الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبداية أحب أن أقول: إن من اختار الدين فعليه أن يقبل أحكام هذا الدين، حتى ولو كانت هذه الأحكام تقيد حريته في: افعل ولا تفعل؛ لأن تقييد الحرية هنا هو لخير الإنسان وليس شرًا له.
إن هذه الأحكام جاءت من اللَّه تعالى وهو أعلم بنا من أنفسنا فإذا كانت تقيد حركتنا. فهي تعطينا الخير، وتذهب عنا السوء، فلا يوجد دين بلا منهج إلا أن يحاول الإنسان أن يرضي غريزة التدين فيه، وفي نفس الوقت يفعل ما يشاء فيعبد الأصنام أو الشمس، أو غير ذلك مما لا يقيده بمنهج في الحياة، يخلص نفسه من تعاليم اللَّه ليفعل ما يشاء، وفي هذه الحالة يكون قد كفر والعياذ باللَّه؛ لأنه لا يريد منهجًا سماويًا يقيد حريته.
والمرأة التي تتضرر من الحجاب بزعم أنه يقيد من حريتها بستر ما أمر اللَّه من مفاتنها، عليها ألَّا تعترض على منح هذه الحرية لغيرها فإن أباحت لنفسها أن تتزين وتكشف عن مفاتنها؛ لتجذب إنسانًا وتفتنه، فعليها ألا تعترض على قيام غيرها بكشف زينتها ومفاتنها لتجذب زوج هذه المرأة أو ابنها. (1)
الوجه الثالث: هدف الإسلام من منع إبداء زينة المرأة
.
إن الهدف هو صيانة المجتمع كله من الفتنة، وإبقاء للاستقرار والأمن بالنسبة للمرأة، حتى لا يخرج زوجها من بيته وهي لا تعلم هل ستفتنه امرأة أخرى فيتزوجها، أم أنه سيعود إلى بيته؟ .
إن اللَّه جل جلاله قد وضع من القواعد والضوابط ما يمنع الفتنة للمرأة والرجل حفاظًا لاستقرار الأسرة وأمنها وأمانها، وحرم أي شيء يمكن أن تكون فيه فتنة من امرأة لرجل غريب عنها، ولذلك حرم إبداء الزينة إلا لمحارم المرأة، حرمه اللَّه سبحانه وتعالى في قوله: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ
(1) المرأة في القرآن (84 - 95).
التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} (النور: 31).
وهؤلاء الذين ذكرهم اللَّه تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة، هم من محارم المرأة التي لا تحرص على إبداء زينتها أمامهم. . وحتى إذا فعلت. . فإن هذه الزينة لا تثير في نفوسهم أية شهوة. . إما لأنهم لم يبلغوا السن التي يحسون فيها بالشهوة، وإما أنهم تعدوا هذه المرحلة تمامًا، بل إن اللَّه سبحانه وتعالى حرَّم على النساء أن يضربن بأرجلهن كنوعٍ من التحايل؛ لإظهار الزينة التي أخفتها الثياب، وذلك بتعمد اهتزاز الجسم؛ لتظهر مفاتنه، وقال الحقُّ جل جلاله {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)} (النور: 31).
كل هذا قد يفهمه البعض على أنه تقييد لحرية المرأة، ولكنه في الحقيقة حماية لها.
لو أن اللَّه سبحانه وتعالى لم يفرض الحجاب، لكان على المرأة أن تطالب به؛ لأنه أكبر تأمين لها ولحياتها، ذلك أن نضارة المرأة موقوتة، وفترة جمالها -لو حسبناها- فلن تزيد على خمسة عشر عامًا، ثم بعد ذلك تبدأ في الذبول. هب أن امرأة بدأت في الذبول، وزوجها ما زال محتفظًا بنضارته قادرًا على الزواج، وخرج إلى الشارع، ووجد فتاة في مقتبل العمر، وفي أتم نضارتها، وقد كشفت عن زينتها، ماذا سيحدث؟
إما أن يفتن بهذه الفتاه، ويترك زوجته ويتزوجها، وإما أنه عندما يعود إلى المنزل يلحظ الفرق الكبير بين امرأته، وبين هذه الفتاه، فيزهد في زوجته، ويبدأ في الانصراف عنها.
