المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(11) باب يصبر على أذاهم وتؤدى حقوقهم - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - جـ ٤

[أبو العباس القرطبي]

فهرس الكتاب

- ‌(14) كِتَاب الإِمَارَةِ وَالبَيعَةِ

- ‌(1) بَاب اشتِرَاطِ نَسَبِ قُرَيشٍ في الخِلافَةِ

- ‌(2) باب في جواز ترك الاستخلاف

- ‌(3) باب النهي عن سؤال الإمارة والحرص عليها وأن من كان منه ذلك لا يولاها

- ‌(4) باب فضل الإمام المقسط وإثم القاسط وقوله كلكم راع

- ‌(5) باب تغليظ أمر الغلول

- ‌(6) باب ما جاء في هدايا الأمراء

- ‌(7) باب قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم}

- ‌(8) باب إنما الطاعة ما لم يأمر بمعصية

- ‌(9) باب في البيعة على ماذا تكون

- ‌(10) باب الأمر بالوفاء ببيعة الأول ويضرب عنق الآخر

- ‌(11) باب يصبر على أذاهم وتؤدَّى حقوقهم

- ‌(12) باب فيمن خلع يدا من طاعة وفارق الجماعة

- ‌(13) باب في حكم من فرَّق أمر هذه الأمة وهي جميع

- ‌(14) باب في الإنكار على الأمراء وبيان خيارهم وشرارهم

- ‌(15) باب مبايعة الإمام على عدم الفرار وعلى الموت

- ‌(16) باب لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وعمل صالح

- ‌(17) باب في بيعة النساء والمجذوم وكيفيتها

- ‌(18) باب وفاء الإمام بما عقده غيره إذا كان العقد جائزا ومتابعة سيد القوم عنهم

- ‌(19) باب جواز أمان المرأة

- ‌(15) كتاب النكاح

- ‌(1) باب الترغيب في النكاح وكراهية التبتل

- ‌(2) باب ردّ ما يقع في النفس بمواقعة الزوجة

- ‌(3) باب ما كان أبيح في أول الإسلام من نكاح المتعة

- ‌(4) باب نسخ نكاح المتعة

- ‌(5) باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها وما جاء في نكاح المحرم

- ‌(6) باب النهي عن خِطبَةِ الرجل على خِطبَةِ أخيه وعن الشغار وعن الشرط في النكاح

- ‌(7) باب استئمار الثيب واستئذان البكر والصغيرة يزوجها أبوها

- ‌(8) باب النّظر إلى المخطوبة

- ‌(9) باب في اشتراط الصَّداق في النكاح وجواز كونه منافع

- ‌(10) باب كم أصدق النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه؟ وجواز الأكثر من ذلك والأقل والأمر بالوليمة

- ‌(11) باب عِتق الأمةِ وتزويجها وهل يصح أن يجعل العتق صداقا

- ‌(12) باب تزويج زينب ونزول الحجاب

- ‌(13) باب الهدية للعروس في حال خلوته

- ‌(14) باب إجابة دعوة النكاح

- ‌(15) باب في قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم) الآية وما يقال عند الجماع

- ‌(16) باب تحريم امتناع المرأة على زوجها إذا أرادها، ونشر أحدهما سر الآخر

- ‌(17) باب في العزل عن المرأة

- ‌(18) باب تحريم وطء الحامل من غيره حتى تضع، وذكر الغيل

- ‌أبواب الرضاع

- ‌(19) باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة

- ‌(20) باب التحريم من قِبَل الفحل

- ‌(21) باب تحريم الأخت وبنت الأخ من الرضاعة

- ‌(22) باب لا تُحرِّم المَصَّةُ ولا المَصَّتان

- ‌(23) باب نسخ عشر رضعات بخمس، ورضاعة الكبير

- ‌(24) باب إنما الرَّضاعة من المَجَاعة

- ‌(25) باب في قوله تعالى: (والمحصنات من النساء)

- ‌(26) باب الولد للفراش

- ‌(27) باب قبول قول القافة في الولد

- ‌(28) باب المقام عند البكر والثيب

- ‌(29) باب في القَسم بين النساء وفي جواز هبة المرأة يومها لضرتها

- ‌(30) باب في قوله تعالى: {تُرجِي مَن تَشَاءُ مِنهُنَّ وَتُؤوِي إِلَيكَ مَن تَشَاءُ}

