الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، وَأَرَادَ مَوَالِيهَا أَنْ يَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"اشْتَرِيهَا فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، قَالَتْ: وَأُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِلَحْمٍ، فَقُلْتُ: هَذَا مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ:"هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ"(1).
عن ميمونة بنت الحارث أنها أعتقت وليدة في زمان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك. (2)
أحوال النبى صلى الله عليه وسلم مع الأسرى:
قال اللَّه تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71)} (الأنفال: 70 - 71)، قال اللَّه تعالى:{حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} ، وظاهر الآية على ما ذكره السيوطي في أحكام القرآن العظيم امتناع القتل بعد الأسر، وبه قال الحسن.
وفي حكم الأسارى خلاف، فذهب الأكثرون إلى أن الإمام بالخيار:
1 -
إن شاء قتلهم إن لم يسلموا، لأنه صلى الله عليه وسلم قتل عقبة بن أبي معيط صبرًا. وطعيمة بن عدى. والنضر بن الحارث التي قالت فيه أخته أبياتًا تخاطب النبي صلى الله عليه وسلم منها:
ما كان ضرك لو مننت وربما
…
من الفتى وهو المغيظ المحنق
وإن في قتلهم حسم مادة فسادهم بالكلية.
- وليس لأحد من الغزاة أن يقتل أسيرًا بنفسه، فإن فعل بلا ملجيء كخوف شر الأسير: كان للإمام أن يعزره إذا وقع على خلاف مقصوده، ولكن لا يضمن شيئًا.
2 -
وإن شاء استرقهم؛ لأن فيه دفع شرهم مع وفور المصلحة لأهل الإسلام.
(1) أخرجه البخاري (2061)، ومسلم (1504).
(2)
أخرجه البخاري (2454)، ومسلم (999).
3 -
وإن شاء تركهم ذمة أحرارًا للمسلمين كما فعل عمر رضي الله عنه ذلك في أهل السواد، الأسارى مشركي العرب والمرتدين؛ فإنهم لا تقبل منهم جزية، ولا يجوز استرقاقهم، بل الحكم فيهم إما الإسلام أو السيف، وإن أسلم الأسارى بعد الأسر لا يقتلهم؛ لاندفاع شرهم بالإسلام، ولكن يجوز استرقاقهم، فإن الإسلام لا ينافي الرق جزاء على الكفر الأصلي، وقد وجد بعد انعقاد سبب الملك وهو الاستيلاء على الحربي غير المشرك من العرب، بخلاف ما لو أسلموا من قبل الأخذ فإنهم يكونون أحرارًا؛ لأنه إسلام قبل انعقاد سبب الملك فيهم، ولا يفادي بالأسارى في إحدى الروايتين عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله لما في ذلك من معونة الكفر؛ لأنه يعود الأسير الكافر حربًا علينا، ودفع شر حرابته خير من استنقاذ المسلم؛ لأنه إذا بقي في أيديهم كان ابتلاء في حقه فقط، والضرر بدفع أسيرهم إليهم يعود على جماعة المسلمين (1).
والرواية الأخرى عنه أنه يفادي وهو قول محمد. وأبي يوسف. والإمام الشافعي. ومالك. وأحمد إلا بالنساء، فإنه لا يجوز المفاداة بهن عندهم، ومنع أحمد المفاداة بصبيانهم، وهذه رواية السير الكبير، قيل: وهو أظهر الروايتين عن الإمام أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: تجوز المفاداة بالأسارى قبل القسمة لا بعدها، وعند محمد تجوز بكل حال. ووجه ما ذكره الأئمة من جواز المفاداة أن تخليص المسلم أولى من قتل الكافر للانتفاع به، ولأن حرمته عظيمة، وما ذكر من الضرر الذي يعود إلينا بدفعه إليهم يدفعه ظاهرًا المسلم الذي يتخلص منهم؛ لأنه ضرر شخص واحد فيقوم بدفعه واحد مثله ظاهرًا فيتكافآن وتبقى فضيلة تخليص المسلم وتمكينه من عبادة اللَّه تعالى فإن فيها زيادة ترجيح.
ثم إنه قد ثبت ذلك عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أخرج مسلم. وأبو داود. والترمذي. وعبد بن حميد. وابن جرير عن عمران بن حصين "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين"، ويحتج لمحمد بما أخرجه مسلم أيضًا عن إياس بن سلمة عن أبيه
(1) تفسير الآلوسي (19/ 101).