لكن لو حجبت النساء مفاتنهن عن الرجال. . لصارت كل منهن آمنة من فقدان زوجها، ومن تغير نفسه من ناحية زوجته. . ولظلت محتفظة بحبه لها وإقباله عليها. . لماذا؟ لأن الجمال نمو. . والنمو في المخلوقات والنبات والحيوان والإنسان لا يدركه المتتبع له. . ولذلك تجد الرجل وله ولد ينظر إليه كل يوم. . فلا يمكن أن يلحظ أنه يكبر. .
ولكن لو غاب عنه شهرًا. . يتجمع نمو الشهر كله وهو بعيد عنه. . وعندما يعود يحس بأنه قد كبر.
والفلاح مثلًا إذا جلس بجوار الزرع. . لا يلحظ نموه ولا يراه. . فإذا غاب عنه فترة لاحظ هذا النمو. .
الرجل مع زوجته كذلك. فهو عندما يتزوجها وهي عروس تكون في أبهى زينتها ونضارتها، لكن لأنه يراها كل يوم، فإنه لا يلحظ فيها أي تغيير. . وتكبر وتذهب نضارتها وجمالها من أمامه شيئًا فشيئًا، دون أن يلاحظ هذا الذبول. . بل تظل في عينيه هي نفس العروس الجميلة التي زفت إليه. .
ولكن إذا رأى امرأة غيرها. . أصغر منها ولا تزال في قمة نضارتها. . بدأت المقارنة وأحس بالتغيير. . وأثر ذلك في نفسه.
ولذلك ونحن نرى أمهاتنا بعد أن كبرن وملأت وجوههن التجاعيد. . لا نشعر بهذا. . بل نجد في أمهاتنا نضارة لا نشبع من النظر إليها.
فإذا كان اللَّه سبحانه وتعالى قد حجب المرأة من أن تستلفت الأنظار إليها بالكشف عن زينتها. . وهو قد حجب غيرها ممن هن أصغر وأجمل، وأكثر نضارة من أن يستلفتن أنظار زوجها فيعرض عنها.
يقول اللَّه سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} (النور: 30، 31)
لماذا حرِّمت النظرة بين الرجل والمرأة؟ . . ولم تُحرَّم بالنسبة لباقي مخلوقات الكون؟ ! . . لأن النظرة هي بداية النزوع بالنسبة للرجل والمرأة. . وما دامت النظرة قد بدأت. . فأنت لا تستطيع أن تتحكم في نفسك. . بالنسبة لما يمكن أن يحدث بعد ذلك. .
النظرة قد أوجدت تغيرًا يقودك إلى المعصية. . ولذلك نجد مثلًا عندما حرم اللَّه سبحانه وتعالى على آدم وحواء أن يأكلا من الشجرة المحرمة في الجنة. . لم يقل لهما لا تأكلا من هذه الشجر. . بل قال جل جلاله: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} (البقرة: 35).
لماذا لم يقل اللَّه سبحانه وتعالى: لا تأكلا من هذه الشجرة. . لأنه أراد أن يحميهما من إغراء المعصية. . فلو أنه قال لهما: لا تأكلا من هذه الشجرة. . ربما جلسا إلى جوارها. . فأغراهما لون ثمارها أو شكل هذه الثمار. . أو الرائحة المنبعثة منها. . ولذلك قال لهما سبحانه {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} ليقيهما الإغراء الذي يمكن أن يوقعهما في المعصية. .
وكما يقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ". (1)
إذن فتحريم النظر بين الرجل والمرأة. . حماية لكليهما، واللَّه عز وجل يقول:{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} (الأحزاب: 53).
على أننا لابد أن نلتفت إلى حقيقة هامة. . هي أن اللَّه سبحانه وتعالى يريد أن تعتدل الموازين في كونه، ويريد للعقل الذي ميز اللَّه به الإنسان أن يعطي حرية الاختيار دون أية مؤثرات، حتى تستقيم الأمور في الكون، وإظهار المرأة لمفاتنها يجعل الميزان يختل لماذا؟ .
لأن المرأة إذا تَعمَّدت إغراء رجل غريب بزينتها، والكشف عن جسدها. . تتدخل في عمل العقل؛ لأنه في هذه الحالة قد يتخذ قرارًا ويعلم أنه باطل؛ لينال من هذه المرأة أو يرضيها. . وكلنا يعلم تأثير النساء في الصفقات التي تحدث في العالم كله، وكيف أنهن يتخذن كوسيلة للأغراء؛ ليقضى الإنسان بغير الحق، ويختل ميزان الحكم.
(1) البخاري (52)، مسلم (1599).