- ‌(31) باب الحث على نكاح الأبكار وذوات الدين

- ‌(32) باب مَن قَدم من سفر فلا يعجل بالدخول على أهله فإذا دخل فالكيس الكيس

- ‌(33) باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، ومداراة النساء

- ‌(16) كتاب الطلاق

- ‌(1) باب في طلاق السنة

- ‌(2) باب ما يُحِلُّ المطلقة ثلاثًا

- ‌(3) باب إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة

- ‌(4) باب في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}

- ‌(5) باب في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدنَ الحَيَاةَ الدُّنيَا} الآية

- ‌(6) باب إيلاء الرَّجل من نسائه وتأديبهن باعتزالهن مدة

- ‌(7) باب فيمن قال: إن المطلقة البائن لا نفقة لها ولا سكنى

- ‌(8) باب فيمن قال: لها السكنى والنفقة

- ‌(9) باب لا تخرج المطلقة من بيتها حتى تنقضي عدتها إلا إن اضطرت إلى ذلك

- ‌(10) باب ما جاء أن الحامل إذا وضعت حملها فقد انقضت عدتها

- ‌(11) باب في الإحداد على المَيِّت في العدة

- ‌(12) باب ما جاء في اللِّعَان

- ‌(13) باب كيفية اللِّعان ووعظ المتلاعنين

- ‌(14) باب ما يتبع اللِّعان إذا كمل من الأحكام

- ‌(15) باب لا ينفى الولد لمخالفة لون أو شبه

- ‌(17) كتاب العتق

- ‌(1) باب فيمن أعتق شركًا له في عبد وذكر الاستسعاء

- ‌(2) باب إنما الولاء لمن أعتق

- ‌(3) باب كان في بريرة ثلاث سنن

- ‌(4) باب النهي عن بيع الولاء وعن هبته وفي إثم من تولى غير مواليه

- ‌(5) باب ما جاء في فضل عتق الرِّقبة المؤمنة وفي عتق الوالد

- ‌(6) باب تحسين صحبة ملك اليمين، والتغليظ على سيده في لطمه، أو ضربه في غير حد ولا أدب، أو قذفه بالزنا

- ‌(7) باب إطعام المملوك مما يأكل ولباسه مما يلبس، ولا يكلف ما يغلبه

- ‌(8) باب في مضاعفة أجر العبد الصالح

- ‌(9) باب فيمن أعتق عبيده عند موته وهم كل ماله

- ‌(10) باب ما جاء في التدبير وبيع المُدَبَّر

- ‌(18) كتاب البيوع

- ‌(1) باب النهي عن الملامسة، والمنابذة، وبيع الحصاة، والغرر

- ‌(2) باب النهي عن أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وعن تلقي الجلب، وعن التصرية، وعن النجش

