الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن الحدود تؤدي بالنسبة لأمن الناس وحريتهم وظيفة مزدوجة فهي من جانب تروع الخارجين ومن يشذون عن الدخول في السلم كافة ليأمن من قبلوا إعطاء السلم من جانبهم، ترويع لقلة من أجل تأمين الكثرة، وهي من جانب كذلك تهيأ مناخًا حرًا يتنفس فيه من عرف كيف يحترم حريات الآخرين، وفي الوقت نفسه تضيق الخناق وتطارد من يحدقون أنفسهم بالعدوان على حريات الناس وهل يحتاج المجتمع بعد الحرية الشاملة والأمن المطرد لشيء آخر لكي ينعم بالاستقرار والطمأنينة؟ ! (1)
والعجيب أن هؤلاء الغربيين الذين يرون في الحدود الإِسلامية شدة وقسوة لا تليق بعصرنا المتحضر، والذين يدعون إلى إلغاء عقوبة (القتل، والزنا، وقطع يد السارق. . . .) إلخ، هم أنفسهم يفعلون ما تشيب له الرءوس وتنخلع لهوله الأفئدة، فالحروب الهمجية التي يثيرونها، والأعمال الوحشية التي يقومون بها من قتل الأبرياء، والاعتداء على الأطفال والنساء، وتهديم المنازل على من فيها، لا تعتبر في نظرهم وحشية، ولقد أحسن الشاعر حين صوّر منطق هؤلاء الغربيين بقوله:
قتل امرئ في غابةٍ
…
جريمةُ لا تغتفر
وقتلُ شعبٍ آمن
…
مسألةً فيها نظر. (2)
درء الحدود بالشبهات
الحد عقوبة من العقوبات، التي توقع ضررًا في جسد الجاني وسمعته، ولا يحل إستباحة حرمة أحد، أو إيلامه إلا بالحق، ولا يثبت هذا الحق إلا بدليل، الذي لا يتطرق إليه الشك، فإذا تطرق إليه الشك كان ذلك مانعًا من اليقين الذي تنبني عليه الأحكام، من أجل هذا كانت التهم والشكوك لا عبرة لها ولا اعتداد بها، لأنها مظنة الخطأ (3)، فالحدود
(1) المصدر السابق.
(2)
تفسير آيات الأحكام للصابوني (1/ 557).
(3)
فقه السنة (3/ 129).
تدرأ بالشبهات قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تدرء بالشبه (1)، لما ورد أن ماعزًا لما أقر بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالزنا لقنه الرجوع فقال صلى الله عليه وسلم "ويحك! ارجع فاستغفر اللَّه وتب إليه"(2).
وجاءته أيضًا امرأة من غامد فقال لها "ويحك! ارجعي فاستغفري اللَّه وتوبي إليه"(3).
قال الإمام النووي: في تلقين النبي صلى الله عليه وسلم للمقر بالرجوع فيه استحباب تلقين المقر بحد الزنا والسرقة وغيرهما من حدود اللَّه تعالى، وأنه يقبل رجوعه عن ذلك؛ لأن الحدود مبنية على المساهلة الدرء بخلاف حقوق الآدميين وحقوق اللَّه تعالى المالية كالزكاة والكفارة لا يجوز التلقين فيها ولو رجع لم يقبل رجوعه، وقد جاء تلقين الرجوع عن الإقرار بالحدود عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن خلفاء الراشدين ومن بعدهم، واتفق العلماء عليه. (4)
فعدم الإقرار شبهة في تطبيق الحد ومن الشبهات أيضًا عدم وجود بينة، فعنه صلى الله عليه وسلم "لو رجمت أحدًا بغير بينه رجمتُ هذه" قال ابن عباس: تلك امرأة كانت تظهر في الإِسلام السوء. (5)
قال المهلب: فيه أن الحد لا يجب على أحد بغير بينة أو إقرار ولو كان متهمًا بالفاحشة (6).
وقال النووي: معنى تظهر السوء أنه اشتهر عنها وشاع، ولكن لم تقم البينة عليها بذلك ولا اعترفت، فدل على أن الحد لا يجب بالاستفاضة. (7)
فالحد لا يقام بمجرد التهم، ولا شك أن إقامة الحد إضرار بمن لا يجوز الإضرار به وهو قبيح عقلًا وشرعًا، فلا يجوز منه إلا ما أجازه الشارع كالحدود والقصاص وما أشبه
(1) المغني (10/ 155)، والإجماع لابن المنذر (113).
(2)
أخرجه مسلم (1695).
(3)
المصدر السابق.
(4)
مسلم بشرح النووي (6/ 216).
(5)
أخرجه البخاري (6856)، ومسلم (1497).
(6)
فتح الباري (12/ 188).
(7)
المصدر السابق.