفتح، وفي طرق أخرى أن النهي كالثاني حجة الوداع، وفي طرق أخرى جاء التحريم غير مؤقت بزمن، وعند الجمع ترجح رواية من روى أن التحريم كان عام الفتح، وحمل من روى بغير زمن على ذلك، وبيانه كالتالي: فعَنْ سَبْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بِالْمُتْعَةِ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ كَأَنَّهَا بَكْرَةٌ عَيْطَاءُ فَعَرَضْنَا عَلَيْهَا أَنْفُسَنَا فَقَالَتْ: مَا تُعْطِي؟ فَقُلْتُ: رِدَائِي، وَقَالَ صَاحِبِي: رِدَائِي، وَكَانَ رِدَاءُ صَاحِبِي أَجْوَدَ مِنْ رِدَائِي، وَكُنْتُ أَشَبَّ مِنْهُ فَإِذَا نَظَرَتْ إِلَى رِدَاءِ صَاحِبِي أَعْجَبَهَا، وَإِذَا نَظَرَتْ إِلَيَّ أَعْجَبْتُهَا، ثُمَّ قَالَتْ: أَنْتَ وَرِدَاؤُكَ يَكْفِينِي، فَمَكَثْتُ مَعَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ الَّتِي يَتَمَتَّعُ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا"(3).
(1) أخرجه مسلم (1405).
(2)
ابن حبان (9/ 458)، وشرح مسلم للنووي (5/ 200) وفتح الباري لابن حجر (9/ 75)، والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 204)، وزاد المعاد (3/ 462).
(3)
هذا الحديث جاء عن الربيع بن سبرة من طرق:
الطريق الأول: طريق الليث، أخرجه مسلم (1406)، والبيهقي (7/ 202)، وأحمد (3/ 405)، والطبراني في (الكبير)(6521)، والطحاوي في معاني الآثار (3/ 25) كلهم عن الليث به بدون تحديد زمن التحريم.
الطريق الثاني: طريق أبي فروة أخرجه الطبراني (6538)، بدون تحديد زمن التحريم، فيه محمد بن ماهان (مجهول).
الطريق الثالث: عمر بن عبد العزيز واختلف عليه في تحديد زمن التحريم فأخرجه النسائي في الكبرى (5554)، والبيهقي (7/ 203)، والطبراني (6256: 6525) من طريق إبراهيم بن أبي عبلة عنه عمر بن عبد العزيز به (بدون تحديد زمن التحريم)، وأخرجه النسائي في الكبرى (5545)، وابن أبي عاصم في =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الآحاد والمثاني (2569)، والزمذي في العلل الكبير (275)، والطبراني (6527) من طريق جرير بن حازم عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عمر بن عبد العزيز به وفيه (تحديد التحريم يوم فتح مكة).
قلت: والصحيح الأول (بدون تحديد)؛ لأن طريق الزهري لا يصح، قال الترمذي: سألت محمدًا (البخاري) عن هذا الحديث، فقال: هذا خطأ، والصحيح عن الزهري عن الربيع بن سبرة عن أبيه ليس فيه عمر بن عبد العزيز؛ وإنما أتى هذا الخطأ من جرير بن حازم - العلل للترمذي (162) أضف إلى ذلك عنعنة محمد بن إسحاق وهو مدلس.
الطريق الرابع: عبد الملك بن الربيع، أخرجه مسلم (1406)، والطبراني (6539: 6537)، من حديث إبراهيم بن سعد، وأخرجه البيهقي (7/ 202)، من حديث زيد بن الحباب كلاهما (إبراهيم، وزيد) عن عبد الملك به (بتحديد التحريم يوم فتح مكة).
الطريق الخامس: عمارة بن غزية، أخرجه مسلم (1406)، وابن حبان (4148)، والطبراني (6523)، والبيهقي (7/ 202)، من حديث بشر بن المفضل، وأخرجه مسلم (1406)، وأحمد (3/ 405)، وأبو عوانة في مسنده (4056: 4055) من حديث وهيب، وأخرجه الطبراني (6522) من حديث العمر جميعًا (بشر، وهيب، المعتمر) عن عمارة بن غزية (تحريم يوم فتح مكة).
