الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رجالًا حديثي عهد بكفر أتألفهم" ووقع في حديث أنس الآتي في - باب قسم الغنائم في قريش، والمراد بهم من فتحت مكة وهم فيها (1).
الحكمة من إعطائهم:
أُعْطُوا تَثْبِيتًا لإسلامهم، أو اسْتِكْفَاءً لِشَرِّهِمْ وَاسْتِعَانَةً لِلْمُجَاهِدِينَ المُحَارِبِينَ بِهِمْ كما قال ابن العربي، وقد تقدم، وقد ذكر ابن الجوزي جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم لحفظ العرض (2).
والنبي صلى الله عليه وسلم قد كان يتألف قلوب أولئك القوم من الصدقات ومن غيرها (3).
فالعلة في إعطاء المؤلف من الزكاة ليست إعانته لنا حتى يسقط ذلك بفشوِّ الإسلام وغلبته، بل المقصود مِنْ دفعها إليه ترغيبه في الإسلام، وإنقاذ مهجته من النار، فبقاء سهم المؤلفة من أجل هذه الحاجة يعد وسيلة من وسائل الدعوة (4).
والخلاصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتألف قلوب بعض الناس بالعطاء دفعًا لشرهم، أو أملًا في نفعهم، أو رجاء هدايتهم (5).
الوجه الثاني: هل حكم المؤلفة قلوبهم باق بعد ظهور الإسلام أم نسخ
؟
والصحيح أن هذا الحكم غير منسوخ، وأن للإمام أن يتألف قومًا على هذا الوصف ويدفع إليهم سهم المؤلفة، لأنه لا دليل على نسخه البتة. (6)
وقد قيل: إنّ الصحابة أجمعوا على سقوط سهم المؤلّفة قلوبهم من عهد خلافة أبي بكر؛ حكاه القرطبي. ولا شكّ أن عمر قَطع إعطاء المؤلّفة قلوبهم -مع أنّ صنفهم لا يزال موجودًا-، رأى أنّ اللَّه أغنى دين الإسلام بكثرة أتْباعه، فلا مصلحة للإسلام في دفع
(1) فتح الباري (8/ 48 - 49)، وشرح النووي (1/ 275).
(2)
كشف المشكل (1/ 108).
(3)
مشكل الآثار (12/ 70).
(4)
حاشية الصاوي على بلغة السالك (1/ 232).
(5)
التفسير الوسيط (1/ 1981)، وانظر: فقه الزكاة للقرضاوي (1/ 152).
(6)
تفسير الرازي (8/ 74)، وانظر: زاد المسير (3/ 195)، وفتح القدير (3/ 272).
أموال المسلمين لتأليف قلوب مَنْ لم يتمكّن الإسلام من قلوبهم، ومن العلماء من جعل فعل عمر وسكوتَ الصحابة عليه إجماعًا سكوتيًا، فجعلوا ذلك ناسخًا لبعض هذه الآية وهو من النسخ بالإجماع (1)، وفي عدّ الإجماع السكوتي في قوة الإجماع القولي نزاع بين أئمّة الأصول، وفي هذا البناء نظر كما علمت آنفًا. وقال كثير من العلماء: هم باقون إذا وُجدوا؛ فإنّ الإمام ربما احتاج إلى أن يستألف على الإسلام، وبه قال الزهري، وعمر بن عبد العزيز، والشافعي، وأحمد بن حنبل، واختاره عبد الوهاب، وابن العربي من المالكية؛ قال ابن العربي: الصحيح عندي أنّه إن قوي الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أعطوا (2).
وقال ابن القيم: فإن قيل: فلو دعت حاجة الإمام في وقت من الأوقات إلى مثل هذا مع عدوه هل يسوغ له ذلك؟
قيل: الإمام نائب عن المسلمين يتصرف لمصالحهم وقيام الدين، فإن تعين ذلك للدفع عن الإسلام والذب عن حوزته واستجلاب رؤوس أعدائه إليه ليأمن المسلمون شرهم - ساغ له ذلك، بل تعين عليه، وهل تُجَوِّزُ الشريعةُ غير هذا؟
فإنه -وإن كان في الحرمان مفسدة-، فالمفسدة المتوقعة من فوات تأليف هذا العدو أعظم، ومبنى الشريعة على دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، بل بناء مصالح الدنيا والدين على هذين الأصلين (3).
وقال محمد رشيد رضا: ومنهم: من يُخشى شره ويُرجى بإعطائه كفُّ شرهِ وشرِّ غيرهِ معه، ومنهم من دخل حديثًا في الإسلام فيعطى إعانةً له على الثبات على الإسلام.
ومنهم: قوم من سادات المسلمين وزعمائهم لهم نظراء من الكفار إذا أعطوا رُجِيَ إسلام نظرائهم، واستشهدوا له بإعطاء أبى بكر رضي الله عنه لعدي بن حاتم، والزبرقان بن بدر،
(1) الإجماع لا ينسخ الأدلة الشرعية، وإنما يقال: الإجماع دليل على ناسخ من القرآن والسنة.
(2)
تفسير ابن عاشور (6/ 316).
(3)
زاد المعاد (3/ 424).
