الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال القرطبي: قال علماؤنا: الذي دل عليه القرآن أن الجزية تؤخذ من المقاتلين. . . وهذا إجماع من العلماء على أن الجزية إنما توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين، وهم الذين يقاتلون دون النساء والذرية والعبيد والمجانين المغلوبين على عقولهم والشيخ الفاني (1).
وقد كتب عمر إلى أمراء الأجناد: لا تضربوا الجزية على النساء، والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليه المواسي (2).
أي ناهز الاحتلام. قال أبو عبيد: قال أبو عبيد: يعني من أنبت، وهذا الحديث هو الأصل فيمن تجب عليه الجزية، ومن لا تجب عليه، ألا تراه إنما جعلها على الذكور المدركين، دون الإناث، والأطفال؟ وذلك أن الحكم كان عليهم القتل لو لم يؤدوها، وأسقطها عمن لا يستحق القتل، وهم الذرية. وقد جاء في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى معاذ باليمن الذي ذكرناه:"أن على كل حالم دينارًا" ما فيه تقوية لقول عمر. ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم خص الحالم دون المرأة، والصبي؟ (3)، ثم ذكر أبو عبيد الأحاديث في النهي عن قتل النساء والذرية ثم قال بعدها: فلما أعفيت الذرية -وهم النساء والولدان- من القتل أسقطت عنهم الجزية، وثبتت على كل من يستحق القتل إن منعها، وهم الرجال، ومضت السنة بذلك، وعمل به المسلمون (4).
الوجه السادس: في المرأة منهم إذا بذلت الجزية:
(1) الجامع لأحكام القرآن (8/ 72).
(2)
صحيح. أخرجه عبد الرزاق (6/ 85)، (10/ 331) قال: أخبرنا عبد اللَّه بن عمر، وأخرجه ابن أبي شيبة (7/ 581) قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن عبيد اللَّه، وأبو عبيد في الأموال (93) فقال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ثنا أيوب السختياني ويحيى بن آدم (231) من طريق الحسن بن الحر كلهم -عبد اللَّه وعبيد اللَّه ابنا عمر وأيوب، والحسن بن الحر- عن نافع عن أسلم مولى عمر عن عمر به، وصححه الألباني في إرواء الغليل (1255).
(3)
الأموال لأبي عبيد باب من تجب عليه الجزية، ومن تسقط عنه من الرجال والنساء (1/ 86).
(4)
الأموال (1/ 92).
قال ابن قدامة: وإن بذلت المرأة الجزية أخبرت أنها لا جزية عليها فإن قالت: فأنا أتبرع بها، أو أنا أؤديها قبلت منها، ولم تكن جزية بل هبة تلزم بالقبض فإن شرطته على نفسها ثم رجعت كان لها ذلك، وإن بذلت الجزية لتصير إلى دار الإسلام مكنت من ذلك بغير شيء ولكن يشترط عليها التزام أحكام الإسلام، وتعقد لها الذمة، ولا يؤخذ منها شيء إلا أن تتبرع به بعد معرفتها أنه لا شيء عليها، وإن أخذ منها شيء على غير ذلك رد إليها؛ لأنها بذلته معتقدة أنه عليها، وأن دمها لا يحقن إلا به فأشبه من أدى مالا إلى من يعتقد أنه له، فتبين أنه ليس له، ولو حاصر المسلمون حصنًا ليس فيه إلا نساء فبذلن الجزية لتعقد لهن الذمة عقدت لهن بغير شيء، وحرم استرقاقهن كالتي قبلها سواء، فإن كان في الحصن معهن رجال فسألوا الصلح لتكون الجزية على النساء، والصبيان دون الرجال لم تصح؛ لأنهم جعلوها على غير من هي عليه وبرؤوا من تجب عليه، وإن بذلوا جزية عن الرجال، ويؤدوا عن النساء، والصبيان من أموالهم جاز، وكان ذلك زيادة في جزيتهم، وإن كان من أموال النساء، والصبيان لم يجز؛ لأنهم يجعلون الجزية على من لا تلزمه فإن كان القدر الذي بذلوه من أموالهم مما يجزئ في الجزية أخذ منهم، وسقط الباقي (1).
وهذا مع ما قبله مما يبين أن الجزية وسيلة من وسائل الدعوة، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولذلك فرضت على المقاتلة فقط.
وهنا ما هو أبلغ وأكثر، وهو أن الرجل من أهل الذمة لو كان فقيرًا عاجزًا عن الكسب أعطاه المسلمون من بيت المال.
عن جسر أبي جعفر قال: شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة، قرئ علينا بالبصرة: أما بعد، فإن اللَّه سبحانه إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن رغب عن الإسلام، واختار الكفر عتيًا، وخسرانًا مبينًا، فضع الجزية على من أطاق حملها، وخل بينهم، وبين عمارة الأرض، فإن في ذلك صلاحًا لمعاش المسلمين، وقوة على عدوهم، وانظر من قبلك
(1) المغني (12/ 776 و 777)، ونهاية المطلب (18/ 22، 23).
من أهل الذمة قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه، فلو أن رجلًا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت، أو عتق، وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس، فقال: ما أنصفناك، أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك" قال: ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه (1).
قال القرطبي: قال عكرمة: الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين، فقراء أهل الكتاب، وقال أبو بكر العبسي: رأى عمر بن الخطاب ذميًا مكفوفًا مطروحًا على باب المدينة فقال له عمر: مالك؟ قال: استكروني في هذه الجزية حتى إذا كف بصري تركوني وليس لي أحد يعود علي بشيء فقال عمر: ما أنصفت إذًا، فأمر له بقوته وما يصلحه ثم قال: هذا من الذين قال اللَّه تعالى فيهم: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} الآية وهم زمنى أهل الكتاب. (2)
وقل السرخسي: فأما خراج الرؤوس لا يؤخذ من النساء والصبيان لما بينا أنه خلف عن النصرة التي فاتت بإصرارهم على الكفر ونصرة القتال لو كانوا مسلمين على الرجال دون النساء والصبيان، ولأن في حقهم الوجوب بطريق العقوبة كالقتل، وإنما يقتل الرجال منهم دون النساء والصبيان حين كانوا حربيين، فكذلك حكم الجزية بعد عقد الذمة، ولئن كان
(1) حسن لغيره. أخرجه أبو عبيد في الأموال (123)، ومن طريقه أخرجه حميد بن زنجويه في الأموال (179) فقال: حدثنا محمد بن كثير، عن أبي رجاء الخراساني، عن جسر أبي جعفر به، وهذا الإسناد فيه جسر بن فرقد ضعيف - الكامل لابن عدي (2/ 170) وله شاهد أخرجه أبو يوسف في الخراج (126) وأخرجه حميد بن زنجويه (165) عن الهيثم بن عدي كلاهما -أبو يوسف، والهيثم بن عدي- عن عمر بن نافع، قال: حدثني أبو بكر العبسي عن عمر في قصة الرجل الذي رآه، وصرح أبو بكر في رواية أبي يوسف أنه رأى ذلك الرجل وأبو بكر العبسي هو صلة بن زفر ثقة - تهذيب التهذيب (4/ 384)، وتاريخ بغداد (9/ 335) والهيثم بن عدي متروك، والاعتماد على رواية أبي يوسف.
(2)
تفسير القرطبي (8/ 151).