سلمة قال: خرجنا مع أبي بكر رضي الله عنه أمره علينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى أن قال: فلقيني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الغد في السوق فقال: يا سلمة، هب لي المرأة -يعني التي نفله أبو بكر إياها- فقلت: يا رسول اللَّه لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبًا، ثم لقيني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الغد في السوق فقال:"يا سلمة هب لي المرأة للَّه أبوك" فقلت: هي لك يا رسول اللَّه فواللَّه ما كشفت لها ثوبًا فبعث به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ففدى بها ناسًا من المسلمين أسروا بمكة، ولا يفادي بالأسير إذا أسلم وهو بأيدينا؛ لأنه لا يفيد إلا إذا طابت نفسه وهو مأمون على إسلامه، فيجوز لأنه يفيد تخليص مسلم من غير إضرار بمسلم آخر، وأما المفاداة بمال فلا تجوز في المشهور من مذهب الحنفية لما بين في المفاداة بالمسلمين من ردهم حربًا علينا.
وفي السير الكبير أنه لا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجة، قيل: استدلالًا بأسارى بدر فإنه لا شك في احتياج المسلمين، بل في شدة حاجتهم إذ ذاك فليكن محمل المفاداة الكائنة في بدر بالمال، وأما المن على الأسارى وهو أن يطلقهم إلى دار الحرب من غير شيء فلا يجوز عند أبي حنيفة. ومالك. وأحمد، وأجازه الإمام الشافعي؛ لأنه صلى الله عليه وسلم منّ على جماعة من أسرى بدر منهم أبو العاص بن أبي الربيع على ما ذكره ابن إسحق بسنده. وأبو داود من طريقه إلى عائشة لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنائه عليها، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك رق لها رقة شديدة وقال لأصحابه:"إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرنا وتردوا لها الذي لها"، ففعلوا ذلك مغتبطين به، ورواه الحاكم وصححه وزاد:"وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخلي زبنب إليه ففعل"، ومنّ صلى الله عليه وسلم على ثمامة بن أثال بن النعمان الحنفي سيد أهل اليمامة، ثم أسلم وحسن إسلامه، وحديثه في (صحيح مسلم) عن أبي هريرة رضي الله عنه، ويكفي ما ثبت في (صحيح البخاري) من قوله عليه الصلاة والسلام:"لو كان المطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى يعني أساري بدر لتركتهم له"، فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر وهو الصادق المصدوق بأنه يطلقهم لو
سأله المطعم، والإطلاق على ذلك التقدير لا يثبت إلا وهو جائز شرعًا لمكان العصمة، وكونه لم يقع لعدم وقوع ما علق عليه لا ينفي جوازه شرعًا.
واستدل أيضًا بالآية التي نحن فيها فإن اللَّه تعالى خير فيها بين المن والفداء، والظاهر أن المراد بالمن الإطلاق مجانًا؛ وكون المراد المن عليهم بترك القتل وإبقاءهم مسترقين أو تخليتهم لقبول الجزية وكونهم من أهل الذمة خلاف الظاهر، وبعض النفوس يجد طعم الإلاء أحلى من هذا المن.
وأجاب بعض الحنفية بأن الآية منسوخة بقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} (التوبة: 5)، فإنه يقتضي عدم جواز المن، وكذا عدم جواز الفداء وهي آخر سورة نزلت في هذا الشأن، وزعم أن ما وقع من المن والفداء إنما كالثاني قضية بدر وهي سابقة عليها وإن كان شيء من ذلك بعد بدر فهو أيضًا قبل السورة.
والقول بالنسخ جاء عن ابن عباس. وقتادة. والضحاك. ومجاهد في روايات ذكرها الجلال السيوطي في (الدر المنثور)، وقال العلامة ابن الهمام: قد يقال إن ذلك يعني ما في سورة براءة في حق غير الأسارى بدليل جواز الاسترقاق فيهم، فيعلم أن القتل المأمور به في حق غيرهم، وما ذكره في جواز الاسترقاف ليس على إطلاقه إذ لا يجوز كما علمت استرقاق مشركي العرب {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} أي آلاتها وأثقالها من السلاح وغيره. (1)
وهذا صلاح الدين عامل الأسرى الصليبيين بالعفو وقبول الفداء بعد أن انتصر عليهم في معركة حطين الحاسمة، ولو أراد قتلهم لكان ذلك عدلًا على مبدأ المعاملة بالمثل، لكون الصليبيين قتلوا من المسلمين في يوم واحد في الحرب الصليبية الأولى أكثر من سبعين ألف أسير، ورحم اللَّه من قال:
ملكنا فكان العفو منا سجيةً
…
فلما ملكتم سال بالدم أبطح
(1) تفسير الآلوسي (19/ 102).