الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فلا شك أن جانب الترهيب عليه عامل كبير في إصلاح النفس البشرية وفي إقامة الحد على المذنب، يجعل الآخرين ممن يريدون اقتراف نفس ما اقترف هذا المذنب لا يفكر في أن يفعل مثل ما فعل، وعندما يشهد إقامة الحد عليه، فهو رادع وزاجر في أن يفعل مثل ما فعل (1)، لذلك صار إقامة الحدود وشهود طائفة من المؤمنين لإقامة الحدود لهو من الموانع القوية في اقتراف فاحشة الزنا (2).
2 - الأمر بغض الأبصار:
وهو للرجال والنساء على السواء، قال تعالى:{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} (النور 31: 30).
قال ابن كثير: ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب، كما قال بعض السلف:"النظر سهام سم إلى القلب"؛ ولذلك أمر اللَّه بحفظ الفروج كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك (3).
فلما كان النظر بريد الزنى ورائد الفجور، والبلوى فيه أشدّ وأكثر، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه، كان الأمر بحفظ الفروج عقب الأمر بالغض من الأبصار لأن النظر رائد الزنى، وثمرة حفظ الفرج لا تكون إلا بغض البصر (4).
قال القرطبي: البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة من أجله (5).
(1) انظر: (مقدمة الحدود، فضل إقامة الحدود).
(2)
انظر (شبهة إقامة الحد علانية).
(3)
تفسير ابن كثير 3/ 376.
(4)
الكشاف 3/ 230.
(5)
تفسير القرطبي 12/ 200.
وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّه كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِى، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ" (1).
قال الشنقيطي: ومحل الشاهد منه قوله صلى الله عليه وسلم: فزنى العين النظر، فإطلاق اسم الزنا على نظر العين إلى ما لا يحل دليل واضح على تحريمه والتحذير منه، ومعلوم أن النظر سبب الزنا فإن من أكثر من النظر إلى جمال امرأة مثلًا قد يتمكن بسببه حبها ثم قبله تمكنًا يكون سبب هلاكه، والعياذ باللَّه، فالنظر بريد الزنا وقال مسلم بن الوليد الأنصاري:
كسبت لقلبي نظرة لتسره
…
عيني فكانت شقوة ووبالا
ما مر بي شيء أشد من الهوى
…
سبحان من خلق الهوى وتعالى
وقال آخر:
ألم ترى أن العين للقلب رائد
…
فما تألف العينان فالقلب آلف
وقال آخر:
وأنت إذا أرسلت طرفك رائدًا
…
لقلبك يومًا أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر
…
عليه ولا عن بعضه أنت صابر
وقال المتنبي:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفه
…
فمن المطالب والقتيل القاتل (2)
قال ابن القيم: فلما كان غض البصر أصلًا لحفظ الفرج بدأ بذكره. . . وقد جعل اللَّه سبحانه العين مرآة القلب فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته (3).
(1) أخرجه البخاري (6243)، مسلم (2657).
(2)
أضواء البيان 6/ 192: 191.
(3)
روضة المحبين (91).