الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الوجه الثالث: سبب الرق والحكمة منه
.
الحكمة من الرق:
شُرِعَ جزاء للكفر الأصلي؛ لأن الكفرة لما استنكفوا أن يكونوا عبادًا للَّه جازاهم اللَّه بأن جعلهم عبيد عبيده. (1)
وسبب الملك بالرق: هو الكُفر، ومحاربة اللَّه ورسوله. فإذا أقدر اللَّه المسلمين المجاهدين الباذلين مهجهم وأموالهم، وجميع قواهم، وما أعطاهم اللَّه لِتكون كلمة اللَّه هي العليا على الكفار -ومراعاة لقواعد الحرب الشرعية- جعلهم ملكًا لهم بالسبي. إلا إذا اختار الإمام المن أو الفداء، لما في ذلك من المصلحة على المسلمين (2).
الحكمة من الرق هو تمرد الكفار على ربهم فعاقبهم الحكم العدل اللطيف الخبير جلَّ وعلا عقوبة تناسب جريمتهم:
وهذا الحكم من أعدل الأحكام، وأوضحها، وأظهرها حكمة؛ وذلك أن اللَّه جلَّ وعلا خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه، ويمتثلوا أوامره ويجتنبوا نواهيه؛ كما قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)} (الذاريات: 56 - 57)، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة. كما قال:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} (إبراهيم: 34)، وفي الآية الأخرى في سورة النحل:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (النحل: 18)، وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة ليشكروه، كما قال تعالى:{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)} (النحل: 78)، فتمرد الكفار على ربهم وطغوا وعتوا، وأعلنوا الحرب على رسله لئلا تكون كلمته هي العليا، واستعملوا جميع
(1) كتاب الكليات لأبي البقاء الكفومى (1/ 750).
(2)
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (3/ 30).
المواهب التي أنعم عليهم بها في محاربته، وارتكاب ما يسخطه، ومعاداته ومعاداة أوليائه القائمين بأمره. وهذا أكبر جريمة يتصورها الإنسان.
فعاقبهم الحكم العدل اللطيف الخبير جلَّ وعلا عقوبة شديدة تُناسب جريمتهم. فسلبهم التصرف، ووضعهم من مقام الإنسانية إلى مقام أسفل منه كمقام الحيوانات، فأجاز بيعهم وشِراءهم، وغير ذلك من التصرفات المالية، مع أنه لم يسلبهم حقوق الإنسانية سلبًا كليًا. (1)
ولو فرضنا وللَّه المثل الأعلى أن حكومة من هذه الحكومات التي تنكر الملك بالرق، وتشنع في ذلك على دين الإسلام، قام عليها رجل من رعاياها كانت تغدق عليه النعم، وتسدي إليه جميع أنواع الإحسان، ودبر عليها ثورة شديدة يريد بها إسقاط حكمها، وعدم نفوذ كلمتها، والحيلولة بينها وبين ما تريده من تنفيذ أنظمتها التي يظهر لها أن بها صلاح المجتمع، ثم قدرت عليه بعد مقاومة شديدة فإنها تقتله شر قتلة. ولا شك أن ذلك القتل يسلبه جميع تصرفاته وجميع منافعه. فهو أشد سلبًا لتصرفات الإنسان ومنافعه من الرق بمراحل. والكافر قام ببذل كل ما في وسعه ليحول دون إقامة نظام اللَّه الذي شرعه. ليسير عليه خلقه فينشر بسببه في الأرض الأمن والطمأنينة والرخاء والعدالة، والمساواة في الحقوق الشرعية، وتنتظم به الحياة على أكمل الوجوه وأعدلها وأسماها:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)} (النحل: 90)، فعاقبه اللَّه هذه المعاقبة بمنعه التصرف. ووضع درجته وجريمته تجعله يستحق العقوبة بذلك. (2)
قال عبد اللَّه ناصح علوان: عندئذ لم يكن في وسع الإسلام أن يطلق سراح من يقع في يده من أسرى الأعداء، فليس من حسن السياسة أن تشجع عدوك عليك بإطلاق أسراه، بينما
(1) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (3/ 30).
(2)
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (3/ 30).