- ‌(3) باب لا يبع حاضر لباد

- ‌(4) باب ما جاء: أن التصرية عيب يوجب الخيار

- ‌(5) باب النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض أو ينقل

- ‌(6) باب بيع الخيار، والصدق في البيع، وترك الخديعة

- ‌(7) باب النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها

- ‌(8) باب النَّهي عن المزابنة

- ‌(9) باب الرُّخصة في بيع العَرِيَّةِ بخرصها تمرا

- ‌(10) باب فيمن باع نخلًا فيه تمر، أو عبدا وله مال

- ‌(11) باب النَّهي عن المحاقلة والمخابرة والمعاومة

- ‌(12) باب ما جاء في كراء الأرض

- ‌(13) باب فيمن رأى أن النهي عن كراء الأرض إنما هو من باب الإرشاد إلى الأفضل

- ‌(14) باب المساقاة على جزء من الثمر والزرع

- ‌(15) باب في فضل من غرس غرسًا

- ‌(16) باب في وضع الجائحة

- ‌(17) باب قسم مال المفلس، والحث على وضع بعض الدين

- ‌(18) باب من أدرك ماله عند مُفلس

- ‌(19) باب في إنظار المُعسِر والتجاوز عنه ومطل الغني ظلم، والحوالة

- ‌(20) باب النَّهي عن بيع فضل الماء، وإثم منعه

- ‌(21) باب النهي عن ثمن الكلب، والسنور، وحلوان الكاهن، وكسب الحجام

- ‌(22) باب ما جاء في قتل الكلاب واقتنائها

- ‌(23) باب في إباحة أجرة الحجَّام

- ‌(24) باب تحريم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام

- ‌أبواب الصرف والربا

- ‌(25) باب تحريم التفاضل والنساء في الذهب بالذهب والورق بالورق

- ‌(26) باب تحريم الرِّبا في البُرِّ والشعير والتمر والملح

- ‌(27) باب بيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب

- ‌(28) باب من قال: إن البُرَّ والشعير صنف واحد

- ‌(29) باب فسخ صفقة الربا

- ‌(30) باب ترك قول من قال: لا ربا إلا في النسيئة

- ‌(31) باب اتِّقاء الشبهات ولعن المقدم على الربا

- ‌(32) باب بيع البعير واستثناء حملانه

- ‌(33) باب الاستقراض وحسن القضاء فيه

- ‌(34) باب في السلم والرهن في البيع

- ‌(35) باب النَّهي عن الحكرة، وعن الحلف في البيع

- ‌(36) باب الشفعة

- ‌(37) باب غرز الخشب في جدار الغير، وإذا اختلف في الطريق

- ‌(38) باب إثم من غصب شيئًا من الأرض

- ‌(19) كتاب الوصايا والفرائض

- ‌(1) باب الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز

- ‌(2) باب الصدقة عمَّن لم يوص، وما ينتفع به الإنسان بعد موته

- ‌(3) باب ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم عند موته

- ‌(4) باب ألحقوا الفرائض بأهلها، ولا يرث المسلم الكافر

- ‌(5) باب ميراث الكلالة

- ‌(6) باب من ترك مالًا فلورثته وعصبته

- ‌(7) باب قوله عليه الصلاة والسلام: لا نورث

- ‌(20) كتاب الصَّدقة والهِبَة والحَبس

- ‌(1) باب النهي عن العود في الصدقة

- ‌(2) باب فيمن نحل بعض ولده دون بعض

- ‌(3) باب المنحة مردودة

- ‌(4) باب ما جاء في العمرى

- ‌(5) باب فيما جاء في الحُبس

- ‌(21) كتاب النذور والأيمان

- ‌(1) باب الوفاء بالنذر، وأنه لا يرد من قدر الله شيئا

- ‌(2) باب لا وفاء لنذرٍ في معصية، ولا فيما لا يملك العبد

- ‌(3) باب فيمن نذر أن يمشي إلى الكعبة

- ‌(4) باب كفارة النذر غير المسمى كفارة يمين، والنهي عن الحلف بغير الله تعالى

- ‌(5) باب النهي عن الحلف بالطواغي، ومن حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله

- ‌(6) باب من حلف على يمين فرأى خيرًا منها فليكفر

- ‌(7) باب اليمين على نية المستحلف والاستثناء فيه

- ‌(8) باب ما يخاف من اللجاج في اليمين، وفيمن نذر قربة في الجاهلية

الفصل: ‌(11) باب يصبر على أذاهم وتؤدى حقوقهم

(11) باب يصبر على أذاهم وتؤدَّى حقوقهم

[1424]

عَن أُسَيدِ بنِ حُضَيرٍ أَنَّ رَجُلًا مِن الأَنصَارِ خَلَا بِرسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَلَا تَستَعمِلُنِي كَمَا استَعمَلتَ فُلَانًا؟ فَقَالَ: إِنَّكُم سَتَلقَونَ بَعدِي أَثَرَةً، فَاصبِرُوا حَتَّى تَلقَونِي عَلَى الحَوضِ.

رواه البخاريُّ (3792)، ومسلم (1845)، والترمذي (2190)، والنسائي (8/ 224 - 225).

[1425]

وعَن سَلَمَةُ بنُ يَزِيدَ الجُعفِيُّ وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَرَأَيتَ إِن قَامَت عَلَينَا أُمَرَاءُ يَسأَلُونَنا حَقَّهُم وَيَمنَعُونَنا حَقَّنَا، فَمَا تَأمُرُنَا؟ فَأَعرَضَ عَنهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعرَضَ عَنهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَو فِي الثَّالِثَةِ فَجَذَبَهُ الأَشعَثُ بنُ قَيسٍ، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمَعُوا وَأَطِيعُوا،

ــ

(11)

ومن باب: يصبر على أذاهم وتؤدَّى حقوقهم

قوله صلى الله عليه وسلم للأنصار اصبروا حتى تلقوني على الحوض بشارة لهم بأنهم يَردُون عليه الحوض، ولعلّهم المشار إليهم بقوله صلى الله عليه وسلم إني لأذود الناس عن حوضي بعصاي لأهل اليمن (1) فإن المدينة يمانية، وأهلها سبَّاق أهل اليمن إلى الإسلام وهم الأنصار. وسكوتُ النبي صلى الله عليه وسلم عن السائل حتى كرّر السؤال ثلاثًا يُحتمل أن يكون لأنه كان ينتظر الوحي، أو لأنه كان يستخرج من السائل حرصه على مسألته واحتياجه إليها، أو لأنه كره تلك المسألة لأنها لا تصدر في الغالب إلا من قلب فيه تشوّف لمخالفة الأمراء والخروج عليهم.