ومنهم زعماء ضعفاء الإيمان من المسلمين مطاعون في أقوامهم ويرجى بإعطائهم تثبيتُهم، وقوةُ إيمانهم، ومناصحتُهم في الجهاد وغيره.
ومنهم: قوم من المسلمين في الثغور وحدود بلاد الأعداء يُعْطون لما يُرجى مِنْ دفاعهم عمن وراءهم من المسلمين إذا هاجمهم العدو.
ثم قال: وأولى منهم بالتأليف في زماننا قوم من المسلمين يتألفهم الكفار ليدخلوهم تحت حمايتهم أو في دينهم، فإننا نجد دول الاستعمار الطامعة في استعباد جميع المسلمين وفى ردهم عن دينهم - يخصصون من أموال دولهم سهمًا للمؤلفة قلوبهم من المسلمين، فمنهم من يؤلفونه لأجل تنصيره وإخراجه من حظيرة الإسلام، ومنهم من يؤلفونه لأجل الدخول في حمايتهم ومشاقة الدول الإسلامية والوحدة الإسلامية ككثير من أمراء جزيرة العرب وسلاطينها، أفليس المسلمون أولى بهذا منهم؟ !
ومنهم: قوم من المسلمين يُحتاج إليهم لجباية الزكاة ممن لا يعطيها إلا بنفوذهم وتأثيرهم إلا أن يقاتلوا، فيختار بتأليفهم وقيامهم بهذه المساعدة للحكومة أخف الضررين وأرجح المصلحتين، وهذا سبب جزئي قاصر، فمثله ما يشبهه من المصالح العامة (1).
والحق: أن كلا الأمرين غير صحيح، فالنسخ لم يقع، والحاجة إلى تأليف القلوب لم تنقطع، ولا عجب أن يعطى كافر من صدقات المسلمين تأليفًا لقلبه على الإسلام، أو تمكينًا له في صدره، فإن هذا -كما ذكر القرطبي- ضرب من الجهاد، فالمشركون ثلاثة أصناف: صنف يرجع عن كفره بإقامة البرهان، وصنف بالقهر والسنان، وصنف بالعطاء والإحسان. والإمام الناظر للمسلمين يستعمل مع كل صنف ما يراه سببًا لنجاته وتخليصه من الكفر. (2)
وقد يكون ذلك بإعطاء مساعدات لبعض الحكومات غير المسلمة؛ لتقف في صف المسلمين، أو معونة بعض الهيئات والجمعيات والقبائل ترغيبًا لها في الإسلام، أو مساندة
(1) تفسير المنار (10/ 494)، وما بعدها بتصرف.
(2)
تفسير القرطبي (8/ 151).
أهله، أو شراء بعض الأقلام والألسنة للدفاع عن الإسلام وقضايا أمته ضد المفترين عليه.
كما أن الذين يدخلون في دين اللَّه أفواجًا كل عام لا يجدون من حكومات البلاد الإسلامية أي معاونة أو تشجيع، والواجب أن يُعْطوا من هذا السهم ما يشد أزرهم ويسند ظهرهم؛ كما جاء عن الإمام الزهري والحسن البصري. . .
على حين تقوم الإرساليات التبشيرية باحتضان كل من يعتنق المسيحية وإمداده بكافة المساعدات المادية والأدبية.
ولا عجب؛ فإن هذه الجمعيات التبشيرية المسيحية تمولها وتمدها مؤسسات، ودول بالملايين، وعشرات الملايين كل عام، وليس في دينهم ما في ديننا الإسلام من وضوح، وأصالة، وملائمة للفطرة السليمة والعقل الرشيد، ينشر نفسه بنفسه، في كثير من الأقطار، ولكن الذين يعتنقون الإسلام لا يجدون من الرعاية المادية والتوجيهية ما يمكنهم من التبصر في هذا الدين والانتفاع بهداه، ويعوضهم عن بعض ما قدموه من تضحيات، وما لقوه من اضطهاد من عشائرهم أو حكوماتهم.
وكثير من الجمعيات الإسلامية في بلدان شتى تحاول أن تسد هذه الثغرة، ولكنها لا تجد المدد اللازم والعون الكافي.
إن قارة كإفريقيا يدور فيها صراع سياسي ومذهبي رهيب، حيث تتنافس شتى القوى لكسب حكوماتها وشعوبها وزعمائها؟ فالتبشير الاستعماري، أو الاستعمار التبشيري من ناحية، والتسلل الصهيوني الإسرائيلي من ناحية ثانية، والتغلغل الشيوعي الماركسي من ناحية ثالثة. . . كلٌّ يريد أن يصبغ القارة بصبغته، أو يضمها إلى جانبه.
والإسلام لا يجوز أن يقف مكتوف اليدين إزاء هذا التدخل أو التسلل أو التغلغل؛ لو كانت له دولة تتبنى رسالته، وتنشر دعوته، وتقيم شريعته في الأرض، لقد كان الإسلام في موقف الهجوم فأصبح اليوم في موقف الدفاع، فهو يُنتقص من أطرافه ويُغزي عقر داره.
وبعد هذا كله فلسنا نحتم أن يكون كل ما يرصد لتأليف القلوب من الزكاة وحدها،