الطريق السادس: عبد العزيز بن الربجع، أخرجه مسلم (1406)، من حديث يحيى بن يحيى، وأخرجه أبو عوانة (4059)، والبيهقي (7/ 203)، من حديث حرملة بن عبد العزيز كلاهما (يحيى، حرملة) عن عبد العزيز به (تحريم يوم فتح مكة).
الطريق السابع: عمرو بن الحارث بتحديد زمن التحريم، أخرجه سعيد بن منصور (846)، وأبو عوانة (4061)، والطبراني (6524)، كلهم من حديث ابن وهب عن عمرو به (تحريم يوم فتح مكة).
الطريق الثامن: من طريق الزهري، واختلف عليه في تحديد زمن التحريم أيضًا:
1 -
أخرجه مسلم (1406)، من حديث صالح بن كيسان، وابن حبان (4146) من حديث عمرو بن الحارث، والطبراني (6533)، من حديث بحر السقاء، والطبراني أيضًا (6534)، من حديث يونس، وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة (3/ 389) من طريق مسلم (1406)، وأخرجه أحمد (3/ 404، 405) من حديث إسماعيل بن عليه عن معمر، وأخرجه الحميدي في مسنده (826)، وسعيد بن منصور (847)، والدارمي (2196)، عن سفيان بن عيينة كلهم عن الزهري بتحديد التحريم يوم فتح مكة.
2 -
أخرجه أبو داود (2073)، وأبو عوانة (2064)، والطبراني (6528) من حديث عبد الرزاق، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (5546) من حديث يزيد زريع كلاهما (عبد الرزاق، يزيد) عن الزهري (بدون تحديد)، وأخرجه مسلم (1406) من حديث عمرو الناقد، وابن نمير، وأخرجه أحمد (3/ 405) جميعًا =
وبالنظر إلى حديث سبرة بن معبد الجهني رضي الله عنه من الروايات المتقدمة نرى أن أرجح الروايات من روى أن ذلك كان في عام الفتح، وهذا ما رجحه أهل العلم وهذا كلامهم:
قال البيهقي: بعد أن ذكر حديث عبد العزيز بن عمر عن الربيع (في حجة الوداع) قال: وكذا رواه جماعة من الأكابر كابن جريج، والثوري، وغيرهما عن عبد العزيز بن عمر، وهو وهم منه، فرواية الجمهور عن الربيع بن سبرة أن ذلك كان عام الفتح. وقال أيضًا: والصحيح رواية الجماعة عن الزهري عام الفتح (1).
وقال ابن القيم: وَاخْتُلِفَ فِي الْوَقْتِ الّذِي حُرّمَتْ فِيهِ الْمُتْعَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ. . . ذكرها رحمه الله ثم قال: وَالرّابعُ أَنَّهُ عَامَ حَجّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الرّوَاةِ سَافَرَ فِيهِ وَهْمُهُ مِنْ فَتْحِ مَكّةَ إلَى حَجّةِ الْوَدَاعِ كَمَا سَافَرَ وَهْمُ مُعَاوِيَةَ مِنْ عُمْرَةِ الجِعِرّانَةِ إلَى حَجّةِ
= (عمرو، ابن نمير، أحمد) عن سفيان بن عيينة عن الزهري (بدون تحديد)، وهذه الروايات تحمل مع من روى عن محمد وسفيان على أنها في فتح مكة.
3 -
أخرجه أحمد (3/ 404)، وأبو داود (2072) من حديث إسماعيل بن أمية عن الزهري (تحريم يوم حجة الوداع)، فخالف إسماعيل وهو ثقة ثبت، كل هؤلاء عن الزهري، فهذه رواية شاذة كما في (الإرواء) للألباني (1901).
الطريق التاسع: عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، واختلف عليه.