(1) رواه أحمد (5/ 280 و 281 و 282)، ومسلم (2301)، وابن حبان (6455).

ص: 54

فَإِنَّمَا عَلَيهِم مَا حُمِّلُوا وَعَلَيكُم مَا حُمِّلتُم.

رواه مسلم (1846)(49)، والترمذيُّ (2200).

[1426]

وعن حُذَيفَةَ بنَ اليَمَانِ قالُ: كَانَ النَّاسُ يَسأَلُونَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عَن الخَيرِ وَكُنتُ أَسأَلُهُ عَن الشَّرِّ مَخَافَةَ أَن يُدرِكَنِي، فَقُلتُ: يَا رسول الله، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الخَيرِ، فَهَل بَعدَ هَذَا الخَيرِ شَرٌّ؟ قَالَ: نَعَم.

ــ

وقوله عليهم ما حُمّلوا وعليكم ما حملتم يعني أن الله تعالى كلَّف الولاة العدل وحسن الرعاية وكلّف المَولَّى عليهم الطاعة وحسن النصيحة، فأراد أنه إن عصى الأمراءُ الله فيكم ولم يقوموا بحقوقكم فلا تعصوا الله أنتم فيهم وقوموا بحقوقهم، فإن الله مُجاز كل واحدٍ من الفريقين بما عمل.

وقول حذيفة كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر يعني أنه كان أكثر مسائل الناس عن الخير وكانت أكثر مسائله عن الشر، وإلَاّ فقد سأل غيره رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كثير من الشر، وقد كان حذيفة أيضًا يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كثير من الخير.

والخير والشر المعنِيان في هذا الحديث إنما هما استقامة أمر دين هذه الأمة والفتن الطارئة عليها، بدليل باقي الحديث وجواب النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك.

وقوله مخافة أن يدركني يدل على حزم حذيفة وأخذه بالحذر، وذلك أنه كان يتوقع موت النبي صلى الله عليه وسلم فيتغير الحال وتظهر الفتن كما اتفق، وفيه دليل على فرض المسائل والكلام عليها قبل وقوعها إذا خيف مَوتُ العالم.

وقوله فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم يعني به الفتن الطارئة بعد انقراض زمان الخليفتين والصدر من زمان عثمان كما تقدّم.

ص: 55

فَقُلتُ: هَل بَعدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِن خَيرٍ؟ قَالَ: نَعَم، وَفِيهِ دَخَنٌ. قُلتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَومٌ يَستَنُّونَ بِغَيرِ سُنَّتِي وَيَهدُونَ بِغَيرِ هَديِي، تَعرِفُ مِنهُم وَتُنكِرُ! فَقُلتُ: هَل بَعدَ ذَلِكَ الخَيرِ مِن شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَم؛ دُعَاةٌ عَلَى

ــ

وقوله فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن بفتح الدال والخاء لا غير، وهو عبارةٌ عن الكدر، ومنه قولهم: هُدنَةٌ على دخنٍ - حكى معناه أبو عبيد. وقيل: هي لغة في الدُّخان. ومنه الحديث: وذكر فتنة فقال: دَخَنُهَا تحت قدمِي (1).

وقيل: إنَّ خبر حذيفة هذا إشارةٌ إلى مُدَّة عمر بن عبد العزيز.

قلت: وفيه بُعدٌ، بل الأولى أن الإشارة بذلك إلى مُدّة خلافة معاوية فإنها كانت تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، وهي مدّة الهدنة التي كان فيها الدَّخن؛ لأنه لما بايع الحسن معاوية واجتمع الناس عليه كره ذلك كثير من الناس بقلوبهم وبقيت الكراهة فيهم، ولم تُمكِنُهم المخالفة في مدة معاوية ولا إظهارها إلى زمن يزيد بن معاوية فأظهرها كثير من الناس. ومدة خلافة معاوية كان الشرّ فيها قليلًا والخير غالبًا، فعليهم يصدق قوله عليه الصلاة والسلام تعرف منهم وتنكر. وأمَّا خلافة ابنه فهي أول الشرِّ الثالث؛ فيزيد وأكثر ولاته ومن بعده من خلفاء بني أميةَ هم الذين يَصدُق عليهم أنّهم دُعَاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، فإنهم لم يسيروا بالسَّواء ولا عدلوا في القضاء، يدل على ذلك تَصَفَّحَ أخبارهم ومطالعة سِيَرهم، ولا يُعتَرضُ على هذا بمدة خلافة عمر بن عبد العزيز بأنها كانت خلافة عدل لقصرها وندورها في بني أمية، فقد كانت سنتين وخمسة أشهر، فكأنَّ هذا الحديث لم يتعرض لها، والله تعالى أعلم.

