الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذا كقوله سبحانه وتعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21)} (النساء: 21)، فجعل الإفضاء مع العقد موجبًا لاستقرار الصداق. يبين ذلك أنه ليس لتخصيص النكاح المؤقت بإعطاء الأجر فيه دون النكاح المؤبد معنى؛ بل إعطاء الصداق كاملًا في المؤبد أولى، فلا بد أن تدل الآية على المؤبد إما بطريق التخصيص وإما بطريق العموم.
يدل على ذلك أنه ذكر بعد هذا نكاح الإماء فعلم أن ما ذكر كان في نكاح الحرائر مطلقًا.
الوجه الثاني: ارتباط الآية بما قبلها وما بعدها يدل على أنها في النكاح الشرعي
.
فإن الآية لها سباق ولحاق، وسياق الآية مرتبط بالسباق واللحاق، وكما هو مقرر في الأصول أن السياق من المقيدات، وعند التطبيق نجد أن الآية في النكاح الشرعي وبيانه كالتالي:
(أ) سياق الآية (ما قبلها):
بين سبحانه من يحرم نكاحهن من الأقارب فقال سبحانه وتعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} (النساء: 23).
(ب) سياق الآية:
فقد بين اللَّه فيها ما أحله بعد هذا التحريم قَالَ تَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} (النساء: 24).
(ج) لحاق الآية (ما بعدها):
فقد بين اللَّه ماذا يفعل الإنسان إن لم يكن يستطيع أن يتزوج المحصنات الحرائر قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ
بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النساء: 25).
ولا جرم أن هذا السياق من أول الآية إلى آخرها خاص بالنكاح الدائم فكان هذا مانعًا أن يقحم نكاح المتعة في وسطها ومانعًا أيضًا من الدلالة على ذلك لوحدة السياق الذي ينتظم وحدة الموضوع التي تتناولها الآيات بأحكامها، فالاستدلال بهذه الآية على جواز المتعة تكلف وتأويل للآية الكريمة تأويلًا مستكرهًا ويؤكد هذا النظر أنك لو أمعنت النظر في السابق واللاحق لوجدت أن قوله تعالى:{فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ} مراد به الاستمتاع بالنكاح الصحيح المشروع لا هذا السفاح المتعة! ! لأن منطوق الآية من أوله إلى آخره في موضوع النكاح الدائم المشروع فقد ذكر اللَّه ثلاث مرات لفظة "النكاح" تارة بقوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} وثانية بقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ} ، وثالثة بقوله:{فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} (النساء: 25).
ولم يذكر المتعة ولا الإجارة فيصرف قوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ} إلى النكاح، فحمل العبارة المتوسطة بقطع الكلام من السياق والسباق تحريف صريح لكلام اللَّه تعالى لأن العطف بالفاء مانع من قطع المعنى بعدها عما قبلها؛ فالفاء تربط ما بعدها بما قبلها وإلا تفكك النظم القرآني، فيتعين أن يكون قوله تعالى:{فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ} منصرفًا إلى النكاح الدائم الصحيح لا إلى المتعة؛ لأن العطف يمنع هذا الانقطاع كما هو مبين في النحو، ولو كانت هذه الجملة لبيان المتعة لاختل نظم هذه الآيات الثلاث ولبقى الكلام الأول في أصل النكاح أبتر، ولبطل التفريع بالفاء وهذا غير صحيح لغة. (1)
(1) تحريم المتعة في الكتاب والسنة (1/ 84: 82)، وانظر بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (2/ 273)، وروح المعاني للآلوسي (5/ 6)، وأضواء البيان للشنقيطي (1/ 285).