فأخرجه عنه: 1 - عبد اللَّه بن نمير، مسلم (1406)
2 -
عبده سليمان ابن أبي شيبة (3/ 390)
3 -
عبد ربه بن سليمان (ثقة) النسائي في الكبرى (5542، 5543)، والطبراني (8/ 65)
4 -
الحميدي في مسنده (847)، هؤلاء (بدون تحديد)
وأخرجه عنه: 1 - أنس بن عياض (ثقة) شرح معاني الآثار (3/ 25)
2 -
وكيع، أحمد (3/ 405)
3 -
جعفر بن عون (صدوق)، الدارمي (2195) هؤلاء (بتحديد التحريم يوم حجة الوداع)، والحديث كما ترى فيه خلاف، ولعل هذا الاختلاف من عبد العزيز بن عمر حيث قال الحافظ في التقريب: صدوق يخطيء، ولذلك ذكره مسلم في الشواهد والمتابعات، وليس في الأصول، راجع إرواء الغليل للألباني (6/ 314).
والراجح في الحديث أن التحريم كان في عام الفتح.
(1)
السنن الكبرى (7/ 204)، والصغرى (2/ 44)، ومعرفة السنن (10/ 167) للبيهقي.
الْوَدَاعِ حَيْثُ قَالَ قَصّرْت عَنْ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم بِمِشْقَصٍ عَلَى الْمَرْوةِ فِي حَجّتِهِ وَقَدْ تَقَدّمَ فِي الحْجّ وَسَفَرُ الْوَهْمِ مِنْ زَمَانٍ إلَى زَمَانٍ وَمِنْ مَكَانٍ إلَى مَكَانٍ وَمنْ وَاقِعَةٍ إلَى وَاقِعَةٍ كَثِيرًا مَا يَعْرِضُ لِلْحُفّاظِ فَمَنْ دُونَهُمْ.
وَالصّحِيحُ: أَنّ الْمُتْعَةَ إنّمَا حُرّمَتْ عَامَ الْفَتْحِ. (1)
قال ابن حجر: وأما حجة الوداع فهو اختلاف على الربيع بن سبرة، والرواية عنه بأنها في الفتح أصح وأشهر (2).
قال القاضي عياض: فيؤخذ من حديثه (سبرة بن معبد) ما اتفق عليه جمهور الرواة ووافقه عليه غيره من الصحابة رضي الله عنهم من النهي عنها يوم الفتح (3).
وعلى القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم حرمها في حجة الوداع؛ فليس هذا بمعارض للأحاديث الأخرى؛ وذلك لأن الحديث ليس فيه إباحة المتعة، وإنما هو مجرد النهي عنها كما في بعض الروايات، فلعله صلى الله عليه وسلم أراد إعادة النهي ليشيع ويسمعه من لم يسمعه قبل ذلك، وذلك لكثرة من حضرها من الخلائق، فهذا أعم وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِد الْغَائِب، وَلِتَمَامِ الدِّين، وَتَقَرُّر الشَّرِيعَة كَمَا قَرَّرَ غَيْر شَيْء وَبَيَّنَ الحْلَال وَالْحَرَام يَوْمئِذٍ، وَبَتَّ تَحْرِيم الْمُتْعَة حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ:"إِلَى يَوْم الْقِيَامَة". (4)
وبعد هذا: فقد تبين أن الصحيح من ذلك هو أن المتعة كانت مباحة، ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت، ثم حرمها النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وهو الذي عليه الجمهور، وتحريمها في أوطاس داخل في عام الفتح كما سبق؛ لأنهما في سنة واحدة. وأما عن حجة الوداع، فليس فيها إلا كما قدمنا إعادة النهي وإشاعته.
(1) زاد المعاد (3/ 459).
(2)
فتح الباري (9/ 75).
(3)
شرح مسلم (5/ 201).
(4)
شرح مسلم للنووي (5/ 201)، وفتح الباري (9/ 75)، وتلخيص الحبير (2/ 156).