ودعاة جَمعُ داعٍ، كقضاة وقاض. وقذفوه رموه - يعني بذلك أن

(1) رواه أحمد (2/ 133)، وأبو داود (4242).

ص: 56

أَبوَابِ جَهَنَّمَ، مَن أَجَابَهُم إِلَيهَا قَذَفُوهُ فِيهَا! فَقُلتُ: يَا رسول الله، صِفهُم لَنَا. قَالَ: هَم قَومٌ مِن جِلدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلسِنَتِنَا. قُلتُ: يَا رسول الله، فَمَا تَرَى إِن أَدرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلزَمُ جَمَاعَةَ المُسلِمِينَ وَإِمَامَهُم. قُلتُ: فَإِن لَم تَكُن لَهُم جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعتَزِل تِلكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَو أَن تَعَضَّ عَلَى أَصلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدرِكَكَ المَوتُ وَأَنتَ عَلَى ذَلِكَ.

ــ

مَن وافقهم على آرائهم واتبعهم على أهوائهم كانوا قائديه إلى النار.

وقوله هم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا يعني بأنهم ينتمون إلى نَسَبِهِ، فإنهم من قريشٍ ويتكلمون بكلام العرب، وكذلك كانت أحوال بني أُميَّة.

وقوله تلزم جماعة المسلمين وإمامهم يعني أنه متى اجتمع المسلمون على إمام فلا يُخرج عليه وإن جَارَ - كما تقدّم، وكما قال في الرواية الأخرى فاسمع وأطع، وعلى هذا فتُشهد مع أئمة الجَور الصلوات والجماعات والجهاد والحج، وتُجتَنَبُ معاصيهم ولا يطاعون فيها.

وقوله فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، هذه إشارة إلى مثل الحالة التي اتفقت للناس عند (1) موت معاوية بن يزيد بن معاوية، فإنه توفي لخمسٍ بقين من ربيع الأول سنة أربع وستين ولم يًعهَد لأحدٍ، وبَقِي الناس بعده بقية ربيع الأول وجمادين وأيامًا من رجب من السَّنة المذكورة لا إمام لهم حتى بايع الناس بمكة لابن الزبير وفي الشام لمروان بن الحكم.

وقوله فاعتزل تلك الفرق كلَّها، هذا أمرٌ بالاعتزال عند الفتن، وهو على جهة الوجوب لأنه لا يَسلَمُ الدِّينُ إلَاّ بذلك، وهذا الاعتزال عبارة عن ترك الانتماء إلى من لم تتم إمامته من الفرق المختلفة، فلو بايع أهل الحل والعقد

(1) في (م): بعد.

ص: 57

وفي رواية قَالَ: يَكُونُ بَعدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهتَدُونَ بِهُدَايَ وَلَا يَستَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِم رِجَالٌ قُلُوبُهُم قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثمَانِ إِنسٍ! قَالَ: قُلتُ: كَيفَ أَصنَعُ يَا رسول الله إِن أَدرَكتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَسمَعُ وَتُطِيعُ، وَإِن ضُرِبَ ظَهرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسمَع وَأَطِع.

رواه البخاري (7084)، ومسلم (1847)(51 و 52).

* * *

ــ

لواحدٍ موصوف بشروط الإمامة لانعقدت له الخلافة وحرمت على كل أحدٍ المخالفة، فلو اختلف أهل الحل والعقد فعقدوا لإمامين كما اتفق لابن الزبير ومروان لكان الأول هو الأرجح كما تقدَّم.

وقوله يكون بعدي أمراء قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، هذا خبرٌ عن أمرٍ غيب وقع موافقًا لمخبره، فكان دليلًا على صحة رسالته وصدقه صلى الله عليه وسلم.

والشياطين جمع شيطان، وهو المارد من الجن الكثير الشر، وهل هو مأخوذ من شَطَنَ أي بَعُدَ عن الخير والرحمة، أو من شَاطَ يَشِيطُ إذا احتدَّ واحترق غيظًا؟ اختلف فيه النحويون، وعلى الأول فالنُّونُ أصلية فيُنصَرفُ وَاحِدُهُ، وعلى الثاني فهي غير أصلية فلا ينصَرِف. والجثمان والشخص والآل والطَّلَلُ - كلُّها الجسم، على ما حكاه اللغويون.

* * *

ص: 58